تواجه منطقة شمال إفريقيا تراجعاً ديموغرافياً حاداً يهدد نسيجها الاجتماعي، وذلك وفقاً لدراسة حديثة. هذه الدراسة، التي سلطت الضوء على التحولات السكانية الجارية، تتوقع زيادة الفارق السكاني بين الجزائر والمغرب، ما يثير قلقاً حول التوازن المستقبلي للمنطقة بأسرها. يشكل هذا التراجع الديموغرافي تحدياً كبيراً للمنطقة، حيث يؤثر على مختلف جوانب الحياة الاجتماعية والاقتصادية، ويستدعي اهتماماً خاصاً من قبل صناع القرار والباحثين.
تشير الدراسة إلى أن الفارق السكاني الحالي بين البلدين يقدر بعشرة ملايين نسمة، حيث من المتوقع أن يبلغ عدد سكان الجزائر 48.03 مليون نسمة والمغرب 38.7 مليون نسمة بحلول عام 2026. وذكرت الدراسة بوضوح أن "فارق العشرة ملايين نسمة بين البلدين سيزداد مستقبلاً"، مما يؤكد على استمرارية هذا الاتجاه الديموغرافي المتباين. هذه الفجوة المتزايدة تحمل في طياتها تداعيات محتملة على التوازنات الإقليمية، وتستدعي تحليلاً معمقاً لأسبابها وتأثيراتها.
كما حذرت الدراسة من أن "ترتفع وتيرة الشيخوخة في المغرب خلال السنوات القادمة مع استمرار انخفاض معدل الخصوبة"، مما يعكس التحديات الديموغرافية التي يواجهها المغرب بشكل خاص، وتأثيراتها المحتملة على التركيبة السكانية والاقتصادية. هذا التحول نحو مجتمع أكثر شيخوخة يفرض ضغوطاً متزايدة على أنظمة الرعاية الصحية والمعاشات التقاعدية، ويقلل من نسبة القوى العاملة الشابة، مما قد يؤثر سلباً على النمو الاقتصادي والقدرة التنافسية.
تراجع معدلات الإنجاب في المغرب
انخفض معدل المواليد في المغرب إلى أقل من 1.97 طفل لكل امرأة بحلول عام 2026، وذلك بعدما كان يتراوح بين سبعة وثمانية أطفال لكل امرأة في سبعينيات القرن الماضي. هذا التراجع الحاد في معدلات الخصوبة يعكس تحولات اجتماعية واقتصادية عميقة شهدها المجتمع المغربي على مدى العقود الماضية. تُعزى أسباب هذا التراجع إلى عدة عوامل متداخلة، منها فترات الدراسة الطويلة التي تؤخر سن الزواج والإنجاب، وتأخر دخول النساء إلى سوق العمل، مما يغير أولوياتهن الإنجابية، إضافة إلى الانتشار الواسع لاستخدام وسائل منع الحمل، والفقر، والبطالة التي تزيد من الأعباء الاقتصادية على الأسر وتثنيها عن إنجاب المزيد من الأطفال.
وقد أظهرت البيانات أن 71% من النساء المغربيات استخدمن وسائل منع الحمل في عام 2018، ما يعكس تحولاً كبيراً في السلوك الإنجابي وتزايد الوعي بتنظيم الأسرة. هذا الارتفاع في استخدام وسائل منع الحمل يعد أحد العوامل الرئيسية التي ساهمت في الانخفاض الملحوظ في معدلات الخصوبة بالمغرب. ويشهد المجتمع المغربي حالياً تزايداً في معدلات الشيخوخة، حيث تجاوزت نسبة السكان الذين تزيد أعمارهم عن ستين عاماً 13.8%. هذا التغير في الهرم السكاني يضع تحديات كبيرة أمام الدولة والمجتمع، خاصة فيما يتعلق بتوفير الرعاية الصحية والاجتماعية لكبار السن، وضمان استدامة أنظمة الضمان الاجتماعي.
هذه التغيرات الديموغرافية تأتي في ظل معدلات بطالة مرتفعة، بلغت 13% بشكل عام، ووصلت إلى 37.2% بين الشباب، مما يفاقم من التحديات الاجتماعية والاقتصادية. البطالة، خاصة بين الشباب، تدفعهم إلى تأخير الزواج وتكوين الأسر، مما يساهم بدوره في استمرار انخفاض معدلات الخصوبة. كانت الدراسة قد حذرت من أن "فارق العشرة ملايين نسمة بين البلدين سيزداد مستقبلا"، كما أشارت إلى أن "ترتفع وتيرة الشيخوخة في المغرب خلال السنوات القادمة مع استمرار انخفاض معدل الخصوبة"، مما يسلط الضوء على تحديات ديموغرافية واقتصادية محتملة تتطلب استراتيجيات شاملة للتصدي لها.
الجزائر: وضع ديموغرافي أفضل
تتمتع الجزائر، بحسب الدراسة، بـ "أفضل وضع ديموغرافي بين جيرانها وحتى أوروبا"، حيث يبلغ متوسط معدل الإنجاب 2.4 طفل لكل امرأة. هذا المعدل يضعها في موقع متميز مقارنة بالعديد من الدول الإقليمية والأوروبية التي تشهد تراجعاً في الخصوبة، ويعكس قوة ديموغرافية نسبية للبلاد. هذا الوضع الجيد يعود جزئياً إلى عوامل اجتماعية واقتصادية مختلفة، وقد ساهم في الحفاظ على توازن سكاني أكثر استقراراً.
على الرغم من هذا الوضع الإيجابي نسبياً، فإن معدل الخصوبة في الجزائر يشهد تراجعاً منذ عام 2017. تشير البيانات إلى أن هذا الانخفاض، وإن كان أقل حدة من دول أخرى في المنطقة، إلا أنه يسلط الضوء على تحديات ديموغرافية محتملة على المدى الطويل قد تؤثر على التركيبة السكانية المستقبلية للبلاد. هذا التراجع، وإن كان تدريجياً، يستدعي مراقبة دقيقة لضمان عدم وصوله إلى مستويات تهدد التوازن الديموغرافي للجزائر في المستقبل.
في السياق ذاته، يبلغ استخدام وسائل منع الحمل بين النساء الجزائريات حوالي 53.6 بالمئة. هذه النسبة تعد أقل بشكل ملحوظ مقارنة بالمغرب، مما قد يفسر جزئياً ارتفاع معدل الخصوبة النسبي في الجزائر ويساهم في الحفاظ على توازن ديموغرافي أفضل لديها، وفقاً لما ذكرته الدراسة. هذا الفارق في استخدام وسائل منع الحمل يعكس اختلافات في السلوكيات الاجتماعية والثقافية بين البلدين، ويؤثر بشكل مباشر على معدلات الإنجاب. الدراسة تؤكد أن الجزائر أقل تأثراً بانخفاض معدل الخصوبة مقارنة بجارتيها، تونس والمغرب، مما يشير إلى تباين واضح في التحديات الديموغرافية داخل المنطقة المغاربية.
مقارنة مع دول أوروبية
تتجاوز معدلات الخصوبة في دول المغرب العربي الثلاث متوسط الاتحاد الأوروبي البالغ 1.34 طفل لكل امرأة، مما يضعها في موقع أفضل نسبياً مقارنة ببعض الدول الأوروبية التي تعاني من أزمة ديموغرافية حادة. هذا التجاوز يعكس أن المنطقة لا تزال تتمتع بمعدلات إنجاب أعلى من العديد من الدول المتقدمة، وإن كانت تتجه نحو الانخفاض. ففي المقابل، تسجل مالطا أدنى معدل خصوبة في الدراسة بواقع 1.01 طفل لكل امرأة، مما يضعها في مقدمة الدول التي تواجه تحديات شيخوخة السكان. بينما يبلغ معدل الخصوبة في إسبانيا 1.1 طفل لكل امرأة، وهو أيضاً منخفض جداً ويدعو للقلق بشأن مستقبلها الديموغرافي.
وتعتبر فرنسا صاحبة أعلى معدل مواليد في أوروبا بـ 1.62 طفل لكل امرأة، في حين تسجل بلغاريا معدل مواليد قدره 1.72 طفل لكل امرأة، مما يجعلهما من الدول الأوروبية القليلة التي تقترب من مستوى الإحلال السكاني. ومع ذلك، حذرت الدراسة من أن "فارق العشرة ملايين نسمة بين البلدين سيزداد مستقبلاً" في إشارة إلى الفارق بين المغرب والجزائر، مما يؤكد على استمرارية هذا التباين الديموغرافي. كما أكدت الدراسة أن "ترتفع وتيرة الشيخوخة في المغرب خلال السنوات القادمة مع استمرار انخفاض معدل الخصوبة"، مما يشير إلى أن المغرب يتجه نحو مسار ديموغرافي مشابه لبعض الدول الأوروبية التي تعاني من الشيخوخة السريعة.
أسباب وتداعيات مستقبلية
تُظهر الدراسة أن الجزائر أقل تأثراً بانخفاض معدل الخصوبة مقارنة بجارتيها تونس والمغرب، مما يشير إلى تباين في التحديات الديموغرافية داخل المنطقة المغاربية. هذا التباين يعكس اختلافات في السياسات الاجتماعية والاقتصادية، بالإضافة إلى العوامل الثقافية التي تؤثر على قرارات الإنجاب. وتتجه دول المغرب العربي الثلاث نحو معدلات خصوبة "منخفضة" في الجزائر و"منخفضة جداً" في المغرب وتونس، ما ينذر بتحولات سكانية كبيرة ستعيد تشكيل التركيبة الديموغرافية للمنطقة بأكملها. هذه المستويات المنخفضة جداً في بعض الدول تشير إلى أن المجتمعات تتجه نحو عدم القدرة على تعويض الأجيال الجديدة، مما يؤدي إلى انكماش سكاني على المدى الطويل.
وتعزو الدراسة هذا التراجع إلى إحجام الشباب عن الزواج في سن مبكرة بسبب الظروف الاجتماعية والاقتصادية الراهنة، مثل البطالة وارتفاع تكاليف المعيشة وصعوبة الحصول على السكن، والتي تجعلهم يؤجلون تكوين الأسر. هذه العوامل الاقتصادية والاجتماعية تلعب دوراً حاسماً في تشكيل القرارات الإنجابية للأفراد. وتحذر الدراسة من أن دول المغرب العربي ستشهد ارتفاعاً في وتيرة الشيخوخة دون تحقيق مستويات تنمية تجعلها جاذبة للمهاجرين، مما قد يؤثر على ديناميكيات القوى العاملة ويخلق نقصاً في الأيدي العاملة الشابة. هذا السيناريو يهدد النمو الاقتصادي ويضع ضغوطاً إضافية على الأنظمة الاجتماعية. كما ذكرت الدراسة أن "فارق العشرة ملايين نسمة بين البلدين سيزداد مستقبلاً" بين المغرب والجزائر، مؤكدة أن "ترتفع وتيرة الشيخوخة في المغرب خلال السنوات القادمة مع استمرار انخفاض معدل الخصوبة". هذه التوقعات تستدعي وضع استراتيجيات شاملة لمعالجة التحديات الديموغرافية لضمان استقرار وتنمية المنطقة في المستقبل.