شهدت تيرانا، ألبانيا، احتجاجات مستمرة لآلاف الألبان على مدى ثلاثة أيام متتالية على الأقل، حيث خرجت مظاهرات واسعة النطاق ليلة الأربعاء للمرة الرابعة، معبرة عن رفض شعبي متزايد. تستهدف هذه الاحتجاجات مشروعًا سياحيًا فاخرًا تقدر قيمته بـ 1.6 مليار دولار، والذي أفادت تقارير بأنه مرتبط بجاريد كوشنر، صهر دونالد ترامب. يتضمن المشروع المقترح تطويرًا واسع النطاق في جزيرة سازان (Sazan) والأراضي الرطبة والموائل الساحلية المحيطة بها، وهي منطقة تقع داخل حديقة بحرية وطنية محمية.
تخطط شركة "أفينيتي بارتنرز" (Affinity Partners) للأسهم الخاصة التابعة لكوشنر تطوير منتجع فاخر كبير على جزيرة سازان الألبانية وساحل زفيرنيك (Zvernec) بالقرب من فلورا (Vlora)، وفقًا لتقارير إعلامية مفصلة. وقد أظهر الاهتمام بالمشروع مبكرًا، حيث زار جاريد كوشنر الموقع المقترح مع زوجته إيفانكا ترامب في يناير/كانون الثاني 2026. وفي أبريل/نيسان 2026، أكد رئيس الوزراء الألباني إيدي راما استمرار المناقشات حول المشروع، مما يعكس جدية الحكومة في المضي قدمًا. وصرح راما باللغة الفرنسية، مؤكداً موقفه الحازم، قائلاً: "Il n’y a absolument aucune chance que l’investissement s’arrête tant que je serai là" (لا توجد أي فرصة على الإطلاق لتوقف الاستثمار طالما أنا موجود). وأضاف رئيس الوزراء أن "من المهم جداً أن نبقى مضيافين، وأن نبقى منصفين، وألا نتبنى تحت أي ظرف من الظروف وصمة عار كوننا بلداً يستقبل المستثمرين بعداء". وأشار راما أيضاً إلى أن الأمر "لم يكن مرتبطاً بترامب بل بجاريد كمستثمر أمريكي يحمل مشروعاً كبيراً". كما صرح رئيس الوزراء الألباني إيدي راما، "أنا مستعد للتحدث مع المحتجين الحقيقيين الذين لديهم مخاوف بيئية، وليس مع أولئك الذين يريدون "الترويج لمواقف معادية للتنمية"".
مخاوف بيئية وتراث طبيعي مهدد
تثير خطط تطوير المنتجع الفاخر في جزيرة سازان (Sazan) وساحل زفيرنيك (Zvernec) مخاوف بيئية عميقة وتساؤلات حول مستقبل الحياة البرية في المنطقة، حيث يُعتبر القطاع المستهدف أحد الملاذات الأخيرة في البحر الأبيض المتوسط لفقمة الراهب المتوسطية، وهي من الأنواع المهددة بالانقراض بشدة. هذه الفقمة النادرة تعتمد على السواحل البكر والكهوف البحرية التي قد تتأثر سلبًا بالتطوير العمراني الواسع. وتُعد المنطقة موطناً لأكثر من 200 نوع من الطيور، العديد منها مهدد بالانقراض، بما في ذلك طيور الفلامنجو ذات الأهمية البيئية الكبيرة والبجع الدلماسي (Dalmatian pelicans)، مما يضيف إلى القلق بشأن التأثير البيئي للمشروع على التنوع البيولوجي.
وقد أظهرت تقارير أنه تم نشر آليات ثقيلة لإزالة الكثبان الرملية القديمة وغابات الصنوبر المتوسطية، مما يشير إلى البدء الفعلي لأعمال قد تضر بالنظام البيئي الهش وتغير من طبيعة المنطقة بشكل لا رجعة فيه. هذه الإجراءات المسبقة تزيد من حدة المخاوف لدى النشطاء البيئيين والمجتمعات المحلية. وفي سياق هذه المخاوف، أكد رئيس الوزراء الألباني إيدي راما (Edi Rama) موقفه الداعم للمشروع، مكررًا تصريحاته السابقة. وصرح راما باللغة الفرنسية قائلاً: "Il n’y a absolument aucune chance que l’investissement s’arrête tant que je serai là" (لا توجد أي فرصة على الإطلاق لتوقف الاستثمار طالما أنا موجود). وتعكس هذه التصريحات إصراره على المضي قدماً في الخطط رغم الاعتراضات المتزايدة من المجتمع المدني والمنظمات البيئية. ومن المتوقع أن يشتمل المنتجع المقترح على ما يصل إلى 10 آلاف غرفة فندقية، مما يشير إلى حجم المشروع الضخم وتأثيره المحتمل على المنطقة الطبيعية المحمية، من حيث البنية التحتية والضغط البشري على الموارد الطبيعية.
تداعيات قانونية وتحقيقات حكومية
فتح مكتب المدعي العام الخاص لمكافحة الفساد (SPAK) تحقيقًا في التغييرات التشريعية التي طرأت عام 2024 بشأن المناطق المحمية. جاء هذا التحقيق بعد أن أعلن مدعي مكافحة الفساد في ألبانيا في وقت سابق من هذا الأسبوع أنه يحقق في ملكية الأراضي المخصصة للمشروع ووضعها القانوني. هذا الإجراء القانوني يأتي في أعقاب تعديلات مثيرة للجدل لقانون المناطق المحمية في ألبانيا عام 2024، والتي مهدت الطريق للتطوير السياحي في بعض تلك المناطق التي كانت سابقًا تحت حماية صارمة. هذه التعديلات أثارت انتقادات واسعة من منظمات المجتمع المدني والخبراء البيئيين الذين يرون أنها تفتح الباب أمام استغلال غير مستدام للموارد الطبيعية.
في المقابل، دافع آشر أبيهسيرا (Asher Abehsera)، رئيس شركة سازان للتطوير العقاري (Sazan Real Estate Development LLC)، عن التزام المشروع بالمعايير البيئية وأكد على فوائده المحتملة. وصرح أبيهسيرا باللغة الفرنسية قائلاً: "Notre priorité reste une gestion responsable, l’amélioration environnementale, la création d’emplois et la création de valeur à long terme pour les communautés locales. Nous respectons les processus publics et institutionnels en cours" (تظل أولويتنا هي الإدارة المسؤولة، والتحسين البيئي، وخلق فرص العمل، وتوليد قيمة طويلة الأجل للمجتمعات المحلية. نحن نحترم العمليات العامة والمؤسسية الجارية). هذه التصريحات تسعى لطمأنة الجمهور والسلطات بشأن نوايا المطورين.
على صعيد آخر، أفادت تقارير بأن حارس أمن اعتُقل واحتُجز، متهمًا بالاعتداء على متظاهر واحتجازه بشكل غير قانوني في سياق الاحتجاجات المتصاعدة. كما ذكرت تقارير أخرى أنه تم التحفظ على أصول أشخاص مرتبطين بالمشروع، مما يعكس تصاعد الإجراءات القانونية والإدارية المتعلقة بالتطوير والتدقيق الحكومي المتزايد. وعلى صعيد متصل، أفادت بعض التقارير أن أقلية صغيرة قامت بنشر معلومات مضللة عبر الإنترنت، زعمت زوراً أن الأرض قد بيعت لإسرائيل، في محاولة لتأجيج المشاعر وتشويه صورة المشروع.
تاريخ المنطقة والاستثمار الأجنبي
ظلت ألبانيا معزولة عن العالم لمدة تقارب خمسين عامًا تحت حكم نظام الدكتاتور أنور خوجة، وهو ما أثر بشكل كبير على تاريخها الاقتصادي والتنموي، وترك البلاد في حاجة ماسة للاستثمار الأجنبي لإعادة بناء اقتصادها. وفي سياق الجهود لجذب الاستثمار الأجنبي وتعزيز التنمية الاقتصادية، زارت إيفانكا ترامب الموقع المقترح للمشروع الفاخر في وقت سابق من العام الحالي برفقة مهندسين، في مؤشر على الاهتمام الدولي بالمنطقة وإمكانياتها السياحية.
وتتوسع حركة الاحتجاجات ضد المشروع خارج العاصمة تيرانا، حيث تم التخطيط لمظاهرات أخرى في جنوب البلاد بالقرب من موقع البناء المقترح في محاولة لوقف الأعمال الإنشائية. وإلى جانب الاحتجاجات المحلية، من المقرر تنظيم احتجاجات للجالية الألبانية يوم الأحد خارج البرلمان الأوروبي في بروكسل وفي مدن أوروبية أخرى، مما يعكس اتساع نطاق المعارضة للمشروع على الصعيد الدولي ويسلط الضوء على القضية أمام المؤسسات الأوروبية. وقد تزامن أحد الأحداث مع هذه التوترات، حيث كانت مباراة كرة قدم بين إسرائيل وألبانيا مقررة في مكان قريب، مما أثار بعض المخاوف الأمنية واللوجستية.
ردود فعل رسمية وشعبية
في أواخر مايو/أيار، قام المطورون بتسييج جزء من موقع المشروع بالأسلاك الشائكة، في خطوة عملية نحو بدء الإنشاء. وقد بدأ عمال البناء في إقامة سياج خرساني مزود بأسلاك شائكة حول الموقع القريب من زفيرنيك (Zvërnec)، مما أثار غضب المحتجين وعزز شعورهم بأن المنطقة الطبيعية تتعرض للتعدي. وقد تحول طائر الفلامنجو، الذي يعد رمزًا للحياة البرية الغنية في المنطقة المهددة، إلى رمز للحركة الاحتجاجية، التي يُشار إليها الآن بـ "ثورة الفلامنجو"، مما يعكس ارتباط المحتجين بالبيئة المحلية.
من جانبه، عرض رئيس الوزراء الألباني إيدي راما (Edi Rama) لقاء المحتجين، مؤكداً أنه "مستعد للتحدث مع المحتجين الحقيقيين الذين لديهم مخاوف بيئية، وليس مع أولئك الذين يريدون "الترويج لمواقف معادية للتنمية"". هذه الدعوة قد تكون محاولة لتهدئة التوترات وفتح قنوات الحوار مع الفئات المعنية.
ويهدف راما إلى دمج ألبانيا في الاتحاد الأوروبي بحلول عام 2030، وهو هدف استراتيجي طويل الأمد للحكومة الألبانية. وفي هذا السياق، حذر من أن يُنظر إلى البلاد على أنها معادية للمستثمرين، وهو ما قد يعرقل جهود الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. وصرح راما بالفرنسية، قائلاً: "Il était très important que nous restions accueillants، que nous restions équitables، et que nous n’endossions en aucune circonstance la stigmatisation d’être un pays où les investisseurs sont accueillis avec hostilité." (كان من المهم جداً أن نبقى مضيافين، وأن نبقى منصفين، وألا نتبنى تحت أي ظرف من الظروف وصمة عار كوننا بلداً يستقبل المستثمرين بعداء). كما أشار راما إلى أن المشروع "Ce n’était pas lié à Trump mais à Jared en tant qu’investisseur américain portant un grand projet." (لم يكن مرتبطاً بترامب بل بجاريد كمستثمر أمريكي يحمل مشروعاً كبيراً)، في محاولة لفصل المشروع عن أي دلالات سياسية مرتبطة بإدارة ترامب السابقة. واقتحم المتظاهرون الحواجز المعدنية بالقرب من مكتب رئيس الوزراء، رغم محاولات الشرطة لإبعادهم بخراطيم المياه مساء الأربعاء، مما يدل على تصميمهم على إيصال صوتهم إلى أعلى المستويات الحكومية. وقد أكد راما في وقت سابق: "Il n’y a absolument aucune chance que l’investissement s’arrête tant que je serai là." (لا توجد أي فرصة على الإطلاق لتوقف الاستثمار طالما أنا موجود)، مما يضع تحديًا مباشرًا أمام المحتجين ويزيد من حدة المواجهة بين الحكومة والمعارضة الشعبية.