عُثر على أربعة عمال زراعيين أجانب متوفين داخل سيارة اشتعلت فيها النيران في الأول من يونيو/حزيران ببلدة أميندولارا، كالابريا، على طول الطريق الوطني 106 (يونيكا)، في حادثة مأساوية تسلط الضوء على ظروف العمالة المهاجرة واستغلالها. وقد تم تحديد هوية الضحايا وهم وسيم خان (باكستاني، 29 عامًا)، وأمين فضل خوجاني (أفغاني، 28 عامًا)، وعلاء عصمت قيمي (أفغاني، 19 عامًا)، وصفي إياد (أفغاني، 27 عامًا). جميع الضحايا الأربعة كانوا في إيطاليا بشكل قانوني، ولديهم تصاريح إقامة وسجلات جنائية نظيفة، مما ينفي أي شبهات جنائية سابقة قد تربطهم بأي أعمال غير قانونية. أدانت رئيسة الوزراء جيورجيا ميلوني هذه الجريمة بشدة، مؤكدة أن إيطاليا لن تتراجع أمام العنف والوحشية، ودعت إلى تحقيق العدالة بسرعة وحزم لضمان عدم تكرار مثل هذه المآسي التي تستهدف الفئات الضعيفة.
شهادة الناجي وكشف تفاصيل الجريمة
زعم أن الضحايا حُبسوا داخل السيارة قبل أن تُغمر بالبنزين وتُشعل فيها النيران، في جريمة هزت الرأي العام الإيطالي وأثارت تساؤلات حول مدى انتشار الاستغلال. بعد أقل من 24 ساعة على الحادث المروع، أُلقي القبض على مواطنين باكستانيين، سفير أحمد وعلي رضا، وكلاهما يبلغ من العمر 31 عامًا، للاشتباه في ارتكابهما جريمة قتل متعددة مع ظروف مشددة، مما يشير إلى سرعة استجابة السلطات في تحديد المشتبه بهم. أدلى محمد تاج علميار، وهو أفغاني يبلغ من العمر 35 عامًا والناجي الوحيد المعروف من هذا الحادث المأساوي، بشهادته التي كشفت تفاصيل مروعة حول ديناميكية العلاقة بين الضحايا والجناة المزعومين. قال علميار إن الرجلين المعتقلين كانا يتحكمان في تحركات المجموعة وعملها، ويطالبان بالمال مقابل النقل، مما يوضح طبيعة الاستغلال المالي الذي كان يمارس عليهما. ووفقًا لعلميار، فإن "C’est la mafia, la mafia… Ce sont des mafieux pakistanais" (إنها المافيا، المافيا... إنهم مافيا باكستانيون)، مؤكداً على الطبيعة المنظمة والوحشية للاستغلال الذي تعرضوا له. وذكر علميار أن الضحايا رفضوا الدفع، مما أدى إلى جريمة الحرق العمد، وأن العمال كانوا يُهددون بالسكاكين والأسلحة النارية لإجبارهم على الامتثال لمطالب الوسطاء. وأضاف علميار: "Ils nous menaçaient avec des couteaux et des armes à feu pour nous faire travailler" (كانوا يهددوننا بالسكاكين والأسلحة النارية لإجبارنا على العمل)، مما يؤكد على البيئة القسرية التي كانوا يعملون فيها.
كان العمال يقيمون عشرة أشخاص في كل شقة في فيلابيانا (Villapiana)، وهي ظروف سكنية ضيقة وغير إنسانية، وقد تم توفير السكن من قبل نفس الوسطاء، مما يبرز مدى التبعية التي يعيشونها ويجعلهم أسرى لهذا النظام. وقال علميار: "Ils ne nous donnaient pas d’argent ; à manger oui, un logement oui, mais pas d’argent" (لم يكونوا يعطوننا المال؛ الطعام نعم، السكن نعم، لكن ليس المال)، مما يكشف عن حرمانهم من أبسط حقوقهم كعمال وهي الحصول على أجر نقدي. وتابع: "À la fin, ils nous fournissaient le logement mais pas de salaire" (في النهاية، كانوا يوفرون لنا السكن ولكن ليس الأجر)، مما يضعهم في وضع استغلالي كامل حيث يعملون دون مكافأة مالية حقيقية. كما طالب الوسطاء، بحسب علميار، بـ "cinq euros par jour pour le trajet jusqu’au travail" (خمسة يورو يومياً مقابل الانتقال إلى العمل)، مما يقلل بشكل كبير من أي أجر محتمل كان يمكن أن يحصلوا عليه، ويجعلهم يعملون فعلياً مقابل تكاليف النقل والسكن فقط. كان الضحايا يقطفون الفراولة في سكانزانو يونيكو (Scanzano Jonico) منذ 20 أبريل/نيسان، وبحسب ما ورد، كانت المدفوعات الأولية 45 يورو في اليوم، لكن التقارير تشير إلى توقف المدفوعات لاحقاً، مما ترك العمال في وضع مالي صعب للغاية، وعرضهم للاستغلال الشديد. في ضوء هذه الأحداث المروعة التي كشفت عن انتهاكات جسيمة لحقوق العمال، أعلن اتحاد CGIL، وهو النقابة العمالية الرئيسية في إيطاليا، عن تنظيم مظاهرة في أميندولارا، للتنديد بهذه الجريمة البشعة وبظروف العمل الاستغلالية المنتشرة في القطاع الزراعي، داعياً إلى وضع حد لهذه الممارسات.
نظام 'الكابورالاتو': استغلال ممنهج للعمال
يتضمن نظام "الكابورالاتو" (caporalato) قيام القائمين بالتوظيف بتنظيم نقل العمال وإقامتهم وعملهم في الحقول، مما يؤدي غالبًا إلى خلق حالة من التبعية وفرض رسوم عليهم، ويصبحون بذلك وسطاء يتحكمون في كل جانب من جوانب حياة العمال. ويُعد هذا النظام شكلاً من أشكال الاستغلال حيث يقع العمال تحت رحمة هؤلاء الوسطاء الذين يتحكمون في جميع جوانب حياتهم المهنية والشخصية تقريبًا، مستغلين حاجتهم الماسة للعمل. فغالبًا ما يتم خصم رسوم النقل والسكن من أجور العمال، أو يتم فرضها بشكل إضافي، مما يقلل بشكل كبير من الدخل الصافي الذي يحصلون عليه مقابل عملهم الشاق، ويجعلهم يعملون بأجور زهيدة أو بلا أجور حقيقية. هذه الممارسات تجعل العمال، وخاصة المهاجرين منهم، عرضة للاستغلال ولا يمتلكون خيارات بديلة بسهولة، فهم محاصرون بين الحاجة للعمل وغياب الحماية القانونية والاجتماعية. وقد أظهرت الأحداث الأخيرة في أميندولارا، كالابريا، مدى خطورة هذه التبعية والنتائج المأساوية التي قد تترتب عليها، حيث يمكن أن تصل الأمور إلى حد الجريمة المنظمة والوحشية.
وتنتشر العمالة غير المنتظمة بشكل خاص في مناطق جنوب إيطاليا، حيث تشير التقديرات إلى أن أكثر من 40% من العمال قد يعملون بعقود غير نظامية، مما يعكس حجم المشكلة وتغلغلها في الاقتصاد المحلي. وتبرز مناطق بوليا وصقلية وكامبانيا وكالابريا ولاتسيو كأكثر المناطق تأثرًا بهذه الظاهرة، حيث يعاني آلاف العمال من ظروف عمل غير إنسانية، ويفتقرون إلى أبسط حقوق العمل. يعتمد قطاع الزراعة في هذه الأقاليم بشكل كبير على العمالة الموسمية، وكثير منهم من المهاجرين الذين غالبًا ما يفتقرون إلى الحماية القانونية الكافية أو المعرفة بحقوقهم، مما يجعلهم عرضة للاستغلال. هذا الوضع يجعلهم هدفًا سهلًا لوسطاء العمل غير الشرعيين الذين يستغلون حاجتهم للعمل والإقامة، مستغلين بذلك ضعفهم وحاجتهم الماسة، مما يؤدي إلى تفاقم معاناتهم. ويساهم انتشار هذا النوع من العقود في إبقاء العمال في دائرة من الفقر والاستغلال، بعيدًا عن أي ضمانات اجتماعية أو صحية، مما يجعلهم غير مرئيين تقريبًا في المجتمع ويصعب حمايتهم.
القوانين والتحديات في مكافحة الاستغلال
يشير مرصد بلاسيدو ريزوتو التابع لاتحاد CGIL إلى أن ما يقدر بنحو 230 ألف شخص يتعرضون للاستغلال في الحقول الإيطالية، وهو ما يمثل حوالي ربع القوة العاملة الزراعية في البلاد، مما يؤكد حجم المشكلة وتغلغلها في القطاع الزراعي الإيطالي. وتبرز قضية أميندولارا تحولاً في نظام "الكابورالاتو"، حيث يتزايد تورط الوسطاء الأجانب الذين ينتمون إلى نفس مجتمعات العمال المستغلين، مما يزيد من تعقيد الوضع ويصعب على الضحايا الثقة في أي جهة خارجية. ويساهم هذا التحول في تعقيد جهود مكافحة الاستغلال، حيث يستغل الوسطاء الأجانب الروابط المجتمعية واللغوية لفرض سيطرتهم على العمال المهاجرين، مما يجعل من الصعب على الضحايا الإبلاغ عن الانتهاكات بسبب الخوف من الانتقام أو عدم الثقة في السلطات المحلية، ويزيد من عزلتهم.
لمواجهة هذه الظاهرة المتفشية، تبنت إيطاليا القانون رقم 199 في عام 2016، الذي يهدف إلى مكافحة "الكابورالاتو" بشكل أكثر فعالية. وينص هذا القانون على ملاحقة القائمين بالتوظيف وأصحاب العمل قضائياً، ويوفر الحماية للمبلغين عن المخالفات، في محاولة لتوفير إطار قانوني أقوى لردع المستغلين وحماية الضحايا. وقد صُمم القانون لمعالجة الثغرات القانونية السابقة التي سمحت باستمرار استغلال العمال، خاصة في القطاع الزراعي، وتقديم عقوبات أكثر صرامة للمستغلين، بما في ذلك السجن والغرامات الكبيرة.
ومع ذلك، يواجه تطبيق القانون رقم 199 تحديات كبيرة، حيث يُلاحظ تباين في فعاليته عبر المناطق المختلفة. فوفقًا للتقارير، تعاني جهود الإنفاذ من محدودية الموارد البشرية والمالية، مما يعيق قدرة السلطات على تطبيق القانون بشكل شامل وفعال عبر جميع المناطق المتأثرة، ويحد من قدرتها على الوصول إلى جميع الضحايا وتقديم الدعم اللازم لهم. يمنع الخوف العديد من العمال المهاجرين من الإبلاغ عن الانتهاكات التي يتعرضون لها، خشية فقدان عملهم، أو ترحيلهم، أو التعرض للانتقام من قبل الوسطاء أو أصحاب العمل، مما يخلق حاجزًا كبيرًا أمام تحقيق العدالة ويكرس دورة الاستغلال. هذا الخوف المستمر يخلق حاجزًا إضافيًا أمام تحقيق العدالة للضحايا ويكرس دورة الاستغلال، مما يجعل من الصعب كسر هذه السلسلة من الانتهاكات المستمرة.