تشكل الدوريات الأكاديمية المفترسة والمنتحلة ظاهرة متنامية ومنتشرة بشكل واسع في عالم النشر العلمي. تستغل هذه الدوريات حاجة الباحثين الملحة للنشر للترقية الأكاديمية أو الحصول على درجات علمية، مقدمة وعوداً بنشر سريع ومضمون مقابل رسوم غالباً ما تكون باهظة. وتفتقر هذه المجلات عادةً إلى مراجعة الأقران الحقيقية أو المعايير العلمية الصارمة التي تضمن جودة المحتوى، مما يقلل من مصداقية الأبحاث المنشورة فيها ويطعن في قيمتها العلمية. وقد أدت هذه الممارسات إلى تضرر سمعة العديد من الباحثين الذين يجدون أنفسهم ضحايا لهذه الدوريات، ما يثير تساؤلات جدية حول جودة المخرجات العلمية ونزاهة العملية الأكاديمية بشكل عام. ويهدد انتشارها بتقويض الثقة في البحث العلمي، خاصة في الدول التي تعاني أنظمتها الأكاديمية من ثغرات تسمح لهذه الممارسات بالتفشي والازدهار. هذه الدوريات، التي تتسم بالعديد من علامات الاستفهام، أصبحت سوقاً مزيفة تدر أرباحاً طائلة للمحتالين الذين يستغلون الباحثين وطلاب الدكتوراه، وذلك بنشر أعمالهم دون مراجعة علمية حقيقية من الأقران مقابل دفع رسوم.
فضيحة "رويسكايا إستوريا" المزيفة
تُعد مجلة Rossiiskaya Istoriya، التي يصدرها المعهد الروسي للتاريخ منذ عام 1957، دورية علمية مرموقة تركز على التاريخ الروسي والسوفيتي وتحظى باحترام واسع في الأوساط الأكاديمية. تستخدم المجلة الأصلية رقمي ISSN 2949-124X للنسخة المطبوعة و3034-5790 للنسخة الإلكترونية، كما أنها استخدمت سابقاً رقم ISSN 0869-5687. ولكن ظهرت نسخة منتحلة من المجلة تستخدم رقم ISSN القديم نفسه 0869-5687، وهو ما يظهر على منصة الوزارة الرسمية، مما يضفي عليها غطاءً من الشرعية الزائفة. تحمل المجلة المنتحلة عنوان "Rossiyskaya Istoriya"، حيث تم استبدال حرف "i" بحرف "y" مرتين مقارنة بالاسم الأصلي "Rossiiskaya Istoriya"، وهو تغيير طفيف قد لا يلاحظه الكثيرون لكنه يكشف عن محاولة التقليد.
تدعي المجلة المنتحلة أنها تصدر عن الأكاديمية الروسية للعلوم بالتعاون مع دار نشر "Nauka" في موسكو، في محاولة أخرى لإضفاء المصداقية على وجودها. وقد احتوى العدد الأول من هذه المجلة المنتحلة للعام الحالي على 73 مقالاً، وهو عدد ضخم يشير إلى حجم النشاط غير المشروع. هذه المقالات تغطي مجموعة واسعة جداً من المجالات، تشمل القانون، والاقتصاد، والإدارة، والعلوم السياسية، والأدب، والفلسفة، وعلم الاجتماع، وعلم النفس، والتعليم، والطب، والرياضيات، وعلوم الحاسوب، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والبيئة، والتنمية المستدامة، والزراعة، والطاقة، والبيولوجيا، وعلم الأعصاب، واللغويات، والإعلام والاتصال، والتراث الثقافي، والسياحة، وعلوم الرياضة. هذا التنوع المفرط في التخصصات، الذي يتجاوز نطاق مجلة تاريخية متخصصة، يعد مؤشراً قوياً على طبيعتها المفترسة. ومع ذلك، يمكن تصنيف حوالي 5 مقالات فقط في هذا العدد ضمن مجال التاريخ العام، وليس التاريخ الروسي على وجه التحديد، مما يبرز التناقض الصارخ بين ادعاءات المجلة ومحتواها الفعلي. وقد ساهم 83 باحثاً جزائرياً من أكثر من 15 مؤسسة جامعية وطنية بـ 37 مقالاً في العدد الأول من المجلة المنتحلة، مما يكشف عن مدى انتشار هذه الظاهرة وتأثيرها على الباحثين الجزائريين.
آلية استغلال الباحثين الجزائريين
أصبحت هذه الدوريات سوقاً مزيفة تدر أرباحاً طائلة للمحتالين الذين يستغلون الباحثين وطلاب الدكتوراه، وذلك بنشر أعمالهم دون مراجعة علمية حقيقية من الأقران مقابل دفع رسوم. تستفيد هذه الدوريات من حاجة الباحثين الملحة للنشر الأكاديمي، مقدمة وعوداً بنشر سريع ومضمون، مما يحول العملية الأكاديمية إلى تجارة تستهدف الباحثين الساعين للترقية أو الحصول على درجات علمية. هذه الحاجة الملحة تنبع من المتطلبات الأكاديمية الصارمة التي تفرضها المؤسسات التعليمية.
ويذكر الموقع الإلكتروني للمجلة المنتحلة أن قرارات النشر تُتخذ في غضون أسبوعين، وهي فترة قصيرة جداً تثير الشكوك حول جودة المراجعة العلمية التي يمكن إجراؤها خلالها. كما تظهر هيكلتها التحريرية على الموقع وتضم أربعة أشخاص فقط، دون تقديم تفاصيل حول تخصصاتهم العلمية أو انتماءاتهم المؤسسية، مما يثير تساؤلات جدية حول معايير المراجعة العلمية ومصداقية المحتوى المنشور، ويؤكد على أن المراجعة الحقيقية للأقران غائبة تماماً.
نظام الترقية الجامعية والمنصة الوزارية
تفرض متطلبات الترقية الجامعية ومناقشات رسائل الدكتوراه ضرورة النشر في دوريات مصنفة من قبل وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، مما يضع ضغطاً كبيراً على الباحثين لإيجاد منافذ نشر معترف بها. وفي هذا السياق، عمدت الوزارة إلى إنشاء منصة إلكترونية خاصة بتصنيف المجلات العلمية، بهدف تبسيط العملية وتوجيه الباحثين. تقوم هذه المنصة بتصنيف الدوريات إلى فئتين رئيسيتين: الفئة (أ) المخصصة للمجلات ذات الجودة العالية، والفئة (ب) التي تضم المجلات ذات الجودة الأقل. يهدف هذا التصنيف إلى توجيه الباحثين وضمان جودة المنشورات الأكاديمية التي تُعتمد لأغراض الترقية ومناقشة رسائل الدكتوراه، لكن وجود مجلات منتحلة ضمن القوائم المعتمدة يقوض هذه الأهداف.
مسؤولية الوزارة وسبل المعالجة
تحمل وزارة التعليم العالي والبحث العلمي المسؤولية الكبرى عن الوضع الحالي لنظام النشر الأكاديمي، وفقاً لما ورد في النقاشات حول هذه القضية. تتطلب القوائم الرسمية للدوريات المعترف بها مراجعة مستمرة وتحقيقاً دقيقاً لضمان مصداقيتها وخلوها من أي مجلات مشبوهة أو منتحلة. ينبغي على الوزارة إنشاء آليات للرقابة العلمية تراقب هذه الممارسات المشبوهة وتحذر منها بشكل استباقي، وذلك لحماية الباحثين من الوقوع ضحية لها. هذه الإجراءات ضرورية لضمان جودة البحث العلمي ومصداقية الترقية الأكاديمية في الجزائر، والحفاظ على سمعة الأكاديميين الجزائريين على الصعيدين الوطني والدولي. من الضروري أن تتحمل الوزارة مسؤوليتها الكاملة في فلترة هذه القوائم وتحديثها بانتظام، مع وضع معايير أكثر صرامة للتأكد من هوية ومصداقية الدوريات المدرجة، وتوفير التوجيه الكافي للباحثين للتمييز بين الدوريات الأصيلة والمفترسة.