رياض محرز يعتزل دوليًا بعد مسيرة حافلة بالإنجازات

Riyad Mahrez
الصورة عبر Echoroukonline

أعلن نجم كرة القدم الجزائري رياض محرز اعتزاله اللعب دوليًا بعد المباراة الأخيرة للمنتخب الوطني في كأس العالم ضد سويسرا ضمن دور الـ16. يأتي هذا القرار الذي اتخذه اللاعب وهو في الخامسة والثلاثين من عمره، بعد مسيرة حافلة ساعد خلالها المنتخب على العودة إلى كأس العالم هذا العام 2026. وقد جاء هذا الإعلان ليضع نهاية لمسيرة دولية امتدت لأكثر من عقد من الزمان، شهدت خلالها الكرة الجزائرية تألقًا كبيرًا بفضل مساهمات محرز الحاسمة.

وفي تصريحات سابقة تعكس رحلته الملهمة، أشار محرز إلى التحديات التي واجهها في بداية مسيرته الكروية، قائلاً: "لقد قالوا إنني نحيف للغاية وسيدفعني الجميع ويوقعونني أرضا بعيدا عن الكرة، لذلك فقد طورت من أسلوبي ومهاراتي، لكن بدنيًا لم أكن قويًا وسريعًا، لكنني عملت بِجِد". هذه الكلمات تبرز العزيمة والإصرار اللذين لازما اللاعب طوال مسيرته، وكيف استطاع التغلب على العقبات الجسدية من خلال العمل الشاق وتطوير الجوانب الفنية. كما تحدث عن تأثير والده في مسيرته الكروية، موضحاً: "لقد كان معي دائمًا ومرافقا لي في المباريات، والدي لعب لبعض الأندية في الجزائر وفرنسا ولديه خبرات في مجال الكرة، وفاته كانت الانطلاقة، حيث حرصت على أن أكون أكثر جِدّية حتى أحقق بعض ما كان يتمناه مني". هذا التصريح يكشف عن الجانب الشخصي العميق الذي دفع محرز نحو التميز، محولًا الخسارة الشخصية إلى دافع قوي لتحقيق النجاح.

مسيرة دولية حافلة بالإنجازات والأرقام القياسية

امتدت مسيرة رياض محرز مع المنتخب الوطني لأكثر من عشر سنوات، بدأت مع مشاركته في كأس العالم 2014 في البرازيل، حيث كانت تلك البطولة نقطة الانطلاق الرسمية لمسيرته الدولية التي ستشهد العديد من اللحظات التاريخية. خلال هذه الفترة، حقق محرز إنجازًا بارزًا بفوزه بكأس الأمم الأفريقية عام 2019، والذي يُعد أحد أبرز الألقاب القارية التي قاد منتخب بلاده لتحقيقها. وقد خاض اللاعب ما مجموعه 120 مباراة بقميص المنتخب الجزائري، وهو رقم قياسي يجعله ثاني أكثر اللاعبين تمثيلاً للمنتخب بعد جمال ماندي، مما يدل على مكانته الراسخة ودوره المحوري في تشكيلة "الخضر" على مدار السنين.

كما يُعد محرز ثاني الهدافين التاريخيين للمنتخب الوطني برصيد 40 هدفًا، ليأتي خلف الهداف التاريخي إسلام سليماني. هذا الإنجاز يؤكد قدرته التهديفية العالية ومساهماته الهجومية المستمرة التي كانت حاسمة في العديد من المباريات. بدأ محرز مسيرته الدولية قبل أشهر قليلة من انطلاق كأس العالم 2014، مما يشير إلى صعوده السريع في صفوف المنتخب وقدرته على فرض نفسه كعنصر أساسي في وقت قصير. كان أداؤه لافتًا بشكل خاص خلال كأس الأمم الأفريقية 2019 التي أقيمت في مصر، حيث قاد منتخب بلاده لتحقيق اللقب القاري ببراعة ومهارة، مسجلًا أهدافًا حاسمة ومقدمًا تمريرات ساحرة. توّج محرز بكأس أفريقيا مع المنتخب الوطني في صيف عام 2019 بمصر، وهو ما يُعد أحد أبرز إنجازاته الكروية على الصعيد الدولي، ولقطة خالدة في ذاكرة الجماهير الجزائرية.

تضمنت مسيرة محرز الدولية أيضًا المشاركة في التصفيات المؤهلة لكأس العالم، حيث كان له دور فعال في مساعدة المنتخب الوطني على العودة إلى المشاركة في كأس العالم 2026، وهو إنجاز يعكس استمرارية تأثيره حتى أواخر مسيرته الدولية. مسيرته مع المنتخب لم تكن مجرد أرقام وإحصائيات، بل كانت قصة إلهام وتضحية، حيث كان دائمًا حاضرًا في اللحظات الحاسمة، سواء بتسجيل الأهداف أو صناعتها، أو حتى بقيادته للفريق بروحه القتالية.

تألق على مستوى الأندية الأوروبية والخليجية

على صعيد الأندية، تألق رياض محرز بشكل لافت في مسيرته الاحترافية، محققًا إنجازات بارزة في كل من أوروبا والخليج العربي. بدأ نجمه بالصعود في إنجلترا، حيث فاز بلقب الدوري الإنجليزي الممتاز (Premier League) مع نادي ليستر سيتي (Leicester City) في إنجاز تاريخي عام 2016، والذي يُعد من أبرز المفاجآت في تاريخ كرة القدم الإنجليزية. هذا التتويج لم يكن مجرد لقب، بل كان نقطة تحول كبرى في مسيرته الكروية، حيث لفت أنظار الأندية الكبرى في أوروبا. عقب ذلك، انتقل محرز إلى مانشستر سيتي (Manchester City)، وهناك استمر في حصد الألقاب، محققًا العديد من الإنجازات مع النادي الذي يُعد أحد عمالقة كرة القدم الأوروبية.

خلال فترة لعبه مع مانشستر سيتي، أضاف محرز خمسة ألقاب للدوري الإنجليزي الممتاز إلى رصيده، مما يؤكد مكانته كأحد أبرز اللاعبين في تاريخ المسابقة وقدرته على الحفاظ على مستواه العالي ضمن فريق مليء بالنجوم. كما توج محرز بلقب دوري أبطال أوروبا (Champions League) مع مانشستر سيتي، ليضيف أحد أعرق الألقاب الأوروبية إلى قائمة إنجازاته الكبيرة، محققًا حلم كل لاعب كرة قدم بالمنافسة والفوز باللقب الأغلى في أوروبا. وقد لعب رياض محرز لأندية بارزة تشمل ليستر سيتي ومانشستر سيتي في إنجلترا، حيث ترك بصمة لا تُمحى في كل منهما، قبل أن ينتقل إلى الدوري السعودي.

حالياً، يواصل محرز مسيرته الكروية في الدوري السعودي، بعد انضمامه إلى نادي أهلي جدة (Al-Ahli). هذه الخطوة تؤكد امتداد تأثيره الكروي من القارة الأوروبية إلى منطقة الخليج، حيث يُعد أحد أبرز اللاعبين الذين انضموا إلى الأندية السعودية في الفترة الأخيرة، مساهمًا في رفع مستوى الدوري وجذب المزيد من الأنظار العالمية إليه. ومع أهلي جدة، استمر محرز في تحقيق الإنجازات، حيث فاز بلقب دوري أبطال آسيا (AFC Champions League)، وهو إنجاز قاري آخر يضاف إلى سجله الحافل، مما يبرهن على قدرته على التألق في مختلف البيئات الكروية. تعكس مسيرته الكروية على مستوى الأندية النجاح المستمر والقدرة على التكيف مع الدوريات المختلفة، مما جعله واحدًا من أكثر اللاعبين الجزائريين تتويجًا في تاريخ اللعبة، ورمزًا للنجاح الكروي على الصعيدين القاري والعالمي.

تحديات مبكرة وإرث مستمر

واجه رياض محرز تحديات مبكرة في مسيرته الكروية، حيث أفاد مدربوه في مراحله الشبابية بأن بنيته الجسدية لم تكن مناسبة لكرة القدم، واصفين إياه بأنه نحيف للغاية. هذه الملاحظات لم تثنه عن مواصلة طريقه في عالم كرة القدم، بل كانت دافعًا له لتطوير مهاراته الفنية والذهنية لتعويض أي نقص بدني متصور. لقد أثبت محرز أن الموهبة والعزيمة يمكن أن تتفوقا على أي تحديات جسدية.

تلقى محرز صدمة في حياته الشخصية عندما توفي والده وهو في الخامسة عشرة من عمره. كان والده قد توفي عن عمر يناهز 54 عامًا. شكل هذا الحدث نقطة تحول في حياة اللاعب، حيث أشار في تصريحات سابقة إلى أن وفاة والده كانت بمثابة الانطلاقة له نحو مزيد من الجدية والاجتهاد لتحقيق ما كان والده يتمناه منه، مما جعله يكرس حياته لتحقيق النجاح في مسيرته الكروية.

على الرغم من عدم وجود اقتباسات محددة في هذا القسم، إلا أن تأثير والده كان واضحًا في مسيرة محرز التي شهدت تطورًا ملحوظًا بعد هذه الفترة. استمر اللاعب في صقل مهاراته وتطوير قدراته ليصبح أحد أبرز نجوم كرة القدم، ليس فقط في الجزائر بل في العالم أجمع. إرث رياض محرز سيتجاوز مجرد الأهداف والألقاب؛ فهو يمثل قصة نجاح للاعب بدأ من الصفر، وتغلب على الصعاب، ووصل إلى قمة كرة القدم العالمية بفضل موهبته وعمله الجاد وإصراره الذي لا يلين. اعتزاله الدولي يفتح صفحة جديدة في مسيرته، تاركًا خلفه إرثًا كرويًا سيبقى محفورًا في ذاكرة الجماهير الجزائرية والعالمية.