مطالبات بالسجن في قضية فساد كبرى بمعهد علوم وتقنيات الرياضة

طالب وكيل الجمهورية لدى محكمة بئر مراد رايس، يوم الأحد الموافق 14 يونيو، بعقوبات تتراوح بين سنتين وثلاث سنوات سجناً نافذاً في قضية فساد كبرى تطال قطاع التكوين الرياضي في الجزائر. وتتعلق القضية بمسؤولين من المدرسة العليا لعلوم الرياضة وتكنولوجياتها بدالي إبراهيم، وهي مؤسسة تعليمية عليا ذات أهمية في تأهيل الكوادر الرياضية المتخصصة. وقد مثل المتهمون أمام القطب الجزائي المتخصص بمحكمة بئر مراد رايس لمواجهة التهم الموجهة إليهم. وتتضمن التهم الموجهة إليهم إساءة استغلال الوظيفة، والتزوير، واستعمال محررات إدارية مزورة، وهي جرائم خطيرة تمس بنزاهة الإدارة العمومية وتؤثر على جودة التعليم والتكوين في قطاع حساس كقطاع الرياضة. ومن المقرر أن تصدر المحكمة حكمها النهائي في القضية بتاريخ 28 يونيو، بعد استكمال جميع الإجراءات القانونية والاستماع إلى الدفوعات والشهادات.

تفاصيل طلبات النيابة العامة

طالب وكيل الجمهورية لدى محكمة بئر مراد رايس بعقوبة السجن لمدة ثلاث سنوات نافذة للمتهم الرئيسي في القضية، "ب.ع"، الذي شغل منصب مدير الدراسات السابق في المدرسة العليا لعلوم الرياضة وتكنولوجياتها بدالي إبراهيم. وتأتي هذه المطالبة في إطار المحاكمة الجارية بشأن قضايا فساد متعددة تتعلق بسوء استغلال الوظيفة والتزوير، وهي تهم تحمل في طياتها مساساً بالمال العام والثقة الإدارية. وتتضمن التهم الموجهة إلى "ب.ع" دوره المزعوم في التلاعب بالمسار الإداري والمالي المتعلق ببرامج التكوين داخل المعهد، مما أدى إلى خسائر للمال العام، وتشويه للعملية التعليمية. وقد ركزت جلسات المحاكمة على الأدلة المقدمة التي تشير إلى تورطه المباشر في الإجراءات التي أدت إلى المخالفات المذكورة، وذلك وفقاً لما قدمته النيابة العامة من مستندات وشهادات خلال الجلسات، والتي سعت لإثبات مسؤوليته المباشرة عن هذه التجاوزات.

كما طلب وكيل الجمهورية عقوبة السجن لمدة سنتين نافذة بحق عدد من المتهمين الآخرين المتورطين في القضية، وذلك لدورهم في تسهيل أو المشاركة في هذه الأعمال غير القانونية. وتشمل هذه المطالبة كلاً من "ر.ب"، الذي كان مسؤولاً عن تسيير شؤون المدرسة، و"أ.م.ش"، رئيس قسم التكنولوجيا والتدريب الرياضي، و"ر.ج"، رئيس مصلحة التسجيلات، و"د.م"، المسؤول عن المديرية الفرعية للدراسات، بالإضافة إلى "ز.ب"، الملحق الرئيسي. وتتهم النيابة العامة هؤلاء الأفراد بالتورط في تسهيل أو المشاركة في المخالفات الإدارية والمالية التي شابت عمليات التكوين والتوظيف داخل المدرسة. وقد أشارت النيابة إلى أن الأدوار التي قام بها هؤلاء المتهمون كانت حاسمة في استكمال حلقات الفساد المزعوم، سواء عبر التواطؤ المباشر أو الإهمال الجسيم الذي أتاح وقوع هذه التجاوزات، مما يستدعي مساءلتهم القانونية عن الأفعال المنسوبة إليهم.

وفي سياق متصل، طالبت الخزينة العمومية، بصفتها طرفاً مدنياً ومتضرراً من هذه القضية، بإجراء تحقيق تكميلي وتعيين خبير مالي لتقدير المبلغ الإجمالي الذي تم اختلاسه خلال فترة تكوين المتخرجين الذين كانوا مخصصين لرتبة مستشار رياضي. وتهدف هذه المطالبة إلى تحديد الحجم الحقيقي للأضرار المالية التي لحقت بالخزينة العامة نتيجة المخالفات المرتكبة، والتي قد تكون كبيرة بالنظر إلى طبيعة التجاوزات. وأكدت الخزينة العمومية على ضرورة الكشف عن جميع التفاصيل المتعلقة بالتحويلات المالية والعقود المشبوهة التي تمت في إطار هذا البرنامج التكويني، وذلك لضمان استرداد الأموال المنهوبة ومحاسبة جميع المتورطين بشكل كامل. ويُنتظر أن يلعب تقرير الخبير دوراً محورياً في تحديد التعويضات المستحقة للخزينة، وتقديم صورة واضحة عن الأثر المالي للفساد المكتشف.

خلفية الشكوى واكتشاف التزوير

بدأت تفاصيل القضية الراهنة بشكوى تقدمت بها "زينب.ب"، التي تشغل منصب الأمين العام للمدرسة العليا لعلوم الرياضة وتكنولوجياتها. وقد رفعت "زينب.ب" الشكوى إلى الجهات المعنية بعد اكتشافها لمخالفات خطيرة داخل المدرسة، مما يدل على شجاعتها في مواجهة الفساد. وتُعد هذه الشكوى النقطة المحورية التي أدت إلى فتح التحقيق في قضية الفساد الكبرى التي تُحاكم حالياً أمام القطب الجزائي المتخصص بمحكمة بئر مراد رايس، والتي تشمل اتهامات بإساءة استغلال الوظيفة والتزوير واستعمال محررات إدارية مزورة داخل المعهد، مما يؤكد أن الشكوى كانت مبنية على أسس قوية وموثقة.

جاءت الشكوى من الأمين العام بعدما اكتشفت تزويرًا في علامات الفوج الدراسي لسنة 2023/2024، والذي كان مخصصًا لرتبة مستشار رياضي، وهي رتبة تتطلب كفاءات ومؤهلات عالية. هذا الاكتشاف أثار الشكوك حول نزاهة العمليات التعليمية والإدارية داخل المدرسة، وفتح الباب أمام تحقيق شامل كشف عن مخالفات أوسع نطاقاً. يشير هذا التزوير إلى وجود تلاعب منهجي في سجلات الطلاب الأكاديمية، مما يثير تساؤلات حول المسار المهني والأكاديمي للمتخرجين، وتأثير ذلك على جودة التكوين الرياضي في البلاد، وعلى مصداقية الشهادات الممنوحة من المدرسة.

وتحديدًا، تبين أن العلامات المزورة كانت تخص مادة علم وظائف الأعضاء، والتي يدرسها الأستاذ "ق.ك" (Q.K.). اللافت في الأمر هو أن الأستاذ "ق.ك" لم يقم بإجراء أي تقييم أو امتحان لهذه المادة، مما يعني أن العلامات المدونة في السجلات كانت مصطنعة بالكامل ولا تستند إلى أي أساس أكاديمي حقيقي أو جهد من الطلاب. هذا التفصيل يعمق الشبهات حول وجود تواطؤ وتخطيط مسبق لعملية التزوير، ويشير إلى محاولة واضحة لتمرير طلاب دون استحقاق أو لغايات غير مشروعة، مما يقوض مبدأ تكافؤ الفرص والجدارة الأكاديمية.

أسفر التحقيق الإداري الذي أُجري في أعقاب الشكوى عن كشف العديد من المخالفات الجسيمة، مؤكداً صحة ما جاء في شكوى الأمين العام. فقد أظهر التحقيق وجود علامات مزورة بشكل صريح، بالإضافة إلى اختفاء عدد من الملفات الهامة التي كان من المفترض أن تكون جزءًا من السجلات الرسمية للمدرسة، مما يعرقل مسار التحقيق ويثير الشكوك حول محاولات إخفاء أدلة. كما كشف التحقيق عن مفاجأة أخرى، حيث وجد أن اسم "زينب.ب" (الأمين العام والمشتكية) كان مدرجًا كمشرفة على إحدى المواد الدراسية، على الرغم من أنها كانت في إجازة مرضية خلال الفترة المذكورة، مما يدل على استغلال اسمها دون علمها أو موافقتها، ويوضح مدى الفوضى والتلاعب الإداري داخل المؤسسة. هذه الحقائق تؤكد وجود فوضى إدارية وتلاعب متعمد داخل المدرسة، مما استدعى تدخل الجهات القضائية.

وتشير التقارير إلى أن كشف التزوير في سجل العلامات كان يتعلق بالتحديد بتقرير علامات الدورة التكوينية الاستثنائية للفوج الدراسي 2023/2024، وهو الفوج المخصص لرتبة مستشار رياضي. هذا يؤكد أن التلاعب لم يكن عشوائياً أو فردياً، بل استهدف برنامجاً تكوينياً محدداً ومهماً، مما يطرح تساؤلات حول الدوافع وراء استهداف هذا الفوج بالذات، ومدى تأثير هذه الممارسات على الكفاءات التي يتخرج بها المعهد نحو سوق العمل الرياضي، وعلى سمعة المؤسسة التعليمية ككل.

مطالب الضحية والشهادات

طالب دفاع الضحية، "زينب.ب"، بتعويض قدره مليوني دينار جزائري (2,000,000 دج) عن الأضرار المادية والمعنوية التي لحقت بها جراء كشفها للفساد. جاءت هذه المطالبة خلال جلسات المحاكمة الجارية، حيث أكد المحامي أن موكلته تعرضت لضغوط كبيرة وتداعيات سلبية جراء كشفها عن قضايا الفساد داخل المدرسة العليا لعلوم الرياضة وتكنولوجياتها. ويعكس هذا المبلغ حجم الأذى الذي تدعي "زينب.ب" أنها تكبدته، سواء على الصعيد الشخصي أو المهني، بعد إقدامها على الإبلاغ عن المخالفات، مما أثر على حياتها واستقرارها الوظيفي. ويسعى الدفاع من خلال هذا التعويض إلى استعادة حقوقها وتعويضها عن الخسائر التي تكبدتها جراء موقفها ككاشفة للفساد، وتأكيد حقها في الحماية والتعويض.

أفادت "زينب.ب"، الأمين العام للمدرسة العليا لعلوم الرياضة وتكنولوجياتها، في شهادتها أمام المحكمة بأنها تعرضت للفصل من منصبها، بالإضافة إلى تلقيها تهديدات وممارسات ضغط مكثفة بعد إبلاغها عن قضايا الفساد. وأشارت "زينب.ب" إلى أن هذه الإجراءات جاءت كرد فعل مباشر على كشفها للتلاعب في علامات الطلاب واكتشافها للمخالفات الإدارية داخل المعهد، مما يؤكد وجود محاولات لإسكاتها ومعاقبتها على كشف الحقائق. ووصفت "زينب.ب" الظروف التي واجهتها بأنها كانت تهدف إلى إسكاتها وثنيها عن متابعة الإجراءات القانونية، مؤكدة أن هذه الضغوط تسببت لها في أضرار نفسية ومهنية كبيرة، حيث فقدت وظيفتها وتعرضت لمضايقات. وقد سجلت المحكمة إفادتها كجزء من الأدلة المقدمة في القضية، والتي ستؤخذ بعين الاعتبار عند إصدار الحكم النهائي في 28 يونيو.