معهد الرياضيات الجزائري: حلم علمي طواه النسيان لعقدين

جانب من اللقاء التأسيسي للمجلس الأعلى للجالية العلمية الوطنية بالخارج
الصورة: وكالات عبر Echoroukonline

نظمت الجزائر لقاء وطنياً لعلماء الرياضيات في عام 2000، متزامناً مع إعلان اليونسكو (UNESCO) العام الدولي للرياضيات، بهدف استعراض وضع البحث العلمي في البلاد وسبل النهوض به. جاء هذا اللقاء في وقت حرج، حيث أدت الأزمة الجزائرية خلال تسعينيات القرن الماضي إلى هجرة واسعة النطاق للعديد من الباحثين الأكفاء، مما أضعف فرق البحث الوطنية بشكل كبير. وقد خلقت هذه الظروف حاجة ملحة لإنشاء مؤسسة وطنية للتميز العلمي، تكون قادرة على استقطاب الكفاءات وتوجيه الجهود البحثية نحو أهداف استراتيجية تخدم التنمية الشاملة للبلاد.

بذور الفكرة ونشأة الطموح

شهد اللقاء الوطني لعلماء الرياضيات في الجزائر عام 2000 حضور ما يقرب من 300 أستاذ وباحث جامعي، قدموا من داخل الجزائر وخارجها، لمناقشة واقع البحث العلمي وآفاق تطويره. وقد خلص المشاركون في هذا اللقاء إلى أن الجزائر تفتقر إلى مؤسسة وطنية قادرة على جمع نخبتها الرياضية وتوجيهها نحو المشاريع الاستراتيجية الحيوية للبلاد. من هذا المنطلق، نبتت فكرة إنشاء معهد وطني للرياضيات ينهض بهذا الدور المحوري.

كان المعهد المقترح يهدف إلى محاكاة مؤسسات عالمية مرموقة في مجال البحث العلمي والرياضيات، مثل معهد الدراسات المتقدمة (IAS) في برينستون بالولايات المتحدة، ومعهد الدراسات العلمية العليا (IHES) في فرنسا، ومعاهد ماكس بلانك (Max Planck) في ألمانيا، بالإضافة إلى المعهد الوطني للرياضيات البحتة والتطبيقية (IMPA) في البرازيل. هذه المؤسسات، التي تشتهر بكونها مراكز للتميز البحثي، شكلت نموذجاً طموحاً للمعهد الجزائري المنشود.

لم تقتصر رؤية المشروع على مجرد البحث الأكاديمي، بل تضمنت أيضاً استخدام الرياضيات كأداة فاعلة في قطاعات التنمية الوطنية الحيوية. كان من المتوقع أن تساهم الأبحاث في مجالات مثل الطاقة والوقود والطب والمناخ والاقتصاد، فضلاً عن تطبيقاتها المتقدمة في التشفير والاتصالات وأمن المعلومات، وهي مجالات ذات أهمية استراتيجية قصوى للدولة.

شمل تطوير الموارد البشرية المقترح تأسيس مدرسة دكتوراه رفيعة المستوى، تستقطب أفضل المواهب الشابة وتوفر لهم بيئة بحثية محفزة. كما تضمنت الخطة استضافة طلاب ما بعد الدكتوراه، ودعوة الباحثين الجزائريين المقيمين في الخارج للاستفادة من خبراتهم، بالإضافة إلى استقطاب عدد من العلماء الأجانب المتميزين لتبادل المعرفة والخبرات، مما يثري البيئة البحثية ويعزز مكانة الجزائر على الخريطة العلمية العالمية.

مسارات التخطيط والتعاون الدولي

بدأت جهود تأسيس معهد الرياضيات الجزائري في عام 2000 واستمرت حتى عام 2017، بهدف وضع أسس متينة لمؤسسة علمية رائدة. تضمنت هذه المساعي مرحلة ثانية شملت محاولات لإنشاء "مختبر أوروبي مغاربي للرياضيات" بالتعاون مع المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي (CNRS)، مما يعكس الرغبة في بناء جسور التعاون العلمي الدولي والاستفادة من الخبرات الأوروبية المتقدمة.

تم إعداد مشروع مرسوم تنفيذي مفصل لتأسيس المعهد، حدد أهدافه الطموحة وهيكلته الإدارية والعلمية، وآليات تمويله المستدام، وكيفية توظيف الكفاءات العلمية والإدارية به. هذا الإعداد الدقيق للمرسوم دل على الجدية في التعامل مع المشروع ووضع تصور شامل لكل جوانبه. وقد جرى التأسيس الرسمي للجنة التوجيهية المعنية بالمشروع في 29 أكتوبر 2014، وذلك للإشراف على المراحل النهائية للتخطيط والتنفيذ. هذه الخطوة عكست تقدماً ملموساً نحو ترجمة هذه الرؤية العلمية إلى واقع ملموس.

رسائل دعم وتساؤلات مستمرة

حظي المشروع بدعم شخصيات علمية مرموقة، حيث أرسل عالم الرياضيات الفرنسي سيدريك فيلاني (Cédric Villani)، الحائز على ميدالية فيلدز المرموقة والتي تعتبر بمثابة جائزة نوبل في الرياضيات، رسالة دعم للوزراء الجزائريين في عام 2014. شدد فيلاني في رسالته على الدور المحوري للعلوم الرياضية في الاقتصاد العالمي الحديث، مؤكداً على أن الاستثمار في الرياضيات هو استثمار في المستقبل الاقتصادي والتكنولوجي لأي أمة.

كما طُلب الدعم من محمد علي بوغازي، الذي كان يشغل حينها منصب مستشار للرئيس ووزيرًا سابقًا للبحث العلمي، عبر رسالة مؤرخة في 5 أكتوبر 2014، وذلك لإنشاء مركز وطني لأبحاث الرياضيات، مما يؤكد على أهمية الدعم السياسي والإداري للمشروع. وفي خطوة لاحقة، أرسلت "اللجنة التوجيهية لإعداد مشروع المعهد العالي للرياضيات" استفساراً حول وضع المشروع إلى وزير التعليم العالي والبحث العلمي برسالة مؤرخة في 10 ديسمبر 2017، مما يعكس استمرار اهتمام اللجنة وحرصها على متابعة مصير المعهد.

مع كل هذه الجهود والتحضيرات، ألغي لقاء دولي مهم كان مخططاً له مع مديري معاهد أبحاث الرياضيات الرائدة عالمياً قبل يومين فقط من موعده المحدد، دون تقديم أسباب واضحة لهذا الإلغاء. هذا الحدث أثار تساؤلات حول مدى الالتزام الفعلي بالمشروع والعقبات التي قد تكون واجهته.

حصاد الفرص الضائعة

خلص المشاركون في اللقاء الوطني لعلماء الرياضيات عام 2000 إلى أن الجزائر تفتقر إلى مؤسسة وطنية قادرة على جمع نخبتها الرياضية وتوجيهها نحو المشاريع الاستراتيجية الحيوية للبلاد. وقد وصل مشروع المعهد إلى مرحلة متقدمة من التحضير الإداري والقانوني، حيث تم إعداد جميع الوثائق اللازمة، بما في ذلك المرسوم التنفيذي الذي يحدد إطاره القانوني والتنظيمي.

على الرغم من هذه الجهود المكثفة والدعم العلمي والسياسي الذي حظي به، ظل المشروع ينتظر قرارًا سياسيًا لبدء التنفيذ الفعلي على أرض الواقع. هذا التأخير الطويل، الذي امتد لعقدين من الزمن، يعكس فرصة ضائعة للجزائر لتعزيز مكانتها في البحث العلمي العالمي، والاستفادة من إمكانات علمائها في دفع عجلة التنمية الوطنية، وربما كان له تأثير على استمرار هجرة الأدمغة التي كان المعهد يهدف إلى الحد منها. يبقى مصير هذا الحلم العلمي معلقاً، شاهداً على تحديات تحويل الرؤى الطموحة إلى إنجازات ملموسة.