تشهد العلاقات الجزائرية الفرنسية مؤخراً مؤشرات تحسن ملحوظة، تميزت بتبادلات للزيارات الوزارية وتجدد الانخراط الدبلوماسي بين البلدين، حيث أظهرت العلاقات الجزائرية الفرنسية مؤخراً علامات تحسن، اتسمت بزيارات وزارية متبادلة وتجديد في التواصل الدبلوماسي. إلا أن ملف الذاكرة والتاريخ ظل خارج هذا الزخم الإيجابي، وفقاً لتقارير إعلامية ومتابعات للمشهد الدبلوماسي. وقد وصف الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مراراً وتكراراً قضية الذاكرة والتاريخ بأنها ركيزة أساسية لا غنى عنها للعلاقات الثنائية بين الجزائر وفرنسا. على الرغم من هذا التأكيد على أهمية الملف، توقفت أنشطة اللجنة المكلفة بهذا الملف الحساس بسبب توترات سياسية ودبلوماسية أثرت بشكل مباشر على العلاقات بين الجزائر وباريس على مدار العامين الماضيين، مما أدى إلى تعليق فعالياتها.
منذ شهر فبراير الماضي، اتخذ البلدان خطوات ملموسة لإعادة بناء قنوات الاتصال الدبلوماسي وتخفيف حدة التوترات. ومع ذلك، لا تزال قضية الذاكرة والتاريخ تمثل تحدياً كبيراً. جاء توقف التنسيق بين الجانبين عقب قرار قصر الإليزيه في يوليو 2024 دعم خطة المغرب للحكم الذاتي في الصحراء الغربية، وهو القرار الذي أدى إلى تدهور حاد ومفاجئ في العلاقات بين الجزائر وفرنسا، ملقياً بظلاله على جهود المصالحة التاريخية. وقد تسبب هذا القرار في تفاقم التوترات الدبلوماسية بين البلدين، مما أثر سلباً على مسار عمل اللجنة المشتركة وأعاق تقدمها.
خلافات جوهرية تعيق مسار اللجنة وتعمق الفجوة
تفضل فرنسا في مقاربتها لملف الذاكرة اتباع نهج تدريجي وحالة بحالة للاعتراف بمسؤولية الدولة عن أحداث تاريخية وجرائم محددة وقعت خلال الحقبة الاستعمارية. هذا النهج يختلف تماماً عن الموقف الجزائري. في المقابل، تصر الجزائر على اعتراف شامل وكامل بكامل الفترة الاستعمارية التي دامت 132 عامًا والانتهاكات الجسيمة المرتكبة خلالها. يعتبر المسؤولون الجزائريون الانتهاكات التي وقعت في الفترة الاستعمارية بمثابة جرائم ضد الإنسانية، مطالبين باعتراف فرنسي صريح وواضح بهذه الحقيقة التاريخية. ومن الجدير بالذكر أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قد سبق له أن استشهد بوصف الانتهاكات الاستعمارية كجرائم ضد الإنسانية، مما يعطي بعض الأمل في إمكانية التقارب في وجهات النظر، لكن التطبيق العملي يظل محور الخلاف.
أشار حسني كيتوني، وهو باحث متخصص في التاريخ الاستعماري بجامعة إكستر (University of Exeter) بالمملكة المتحدة، إلى حالتي الشخصيتين الوطنيتين والشهيدين العربي بن مهيدي وعلي بومنجل كمثالين واضحين على تفضيل فرنسا للاعترافات المحدودة والجزئية بدلاً من الاعتراف الشامل. وقد تضمنت مقترحات اللجنة المشتركة، التي لم تتمكن من استكمال عملها، العديد من البنود الهامة المتعلقة بالذاكرة. من أبرز هذه المقترحات استعادة الأرشيف الجزائري الذي سُرق ونُقل إلى فرنسا خلال الحقبة الاستعمارية، والذي يمثل جزءاً لا يتجزأ من الذاكرة الوطنية الجزائرية. كما شملت مقترحات اللجنة المشتركة استرداد الرفات البشرية والجماجم المحتفظ بها في مؤسسات فرنسية، وهي خطوة رمزية وإنسانية حاسمة بالنسبة للجزائر. ومن بين المقترحات الأخرى للجنة المشتركة، كانت إعادة المقتنيات الشخصية التي تعود للأمير عبد القادر، والتي تحمل قيمة تاريخية ووطنية كبيرة. هذه المطالب تعكس إصرار الجزائر على استعادة كل ما يربطها بتاريخها وهويتها الوطنية.
وجهات نظر متباينة حول الاعتراف بالماضي وتأثيرها على اللجنة
يترأس المؤرخ بنيامين ستورا (Benjamin Stora) الجانب الفرنسي من اللجنة المشتركة للذاكرة والتاريخ، وهو شخصية معروفة بخبرتها في هذا المجال الحساس. أفاد ستورا أنه "لم يتلق أي اتصال من السلطات الجزائرية أو الفرنسية بشأن استئناف عمل اللجنة"، مما يؤكد حالة الجمود التي تعيشها اللجنة حالياً. على الجانب الآخر، ذكر حسني كيتوني أن الجانب الجزائري استنتج بشكل متزايد أن إحياء اللجنة المشتركة يحقق القليل من الأغراض العملية في الظروف الراهنة، نظراً للاختلافات الجوهرية في مقاربة الملف. وأفاد كيتوني أن السلطات الجزائرية تعتقد أن فرنسا ليست ملتزمة بصدق بتلبية المطالب التاريخية للجزائر، وأن هناك شعوراً بعدم الجدية في التعاطي مع هذه القضية المحورية.
وأوضح كيتوني أن "هذه المطالب تستند إلى حقائق تاريخية موثقة ومؤكدة. وهي تنبع من واقع احتلال استعماري أسفر عن العديد من الجرائم المثبتة. من وجهة نظر الجزائر، يجب على القوة المحتلة أن تعترف بمسؤوليتها الكاملة تجاه ما حدث. بدلاً من ذلك، يبدو أن فرنسا مصممة على اتباع سياسة اعتراف انتقائي، والاعتراف بالمسؤولية عن حالات معزولة مع تجنب تسوية أوسع وأكثر شمولاً مع الماضي الاستعماري". وقد أشار بنيامين ستورا في وقت سابق إلى أن تعليق أنشطة اللجنة كان مرتبطًا بشكل مباشر بالتطورات السياسية الأوسع بين البلدين، مما يعكس تأثير العوامل الدبلوماسية على عمل اللجنة الفنية. كما حمّل ستورا ضمنيًا الرئيس الفرنسي مسؤولية التعليق، مشيراً إلى أن القرارات السياسية العليا هي التي أثرت على مسار عمل اللجنة.
تداعيات التوترات السياسية على العلاقات الثنائية والجهود الدبلوماسية
على الرغم من الجمود في ملف الذاكرة، تستمر الزيارات الدبلوماسية المتبادلة بين البلدين في محاولة لإعادة بناء الثقة وتعزيز قنوات الاتصال. زارت أليس روفو (Alice Rufo)، الوزيرة المنتدبة للقوات المسلحة الفرنسية، الجزائر في الثامن من مايو الجاري، في إطار هذه الجهود. وتأتي هذه الزيارة في سياق شهد عدة زيارات لمسؤولين فرنسيين رفيعي المستوى إلى الجزائر خلال الأشهر الأخيرة، حيث شملت هذه الوفود وزير الداخلية لوران نونيز (Laurent Nunez)، والوزيرة المنتدبة للقوات المسلحة أليس روفو، ووزير العدل جيرالد موسى دارمانين (Gérald Moussa Darmanin). هذه الزيارات المتتالية تعكس رغبة فرنسية في استعادة زخم العلاقات وتعزيز التعاون في مجالات أخرى.
وفي المقابل، قام وزير الداخلية الجزائري سعيد صيود بزيارة إلى باريس قبل حوالي أسبوع من تاريخ نشر هذا المقال، مما يشير إلى استمرار التبادلات رفيعة المستوى بين البلدين رغم التوترات القائمة حول ملف الذاكرة. هذه الزيارات المتبادلة تهدف إلى معالجة قضايا أخرى ذات اهتمام مشترك، لكنها لا تبدو قادرة على تجاوز عقبة ملف الذاكرة. على الرغم من هذه الزيارات والجهود الدبلوماسية، يظل ملف الذاكرة والتاريخ نقطة خلاف رئيسية وعقبة كبرى أمام تطبيع كامل للعلاقات. يرى حسني كيتوني، الباحث المتخصص في التاريخ الاستعماري بجامعة إكستر (University of Exeter) بالمملكة المتحدة، أن الخلافات الجوهرية حول مقاربة الماضي الاستعماري لا تزال قائمة وبعيدة عن الحل. ويوضح كيتوني مرة أخرى، مؤكداً على الموقف الجزائري: "تستند هذه المطالب إلى حقائق تاريخية موثقة ومؤكدة. وهي تنبع من واقع احتلال استعماري أسفر عن العديد من الجرائم المثبتة. من وجهة نظر الجزائر، يجب على القوة المحتلة أن تعترف بمسؤوليتها. بدلاً من ذلك، يبدو أن فرنسا مصممة على اتباع سياسة اعتراف انتقائي، والاعتراف بالمسؤولية عن حالات معزولة مع تجنب تسوية أوسع مع الماضي الاستعماري". هذا التباين في الرؤى يضع تحديات كبيرة أمام مستقبل العلاقات الثنائية، ويجعل من ملف الذاكرة امتحاناً حقيقياً لإرادة البلدين في تجاوز خلافات الماضي وبناء علاقات مستقرة ومبنية على الاحترام المتبادل والاعتراف بالحقائق التاريخية.