عودة العلاقات الجزائرية المالية تفتح الباب أمام إحياء اتفاق السلام

إمكانية العودة للعمل باتفاق السلم لـ2015 قائمة
الصورة عبر Echoroukonline

أعلنت الجزائر ومالي في 10 يوليو 2026 عن استئناف العلاقات الدبلوماسية الكاملة بين البلدين، وذلك بإعادة فتح المجال الجوي وعودة السفراء لمزاولة مهامهم. هذا الإعلان المتزامن الذي تجسد من خلال إعادة فتح المجال الجوي وعودة سفيري البلدين لمزاولة أنشطتهما الدبلوماسية، يعكس مفاوضات مكثفة جرت في الكواليس لإنهاء التوترات الأخيرة. يعتبر باحثون وخبراء ماليون أن تجاوز التوترات الدبلوماسية السابقة، الذي توج بعودة السفراء ورفع القيود عن المجال الجوي، يمثل إعادة تأسيس "علاقة جوار أخوية متجذرة في التاريخ". ويُشار إلى أن اتفاق السلام والمصالحة كان أحد الأسباب الرئيسية التي ساهمت في التوتر بين الجزائر ومالي. نُشر هذا المقال في 13 يوليو 2026.

تاريخ العلاقات ودور الوساطة

لعبت الجزائر دورًا محوريًا في مساعدة الماليين على حل مشاكلهم منذ أوائل الستينيات وحتى الوقت الراهن، مؤكدة بذلك عمق الروابط التاريخية والجغرافية بين البلدين. وشهدت العلاقات أفضل مراحلها خلال فترة الرئيس الراحل موسى تراوري، الذي كان يقضي جميع إجازاته في الجزائر، إلى جانب الرئيس الراحل هواري بومدين، مما يعكس مستوى عالٍ من التنسيق والثقة المتبادلة بين القيادتين في تلك الحقبة. أقر باحثون بأن الجزائر اضطلعت بدور الوسيط التاريخي في الأزمة السابقة التي أثرت على مالي من عام 1991 إلى عام 2015، حيث قدمت جهوداً دبلوماسية مكثفة لتهدئة الأوضاع وإيجاد حلول سلمية.

من جانبه، صرح إبراهيم جوغورتا، المحلل السياسي المالي، بأن عودة العلاقات الثنائية كانت متوقعة في أي لحظة، نظرًا لأن هذه العلاقات تاريخية وقوية ومتجذرة في التاريخ، ولا يمكن أن تتأثر بشكل دائم بالخلافات العابرة. وأشار جوغورتا إلى دور بعض الدول التي قد تكون ساهمت في حل هذه الأزمة واستعادة العلاقات، ذاكرًا النيجر وروسيا، اللتين وصفهما بالحليفين الاستراتيجيين لمالي والنيجر، والجزائر "الشقيقة"، مما يسلط الضوء على شبكة العلاقات الإقليمية والدولية التي أثرت في مسار الأزمة وحلها.

يُرجح أن هذه المفاوضات تمت بوساطة أطراف ثالثة أو من خلال اجتماعات رفيعة المستوى، حيث أن تزامن الإجراءات المتخذة يستبعد الارتجال ويشير إلى وجود اتفاق سياسي مسبق ومدروس بعناية بين الطرفين. وقد أشادت النخب المالية باستعادة العلاقات الثنائية مع الجزائر، معتبرة إياها خطوة إيجابية نحو تعزيز الاستقرار الإقليمي والمصالح المشتركة.

تداعيات استئناف العلاقات على اتفاق السلام

لم يستبعد المحلل السياسي المالي إبراهيم جوغورتا إمكانية موافقة المجلس العسكري الانتقالي الحاكم في باماكو على العودة للعمل باتفاق السلام والمصالحة الموقّع بين الدولة المالية وفصائل المعارضة الشمالية في الأزواد. ويرى الباحث، بخصوص العودة إلى اتفاق السلام والمصالحة الذي وُقّع في الجزائر برعاية الأمم المتحدة عام 2015، أنه "عندما يكثف الشركاء الجزائريون جهودهم، لا يرفض الجانب المالي العودة إلى الاتفاق، حتى لو لم يكن ذلك بشكل كامل"، مما يشير إلى الثقة المتبادلة في قدرة الجزائر على الوساطة الفعالة. قد تكون هناك مبادرات وجلسات تفاوض بين الحكومة وجبهة تحرير الأزواد برعاية جزائرية لحل القضايا العالقة، مما يفتح آفاقًا جديدة للسلام المستدام. ووفقًا لجوغورتا، فإن تجاوز العلاقات الثنائية بين البلدين "يمنح الديناميكية الفرصة لإعادة بناء عملية السلام على أسس جديدة ضمن إطار شامل للمصالحة الوطنية، يقودها الماليون أنفسهم، بدعم وتوجيه من الجزائر"، مؤكداً على أهمية الدور الجزائري كداعم وموجه للعملية.

من جانبه، أشار عبدول سوغودوغو، المحاضر والباحث في جامعة كوروكانفوغا في باماكو، إلى ظهور أسباب ملحة في المنطقة بعد أزمة العلاقات الثنائية، تُظهر الحاجة الماسة لإيجاد مخرج، بما في ذلك انعدام الأمن المتزايد في منطقة الساحل. وفي رأيه، أدى إغلاق المجال الجوي إلى تعقيد العمليات العسكرية والتبادلات اللوجستية الضرورية لمكافحة الإرهاب وتأمين المنطقة، مما زاد من الضغوط لإعادة فتح قنوات التواصل والتعاون. ويتطلب هذا التطبيع قيادة سياسية قوية وحكيمة من كلا الجانبين لضمان استمراريته وفاعليته، وتحويله إلى فرصة حقيقية للتعاون الإقليمي.

رؤى مستقبلية للتعاون والاستقرار

يرى الدكتور أحمدو توري، مدير مركز البحوث حول الحوكمة والوساطة والأمن في الساحل، أن ما حدث "يعكس رغبة البلدين في إعادة تنظيم استراتيجي على أساس المصالح المشتركة ورؤية موحدة لاستقرار منطقة الساحل، ومقياساً ملموساً يعكس النضج الدبلوماسي المتبادل". ووفقًا لتوري، فإن هذا الاتفاق "يمهد الطريق لاستئناف التبادلات المباشرة ويسهل إعادة بناء الثقة بين الطرفين ويعزز سيادة مالي، مع السماح للجزائر بتأكيد دورها التاريخي كشريك رئيسي في منطقة الساحل"، مما يؤكد على الأبعاد الإقليمية والدولية لهذا التقارب.

تُعدّ هذه استراتيجية مربحة للطرفين، حيث تفتح الباب واسعاً أمام تعزيز التعاون في القطاعات الاقتصادية والطاقوية والبنية التحتية، وهو ما يمكن أن يعود بالنفع على شعبي البلدين والمنطقة ككل. وشدد توري على ضرورة إنشاء "أطر تشاور ثنائية ومتعددة الأطراف لمواجهة التحديات العابرة للحدود التي تواجه البلدين"، مثل مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، وتأمين الحدود. وتوقع أن تشهد العلاقات الثنائية "كثافة في التعاون مستقبلاً، لا تقتصر على البلدين، بل تمتد إلى باقي دول الساحل، خاصة فيما يتعلق بالتحكم الأمني في المنطقة"، مما يعكس رؤية شاملة للتعاون الإقليمي.

واعتبر الدكتور توري أن ما حدث هو "انتصار للدبلوماسية البراغماتية وفرصة تاريخية لتوطيد شراكة استراتيجية مربحة للجميع، فرصة يجب استغلالها بسرعة من خلال مبادرات ملموسة: قمم ثنائية، منتديات وساطة هجينة، ومشاريع تنمية عابرة للحدود". ويُذكر أن التبادلات الإنسانية والتجارية والثقافية بين البلدين لم تتوقف بشكل كامل خلال فترة التوترات، مما يدل على مرونة العلاقات الشعبية وقدرتها على تجاوز الأزمات السياسية.