الجزائر تعزز الرقابة على السوق العقاري لمكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب

تجنيد 1900 وكالة لرصد الأموال مجهولة المصدر بسوق العقار
الصورة عبر Echoroukonline

تكثف الجزائر جهودها لتعزيز نظامها الوطني لمكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب، مع التركيز بشكل خاص على القطاع العقاري. تأتي هذه الخطوة في إطار مساعي البلاد لضبط التعاملات المالية وضمان شفافية السوق، وهي جهود متواصلة تهدف إلى تعزيز الاستقرار المالي والاقتصادي. في سياق متصل، أعلنت الفدرالية الوطنية للوكالات العقارية عن توظيف ما يقرب من 1900 وكالة عقارية معتمدة في جميع أنحاء البلاد. يهدف هذا الإجراء إلى توسيع نطاق الرقابة الرسمية على المعاملات العقارية، مما يسهم في الحد من الأنشطة غير المشروعة المرتبطة بهذه التعاملات وتعزيز الامتثال للمعايير الدولية لمكافحة الجرائم المالية.

وتشكل هذه الجهود جزءاً لا يتجزأ من استراتيجية الجزائر الشاملة لتحسين بيئتها المالية ومكافحة الجريمة المنظمة، حيث تُولي السلطات أهمية قصوى لتجفيف منابع تمويل الأنشطة غير القانونية. ويُعد تعزيز الرقابة على القطاع العقاري خطوة حاسمة في هذا الاتجاه، نظراً لدوره المحوري في الاقتصاد وحجم الأموال المتداولة فيه.

أهمية القطاع العقاري في مكافحة الجريمة المالية

يُعد القطاع العقاري من بين القطاعات الأكثر عرضة لمحاولات تبييض الأموال غير المشروعة، نظراً لسيولة الأموال الكبيرة التي يتداولها وحجم المعاملات التي تتم فيه. وتظهر البيانات أن ما بين 80% و 90% من المعاملات العقارية في الجزائر تتم خارج القنوات المهنية المنظمة، وغالباً ما تتم هذه العمليات من خلال وسطاء غير معتمدين وصفحات على منصات التواصل الاجتماعي مثل تيك توك وإنستغرام. هذه الظاهرة تزيد من صعوبة تتبع مصدر الأموال وتسهل من عمليات غسيل الأموال وتمويل الإرهاب، مما يجعله هدفاً رئيسياً للشبكات الإجرامية التي تسعى لإضفاء الشرعية على أموالها غير المشروعة.

ولمعالجة هذا التحدي، تؤكد السلطات الجزائرية على أن مهنة الوساطة العقارية تتطلب اعتماداً رسمياً وترخيصاً قانونياً لممارستها، بهدف إضفاء الشفافية والرقابة على جميع التعاملات. تهدف هذه الإجراءات إلى إدراج جميع الوسطاء ضمن الإطار القانوني، مما يتيح تتبع المعاملات المالية بشكل أكثر فعالية ويحد من استخدام القطاع العقاري في الأنشطة غير المشروعة. ويُشكل هذا الإطار القانوني الجديد حجر الزاوية في استراتيجية الحكومة لتنظيم السوق وضمان امتثاله للمعايير الدولية، وبالتالي تقليل المخاطر المرتبطة بالاستخدام غير المشروع للعقارات.

كما أن هذا التنظيم يسعى إلى سد الثغرات التي كانت تسمح للمجرمين باستغلال القطاع العقاري كواجهة لغسيل الأموال، من خلال شراء العقارات بأسعار مبالغ فيها أو بيعها بأسعار أقل من قيمتها السوقية لتبرير مصادر الأموال.

تحديات السوق العقاري الحالي

يشهد السوق العقاري الجزائري حالة من الترقب والركود النسبي منذ عدة أشهر، تزامناً مع تراجع ملحوظ في صفقات العقارات. أثر ذلك على ديناميكية السوق، حيث يفضل العديد من المشترين والبائعين الانتظار قبل اتخاذ قرارات استثمارية كبرى في ظل حالة عدم اليقين التي تسود القطاع. هذا التباطؤ يعكس جزئياً التوقعات بتغيرات مستقبلية في الأسعار والعرض.

ومن المتوقع أن تشهد أسعار العقارات انخفاضاً خلال الأشهر القادمة، خاصة إذا تم توزيع وحدات سكنية ضمن برنامج "عدل 3" ومشاريع الإيجار المنتهي بالتمليك. يعتقد مراقبون أن طرح هذه الوحدات السكنية الجديدة سيؤدي إلى زيادة العرض في السوق، مما قد يضغط على الأسعار الحالية نحو الانخفاض، وبالتالي قد يغير المشهد العام للسوق العقاري في البلاد بشكل كبير. هذه المشاريع الحكومية تهدف إلى تلبية الطلب المتزايد على السكن، ولكنها قد تحمل في طياتها تأثيرات على توازن العرض والطلب في السوق العقاري الحر.

دور الوكالات العقارية في تعزيز الشفافية

تعمل الجزائر على تسريع عملية خروجها من القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي الدولية (FATF)، في إطار سعيها لتعزيز مكانتها المالية الدولية. وتأتي هذه الجهود بالتوازي مع تشديد الرقابة على القطاع العقاري، الذي يُعد عنصراً حيوياً في استراتيجية البلاد لمكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب. ويُتوقع أن تساهم الوكالات العقارية المعتمدة في هذا المسعى بشكل فعال، من خلال تطبيق المعايير الجديدة للشفافية وتتبع المعاملات.

وستقوم هذه الوكالات بدور محوري في مراقبة المعاملات المشبوهة ومصادر الأموال غير المعروفة داخل السوق العقاري. ويشمل ذلك تحديد أي تدفقات مالية غير مبررة أو تعاملات خارجة عن النطاق المعتاد، مما يساعد السلطات على تعقب الأموال غير المشروعة. ويهدف هذا الإجراء إلى سد الثغرات التي قد تستغلها الشبكات الإجرامية لغسل الأموال أو تمويل الأنشطة الإرهابية عبر شراء وبيع العقارات. كما أن هذه الوكالات ستكون ملزمة بالإبلاغ عن أي نشاط مالي مشبوه، مما يعزز من قدرة الأجهزة الرقابية على التدخل والتحقيق في الوقت المناسب.

ويتمثل الهدف الرئيس من تنظيم مهنة الوساطة العقارية في حماية حقوق كل من المشترين والبائعين، والقضاء على الوساطة العشوائية التي أدت إلى فوضى في السوق. وتهدف الحكومة من خلال هذه الخطوات إلى إضفاء الطابع الرسمي على جميع التعاملات العقارية، وضمان أن تتم المعاملات عبر قنوات قانونية وشفافة، مما يقلل من فرص التلاعب والاحتيال، ويعزز الثقة في القطاع العقاري الجزائري ككل. هذا التنظيم يضمن بيئة آمنة للمستثمرين والمتعاملين، ويساهم في بناء اقتصاد وطني أكثر قوة ومنعة ضد الجرائم المالية.