أكدت السفيرة الإيطالية الجديدة لدى الجزائر، أليساندرا سكيافو، عمق العلاقات الثنائية بين البلدين، مشددة على أن إيطاليا ستقف دائمًا إلى جانب الجزائر كشريك استراتيجي مهم. جاء ذلك خلال خطابها بمناسبة العيد الوطني الإيطالي في السفارة الإيطالية بالجزائر العاصمة يوم الثاني من يونيو، وهو الحدث الذي شهد حضورًا دبلوماسيًا وشخصيات بارزة. صرحت السفيرة سكيافو بأن الأصدقاء يبقون بجانب أصدقائهم في أوقات الشدة، مؤكدة أن "الإيطاليين وقفوا دائمًا إلى جانب الجزائريين ولن يرحلوا أبدًا"، في إشارة واضحة إلى متانة الروابط التاريخية والثقة المتبادلة بين الدولتين. وأضافت السفيرة سكيافو أن الجزائر تُعد الشريك الأول لإيطاليا في القارة الأفريقية وستظل أحد أهم شركائها التجاريين في القارة، مما يؤكد على الأهمية الاستراتيجية للجزائر في السياسة الخارجية والاقتصادية الإيطالية. وأشارت السفيرة إلى أن روما لم تتخلَ عن علاقتها مع الجزائر أو تخون الثقة المتبادلة منذ استقلال الجزائر، تزامناً مع بدء شركة فيات للسيارات الإنتاج في الجزائر، وهو ما يعكس التزام إيطاليا المستمر تجاه الجزائر ورغبتها في تعزيز التعاون الاقتصادي والصناعي على المدى الطويل.
شراكة تاريخية واقتصادية متينة
تتواجد نحو 150 شركة إيطالية في الجزائر، تعرب عن رغبتها في توسيع أنشطتها وتوظيف العمالة المحلية، مما يعكس الاهتمام المتزايد بالاستثمار في السوق الجزائرية الواعدة. وقد تجاوز حجم التبادل التجاري بين الجزائر وإيطاليا 13 مليار يورو، مما يؤكد على الأهمية الاقتصادية الكبيرة للعلاقات الثنائية بين البلدين وتنامي حجم التعاون التجاري بينهما. ومن المتوقع أن يبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين حوالي 13 مليار يورو بحلول عام 2025، مما يسلط الضوء على التوقعات الإيجابية لنمو العلاقات الاقتصادية واستمرارها في مسار تصاعدي.
تمتد الشراكة بين البلدين لتشمل قطاعات متعددة وحيوية، بدءًا من مجال الطاقة وصولاً إلى الطاقات المتجددة، الصناعة، والزراعة، مما يدل على تنوع مجالات التعاون التي يسعى البلدان إلى تطويرها. وتؤكد هذه الشراكة الشاملة على رغبة البلدين في تعزيز الروابط الاقتصادية في مختلف المجالات الحيوية، بهدف تحقيق التنمية المستدامة والمنفعة المتبادلة.
تعود العلاقة التاريخية بين الجزائر وإيطاليا إلى قرون مضت، حيث تمتد جذورها إلى زمن الملوك النوميديين ماسينيسا وسيفاكس وروما القديمة، مما يبرز العمق التاريخي لهذه الشراكة التي تجاوزت الأبعاد الاقتصادية لتشمل الجوانب الثقافية والحضارية. هذه العلاقة العريقة تشكل أساسًا متينًا للتعاون الحالي والمستقبلي بين البلدين، وتوفر إطارًا قويًا لمزيد من التقارب والتفاهم المشترك.
تعاون في قطاعات الطاقة والتكنولوجيا
يُعد مجمع ENI (إيني) الإيطالي من أبرز المستثمرين الأجانب في الجزائر، مما يعكس الأهمية الاستراتيجية للقطاع الطاقوي في العلاقات الثنائية بين البلدين. وتُظهر هذه الشراكة التزام إيطاليا بالاستثمار في الاقتصاد الجزائري، خاصة في مجالات النفط والغاز، حيث يمثل مجمع ENI شريكًا رئيسيًا في استكشاف وإنتاج الطاقة، ويساهم بشكل فعال في تعزيز القدرات الجزائرية في هذا القطاع الحيوي. وتأتي هذه الاستثمارات في سياق تعزيز التعاون الاقتصادي بين البلدين، حيث تسعى كل من الجزائر وإيطاليا إلى تطوير قطاع الطاقة وتعزيز أمن الطاقة الإقليمي والدولي.
في إطار هذا التعاون، أبدت إيطاليا استعدادها لمشاركة التكنولوجيا الحديثة مع الجزائر بهدف تحسين إنتاج النفط والغاز، مما سيساهم في زيادة الكفاءة التشغيلية وتقليل الهدر. ويشمل هذا الدعم تعزيز جهود إزالة الكربون وتقليل حرق الغاز المصاحب، وهي خطوات مهمة نحو تحقيق استدامة بيئية أكبر وكفاءة أعلى في استغلال الموارد الطبيعية، بما يتماشى مع المعايير العالمية لحماية البيئة. كما تهدف هذه الشراكة التكنولوجية إلى دعم مشاريع الطاقة المتجددة في الجزائر، مما يسهم في تنويع مصادر الطاقة ويدعم الانتقال نحو اقتصاد أخضر وأكثر استدامة، ويعزز من قدرة الجزائر على تلبية احتياجاتها الطاقوية المستقبلية. وتستند هذه المبادرات إلى رغبة مشتركة في تعميق الشراكة في قطاعات حيوية، بما يضمن تحقيق التنمية المستدامة لكلا البلدين.
مشاريع مستقبلية ورؤية مشتركة
اختارت روما الجزائر كشريك محوري ضمن "خطة ماتي" (Mattei Plan) لأفريقيا، في إشارة إلى الأهمية الاستراتيجية التي توليها إيطاليا للعلاقات مع الدولة الواقعة في شمال إفريقيا. وتؤكد هذه الخطوة على الدور المحوري للجزائر في المبادرات الإيطالية الهادفة إلى تعزيز التنمية والاستقرار في القارة الأفريقية، مما يعكس اعتراف إيطاليا بمكانة الجزائر كلاعب رئيسي وموثوق في المنطقة.
كما أبدت إيطاليا استعدادها لدعم القطاع الزراعي في المناطق ذات المناخ القاسي بالجزائر، بهدف المساهمة في خلق فرص عمل جديدة وتعزيز التنمية الاقتصادية في مختلف القطاعات، بما يضمن الأمن الغذائي ويقلل من الاعتماد على الاستيراد. ويُظهر هذا التوجه التزام إيطاليا بتوسيع نطاق التعاون ليشمل مجالات حيوية تتجاوز الطاقة، مساهمةً في الأمن الغذائي والتنمية الريفية، وتقديم حلول مستدامة للتحديات المناخية.
وتشمل المشاريع المستقبلية المقترحة إنشاء مركز "إنريكو ماتي" للتدريب والبحث والابتكار في مجال الزراعة بولاية سيدي بلعباس. ويهدف هذا المركز إلى تطوير القدرات المحلية ودعم الابتكار التكنولوجي في القطاع الزراعي، مما يعزز الاستدامة الغذائية ويساهم في النمو الاقتصادي بالمنطقة من خلال توفير الخبرات والتقنيات الحديثة. ويُنتظر أن يلعب هذا المركز دوراً محورياً في نقل الخبرات الإيطالية المتطورة في مجال الزراعة، خاصة في بيئات التحديات المناخية، إلى الجزائر، مما يعزز من قدرتها على تحقيق الاكتفاء الذاتي الغذائي وتصدير الفوائض. هذه المبادرات المشتركة تعكس رؤية واضحة لتعميق الشراكة وتوسيع آفاق التعاون بين إيطاليا والجزائر في المستقبل، وبناء علاقات استراتيجية قوية ومتينة.