دراسة تتنبأ بسيناريوهات مستقبل البرنامج النووي الإيراني: "العتبة النووية" الأكثر ترجيحاً

“العتبة النووية” تتصدر المشهد و”القنبلة” تبقى خيارا قائما
الصورة عبر Echoroukonline

تُصدر دراسة أعدها الباحث في العلاقات الدولية والاستراتيجية وليد عبد الحي، ونشرها مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، تحليلاً مفصلاً حول مستقبل البرنامج النووي الإيراني، متنبئةً بسيناريوهات محتملة. تشير الدراسة إلى أن إيران تقترب أكثر من أي وقت مضى من أن تصبح "دولة نووية كامنة"، وهو ما يمنح طهران مكاسب متعددة.

وتحدد الدراسة أربعة سيناريوهات رئيسية لمستقبل البرنامج النووي الإيراني، معتبرة أن التخلي عن مشروع استراتيجي استثمرت فيه إيران لعقود قد يفسر داخلياً على أنه تراجع سياسي واستراتيجي. وترى النخب الداعمة للبرنامج النووي أنه أحد أهم عناصر القوة والردع في مواجهة الضغوط الخارجية. وتشير الدراسة إلى أن هذا الوضع يمنح طهران "أوراق قوة استراتيجية مهمة، ويبقي خصومها في حالة من الشك وعدم اليقين، وفي الوقت نفسه يتجنب التداعيات السياسية والقانونية والعسكرية التي قد تنجم عن إعلان امتلاك سلاح نووي". كما يمنح هذا الخيار إيران "قدرة تفاوضية أكبر في مواجهة الولايات المتحدة والقوى الغربية".

السيناريوهات الأربعة المحتملة للبرنامج النووي

تحدد الدراسة التي أعدها الباحث وليد عبد الحي أربعة سيناريوهات محتملة لمستقبل البرنامج النووي الإيراني. أول هذه السيناريوهات يتناول التخلي عن البرنامج النووي أو تفكيكه بشكل كامل. ترى الدراسة أن هذا الخيار يتمثل في إنهاء إيران لكافة أنشطتها النووية ذات الصلة بالتسلح، والعودة إلى الالتزام الكامل بالاتفاقيات الدولية، أو حتى تفكيك البنية التحتية النووية الحالية.

ويشير تحليل مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات إلى أن هذا السيناريو يُعد الأقل ترجيحاً، حيث تُقدر احتمالية تخلي إيران عن برنامجها النووي بما يتراوح بين 5 و 10 بالمائة. ويعكس هذا التقدير قناعة طهران بأن البرنامج النووي يمثل رادعاً استراتيجياً ومكسباً سياسياً لا يمكن التنازل عنه بسهولة.

السيناريو الثاني، والذي تراه الدراسة الأكثر ترجيحاً، هو الوصول إلى "العتبة النووية". يتضمن هذا السيناريو احتفاظ إيران بقدراتها الفنية والعلمية اللازمة لإنتاج سلاح نووي في وقت قصير، دون الإعلان الرسمي عن امتلاك قنبلة نووية. هذا الخيار يسمح لطهران بالاستفادة من الردع غير المباشر وتجنب التداعيات المباشرة لامتلاك السلاح.

أما السيناريو الثالث فيفترض امتلاك إيران رسمياً لأسلحة نووية، لتصبح بذلك الدولة النووية العاشرة في العالم. هذا الخيار سيعني إعلان طهران عن قدراتها النووية العسكرية، مما سيغير بشكل جذري ميزان القوى في منطقة الشرق الأوسط ويترتب عليه ردود فعل دولية وإقليمية واسعة النطاق.

السيناريو الرابع والأخير الذي تطرحه الدراسة هو وقوع أحداث "البجعة السوداء". يشير هذا المصطلح إلى أحداث غير متوقعة ويصعب التنبؤ بها، لكن تأثيرها يكون هائلاً على مسار البرنامج النووي الإيراني. يمكن أن تشمل هذه الأحداث تطورات داخلية غير متوقعة في إيران، أو صراعات إقليمية غير محسوبة، أو تحولات كبرى في السياسة الدولية تؤثر بشكل جذري على الوضع الراهن.

تحليل احتمالات السيناريوهات واستبعاد خيار التخلي

تُعتبر دراسة أعدها الباحث وليد عبد الحي ونشرها مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات أن سيناريو "العتبة النووية" هو الأكثر ترجيحاً لمستقبل البرنامج النووي الإيراني في السنوات المقبلة. يُقدر هذا السيناريو بأنه الأكثر احتمالاً، بنسبة تتراوح بين 60 و65 بالمئة، وذلك حتى عام 2030. يرى هذا الاحتمال أن إيران ستحتفظ بالقدرات الفنية والعلمية اللازمة لإنتاج سلاح نووي في وقت قصير دون الإعلان الرسمي عن امتلاكه. ترى الدراسة أن "هذا الوضع يمنح طهران مكاسب متعددة، إذ يبقي خصومها في حالة من الشك وعدم اليقين، وفي الوقت نفسه يتجنب التداعيات السياسية والقانونية والعسكرية التي قد تنجم عن إعلان امتلاك سلاح نووي." كما تضيف الدراسة أن "هذا الخيار يمنح إيران قدرة تفاوضية أكبر في مواجهة الولايات المتحدة والقوى الغربية، إذ يصبح البرنامج النووي ورقة ضغط تستخدمها طهران في الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية."

وتستبعد الدراسة سيناريو التخلي الكامل عن البرنامج النووي الإيراني، مشيرةً إلى أنه "قد يفسر داخلياً على أنه تراجع سياسي واستراتيجي، وأن النخب الداعمة للبرنامج النووي ترى فيه أحد أهم عناصر القوة والردع في مواجهة الضغوط الخارجية." تؤكد الدراسة على أن هذا المسار قد يصبح أكثر جاذبية لصناع القرار في طهران إذا ارتفعت مستويات التهديد الخارجي، أو إذا اقتنعت القيادة الإيرانية بأن امتلاك أسلحة نووية هو الضمان الوحيد لبقاء النظام ومنع أي تدخل عسكري ضد البلاد. "يرى جزء من النخبة الإيرانية التجربة الكورية الشمالية كدليل على أن الأسلحة النووية يمكن أن توفر مظلة ردع فعالة ضد القوى الكبرى،" وفقاً للدراسة.

ومع ذلك، تحذر الدراسة من أن "هذا السيناريو يحمل مخاطر كبيرة، أبرزها احتمال تعرض إيران لهجمات عسكرية واسعة النطاق، أو دفع قوى إقليمية أخرى للسعي لامتلاك أسلحة نووية، مما سيفتح الباب أمام سباق تسلح غير مسبوق في الشرق الأوسط." وتشير الدراسة إلى أن "مستقبل البرنامج النووي الإيراني يبدو محكوماً بمعادلة دقيقة تجمع بين الردع والغموض والمساومة السياسية، بانتظار التطورات التي ستفرزها المستجدات الإقليمية والدولية في السنوات القادمة."

عوامل التأثير الخارجي والداخلي على المسار

تُشير دراسة أعدها الباحث وليد عبد الحي إلى أن الضغوط الأمريكية والإسرائيلية ستبقى العامل الأكثر تأثيراً في تحديد مسار البرنامج النووي الإيراني خلال السنوات المقبلة. وتوضح الدراسة أن هذه الضغوط الخارجية المستمرة، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو عسكرية، ستلعب دوراً محورياً في توجيه القرارات الإيرانية المتعلقة بقدراتها النووية. كما تؤكد الدراسة أن التأثيرات الداخلية، مثل الحسابات الاستراتيجية للنخب الإيرانية ورغبتها في الحفاظ على قوة الردع، ستتفاعل مع هذه الضغوط الخارجية لخلق المشهد المستقبلي للبرنامج.

وفي سياق هذه التوقعات، تُقدر الدراسة احتمالية امتلاك إيران رسمياً لأسلحة نووية بما يتراوح بين 35 و40 بالمائة. يعكس هذا التقدير منظوراً بأن طهران قد تختار في النهاية الإعلان عن امتلاكها للسلاح النووي إذا ما رأت أن التهديدات الخارجية تجاوزت عتبة معينة، أو إذا كانت ترى في ذلك السبيل الوحيد لضمان أمنها القومي وحماية نظامها. ومع ذلك، لا تزال هذه النسبة أقل من سيناريو "العتبة النووية" الذي يُعتبر الأكثر ترجيحاً.