تجدد العنف في الشرق الأوسط مع انهيار وقف إطلاق النار الهش، حيث شنت إسرائيل غارات جوية على بيروت يوم الخميس الموافق 28 مايو للمرة الثانية منذ الهدنة التي أبرمت في أبريل. يبدو أن اتفاق وقف إطلاق النار، الذي لم يُحترم بشكل كامل قط، أصبح موجودًا على الورق فقط مع تصاعد التوترات الإقليمية. هذا الاتفاق، الذي كان من المفترض أن يجلب فترة من الهدوء والاستقرار، لم يتم الالتزام به من قبل الأطراف المعنية، مما أدى إلى تجدد الاشتباكات والعمليات العسكرية الواسعة.
تأتي هذه الغارات بعد يوم واحد من إعلان الجيش الإسرائيلي تأكيده لمقتل محمد عودة، الذي وُصف بأنه الرئيس الجديد للذراع المسلح لحماس، في غارة استهدفت قطاع غزة. وقد أثار هذا الاستهداف ردود فعل غاضبة من قبل الفصائل الفلسطينية، التي توعدت بالرد على هذه العملية. في سياق متصل، اتهمت طهران الولايات المتحدة بارتكاب "انتهاكات" لوقف إطلاق النار عقب الضربات الأمريكية على بندر عباس، مما يزيد من تعقيد المشهد الإقليمي ويدفع نحو مزيد من التصعيد بين القوى الكبرى والإقليمية.
جبهة غزة: ادعاءات نتنياهو والعمليات العسكرية
صرح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأنه يهدف إلى توسيع السيطرة الإقليمية الإسرائيلية لتشمل 70% من قطاع غزة. وتأتي هذه التصريحات في سياق العمليات العسكرية المستمرة في القطاع، والتي تهدف إلى تفكيك البنية التحتية لحركة حماس. وقد أثارت هذه التصريحات مخاوف دولية بشأن مستقبل القطاع المحاصر وتداعياتها على المدنيين الفلسطينيين.
وذكر نتنياهو، في تصريح باللغة الفرنسية، أن القوات الإسرائيلية تحكم قبضتها على حركة حماس. وقال: "En ce moment, nous tenons le Hamas à la gorge. Nous contrôlons maintenant 60 % du territoire de la bande. Vous savez, nous étions à 50 après l’entrée en vigueur du cessez-le-feu, nous sommes passés à 60, ma directive est de passer à 70" [في هذه اللحظة، نحن نمسك حماس من حلقها. نحن نسيطر الآن على 60% من أراضي القطاع. تعلمون، كنا عند 50% بعد دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، ارتفعنا إلى 60%، وتوجيهاتي هي أن نصل إلى 70%]. يعكس هذا التصريح نية واضحة لتوسيع السيطرة على الأراضي داخل القطاع، مما يشير إلى استراتيجية عسكرية بعيدة المدى تتجاوز مجرد العمليات المحدودة.
تأتي هذه الادعاءات في وقت تتواصل فيه الغارات والعمليات العسكرية في غزة، مما يشير إلى تصعيد محتمل في نطاق العمليات البرية. ويذكر نتنياهو أن هدف الوصول إلى 70% من السيطرة الإقليمية يأتي بعد زيادة سابقة من 50% إلى 60% في أعقاب وقف إطلاق النار الذي لم يصمد. وتشير تصريحاته إلى أن هذه الأهداف التوسعية جزء من استراتيجية أوسع ضد حماس في المنطقة. ولم تُقدم تفاصيل إضافية حول التوقيت المتوقع لتحقيق هذا الهدف أو طريقة التنفيذ، مما يترك الباب مفتوحًا للتكهنات حول الخطوات الإسرائيلية القادمة في المنطقة. وتترافق هذه العمليات مع تحذيرات من منظمات الإغاثة الدولية بشأن الأوضاع الإنسانية المتدهورة في القطاع، حيث يعاني السكان من نقص حاد في الغذاء والماء والدواء.
تصعيد العنف في لبنان: ضربات متبادلة وخسائر بشرية
شنت الطائرات الإسرائيلية غارة استهدفت شقة سكنية في الشويفات جنوب بيروت يوم الخميس، وفقاً لتقارير إخبارية. وأفادت مصادر أن الهدف الرئيسي في الشويفات كان علي الحسيني، الذي وصف بأنه "قائد وحدة الصواريخ ضمن فوج من لواء القدس التابع للحرس الثوري الإيراني". من جانبه، صرح الأمين العام للصليب الأحمر اللبناني جورج كتانة لقناة LBCI بأن الضربة استهدفت "شقة سكنية"، مما يؤكد الطبيعة المدنية للموقع المستهدف ويزيد من المخاوف بشأن استهداف المدنيين والبنى التحتية المدنية.
في سياق متصل، تشير مصادر سياسية وأمنية لبنانية إلى احتمال أن تكون الولايات المتحدة قد أعطت الضوء الأخضر لشن ضربات موجهة ضد كوادر حزب الله، مع الإبقاء على حق النقض (الفيتو) ضد أي قصف واسع النطاق. وقد أثارت هذه المعلومات جدلاً واسعاً حول دور الولايات المتحدة في التصعيد الأخير. وقد أعلنت وزارة الصحة اللبنانية عن مقتل 14 شخصاً على الأقل وإصابة 21 آخرين في الغارات الإسرائيلية التي استهدفت جنوب لبنان، مما يسلط الضوء على الخسائر البشرية المتزايدة نتيجة لتلك العمليات العسكرية.
وفي صيدا، أسفرت غارة جوية فجرية استهدفت مبنى عن مقتل خمسة أشخاص، فيما تواصلت الهجمات في مناطق أخرى، مما أثار حالة من الذعر بين السكان. كما تسببت غارة على سيارة متحركة في المنطقة نفسها في مقتل ستة أشخاص، من بينهم طفلان ووالداهما، في حادثة أثارت استياءً واسعاً وتنديداً دولياً. وفي صور، قُتل شخصان جراء هجوم بطائرة مسيرة، مما يشير إلى اتساع نطاق الضربات الجوية الإسرائيلية لتشمل مناطق أوسع في جنوب لبنان.
أدت هذه الضربات أيضاً إلى مقتل جندي في الجيش اللبناني، مما يرفع حصيلة الضحايا العسكريين في لبنان ويزيد من تعقيد الموقف على الحدود. ووفقاً للجيش الإسرائيلي، فقد تم تنفيذ أكثر من 135 ضربة في غضون 24 ساعة، وشملت هذه العمليات مناطق صور والبقاع وجميع أنحاء الجنوب اللبناني، مما يبرز كثافة العمليات العسكرية واتساع نطاقها الجغرافي. وقد صدرت أوامر إخلاء فورية لقرى حابوش وكفور وصحمر وعين قانا والنبطية التحتا وكفر رمان، مما دفع السكان إلى مغادرة منازلهم بحثاً عن الأمان، وتسبب في موجة نزوح جديدة تزيد من الأعباء الإنسانية على البلاد.
التوترات الإيرانية الأمريكية: هجمات متبادلة وردود فعل دولية
تعرضت إيران لضربات أمريكية جديدة، وبحسب ما ورد، استهدفت الكويت. ونددت القيادة العسكرية الأمريكية للشرق الأوسط (Centcom) بما وصفته بـ "انتهاك صارخ لوقف إطلاق النار من قبل النظام الإيراني"، في إشارة إلى الهجمات الأخيرة التي نفذتها إيران. من جانبها، وصفت وزارة الخارجية الكويتية عمليات الإطلاق بأنها "هجمات إيرانية إجرامية" تشكل "تصعيدًا خطيرًا" يهدد أمن المنطقة واستقرارها.
وفي سياق متصل، أطلقت إيران صاروخًا باليستيًا باتجاه الكويت، والذي اعترضته القوات الكويتية بنجاح، مما حال دون وقوع إصابات أو أضرار. كما أطلقت إيران خمس طائرات مسيّرة هددت مضيق هرمز، وتم اعتراضها هي الأخرى قبل أن تتمكن من تحقيق أهدافها. وتأتي هذه الهجمات في ظل اتهامات طهران للولايات المتحدة بـ "انتهاكات" لوقف إطلاق النار بعد الضربات الأمريكية على بندر عباس، مما يشير إلى تبادل للهجمات والاتهامات بين الطرفين. وفي رد فعل على هذه التطورات، صرح المرشد الأعلى مجتبى خامنئي بأن واشنطن وتل أبيب تسعيان إلى "إخضاع الأمة"، في إشارة إلى محاولات الهيمنة الإقليمية.
على صعيد آخر، أعلنت واشنطن عن نيتها "قطع وصول شركتي الطيران الإيرانيتين إلى مواقع الهبوط والتزود بالوقود وبيع التذاكر"، في خطوة تهدف إلى تشديد الضغط على طهران وفرض عقوبات اقتصادية إضافية عليها. وتهدف هذه الإجراءات إلى تقييد قدرة إيران على التواصل مع العالم الخارجي والحد من مواردها المالية.
تداعيات اقتصادية وسياسية على الأسواق العالمية
اهتزت الأسواق العالمية جراء تصاعد التوترات في المنطقة، مما أثر على أسعار النفط وحركة الأسهم بشكل مباشر. ارتفع سعر خام برنت ليصل إلى 97.06 دولار للبرميل صباح الخميس، مسجلاً زيادة تقارب 3%، مما يعكس قلق المستثمرين من اضطرابات محتملة في إمدادات الطاقة العالمية. كما بلغ سعر خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي (US WTI) 91.17 دولار، في مؤشر على ارتفاع الطلب على النفط وسط حالة عدم اليقين. افتتحت أسواق الأسهم الأوروبية تداولاتها بانخفاض، حيث شهدت بورصة لندن تراجعاً تجاوز 1%، بينما انخفضت بورصة باريس بنسبة 0.5%، مما يعكس قلق المستثمرين من استمرار عدم الاستقرار الإقليمي وتأثيره المحتمل على الاقتصاد العالمي. وقد أدت هذه التوترات إلى تراجع الثقة في الأسواق المالية، مما دفع المستثمرين إلى البحث عن ملاذات آمنة.
جهود دبلوماسية متزامنة مع تصاعد التوتر
في اليوم السابق، صدر أمر بإخلاء أكثر من 125 ألف نسمة ونازح من صور، التي قُصفت بعد ساعتين من صدور الأمر، مما يعكس سرعة الأحداث وتدهور الأوضاع الأمنية. في سياق متصل، أعلن حزب الله مسؤوليته عن أربع عمليات استهدفت آليات إسرائيلية مدرعة في الجنوب، مما يشير إلى استمرار المواجهات على الحدود. وأكد الجيش الإسرائيلي مقتل جندية من لواء غولاني وإصابة سبعة آخرين في هجمات لطائرات مسيرة مفخخة، مما يبرز فعالية هذه الهجمات في إلحاق الخسائر بالقوات الإسرائيلية. ومن المقرر أن تبدأ محادثات عسكرية غير مباشرة بين بيروت وتل أبيب يوم الجمعة في واشنطن، مع جلسة مطولة مقررة يومي الثاني والثالث من يونيو في البنتاغون، في محاولة لإيجاد حلول دبلوماسية للتوتر المتصاعد. وسيمثل الدولة اللبنانية وفد عسكري لبناني بقيادة العميد جورج رزق الله، مدير عمليات الجيش، مما يؤكد أهمية هذه المحادثات بالنسبة للبنان. في غضون ذلك، أعلنت إسرائيل تجميد علاقاتها مع مكتب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، في خطوة تعكس استياءها من مواقف الأمم المتحدة. وصرح السفير داني دانون عبر منصة X: "لقد انتهينا من هذا الأمين العام"، مما يشير إلى تدهور العلاقات بين إسرائيل والأمم المتحدة في ظل هذه الأزمة. هذه التطورات الدبلوماسية تأتي في محاولة لتخفيف حدة التوتر، لكنها تواجه تحديات كبيرة في ظل استمرار التصعيد العسكري والاتهامات المتبادلة بين الأطراف المعنية.