الجزائر تتجه نحو حكومة كفاءات بعد الانتخابات التشريعية

الأنظار تتجه إلى الحكومة الجديدة وهذا هو السيناريو المرجّح
الصورة: ح.م عبر Echoroukonline

أعلن المجلس الدستوري في الجزائر، يوم الجمعة، النتائج النهائية للانتخابات التشريعية التي جرت في 2 يوليو 2026. وتتجه الأنظار نحو الحكومة القادمة، حيث يترقب الجميع قرار الرئيس عبد المجيد تبون بشأن تشكيلتها ومصير رئيس الوزراء الحالي. يأتي ذلك في ظل توقعات بتركيز على الكفاءات في الإدارة الجديدة، في خطوة يُنظر إليها على أنها تعكس استمرارية لنهج الرئيس. ويتركز الاهتمام حالياً على التحديات التي تواجه الرئيس تبون في اختيار أعضاء الحكومة الجديدة وتشكيل الجهاز التنفيذي المقبل، وهو قرار سيحدد مسار السياسات الوطنية في المرحلة المقبلة.

تتضمن الخيارات المتاحة أمامه الاعتماد على شخصيات سياسية، أو الاستعانة بكفاءات من قطاعات الإدارة والجامعات والمؤسسات المختلفة، أو حتى الإبقاء على جزء من التشكيلة الحكومية الحالية، بما يضمن الفاعلية والاستمرارية في تنفيذ السياسات. هذا القرار الاستراتيجي يُعد حجر الزاوية في بناء جهاز تنفيذي قادر على تحقيق الأهداف المحددة للبلاد.

تحديد مسار تشكيل الحكومة الجديدة

تشير المعطيات السياسية والدستورية إلى استمرارية النهج الذي اتبعه الرئيس عبد المجيد تبون في عهداته السابقة، مفضلاً الكفاءات من الإدارة والجامعات والمؤسسات العمومية على التمثيل الحزبي. فقد أسفرت الانتخابات التشريعية الأخيرة عن أغلبية رئاسية تدعم برنامج الرئيس، وليس أغلبية سياسية مختلفة كانت لتفرض حكومة حزبية. ولم تتمكن الأحزاب الفائزة في الانتخابات التشريعية من تشكيل أغلبية برلمانية مختلفة عن الأغلبية الرئاسية، مما يعزز من موقف الرئيس في اختيار حكومة ذات طابع كفاءات.

ويُعتبر الاعتماد على الكفاءة والخبرة السيناريو الأكثر ترجيحاً لتشكيل الحكومة القادمة، حيث يولي الرئيس تبون الأولوية للكفاءة والخبرة على الانتماء السياسي عند اختيار أعضاء الجهاز التنفيذي. ومن المتوقع أن تركز المرحلة القادمة على تنفيذ سياسات الدولة والبرنامج الرئاسي، بدلاً من توزيع الحقائب الوزارية بين الأحزاب الفائزة. هذا التوجه يؤكد على أن الأولوية هي لتحقيق الأهداف الوطنية المحددة في برنامج الرئيس. وعلى هذا الأساس، يُتوقع أن تكون الحكومة القادمة حكومة كفاءات قادرة على تلبية تطلعات المواطنين وتجسيد البرنامج الرئاسي، مما يعكس التوجه نحو إدارة فعالة وموجهة نحو تحقيق الأهداف الوطنية. هذا يعني أن التركيز سينصب على الأداء والنتائج، وليس على التوازنات السياسية التقليدية.

الأسس الدستورية والسياسية لاختيار الكفاءات

ذكر المحلل السياسي علي حشاني أن النقاش حول الحكومة الجزائرية المرتقبة سيُحكم بطبيعة النظام الدستوري للبلاد، مؤكداً أن "النقاش المتوقع بشأن تشكيل الحكومة المقبلة سيبقى محكوماً بطبيعة النظام الدستوري". وأوضح حشاني أن الدستور يميز بين حالتين: الأولى هي وجود أغلبية برلمانية تختلف عن الأغلبية الرئاسية، والتي تستلزم تعيين رئيس وزراء من تلك الأغلبية، والثانية تتعلق بوجود أغلبية رئاسية تدعم برنامج الرئيس. هذا التمييز الدستوري هو ما يوجه عملية الاختيار الحالي.

وأشار إلى أن "الحالة الثانية تتعلق بوجود أغلبية رئاسية تدعم برنامج رئيس الجمهورية، وفي هذه الحالة يتم تعيين رئيس وزراء، وهو السيناريو الذي طبع المرحلة السابقة". مضيفاً أن "الحالة الأولى لا تنطبق على نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة، بالنظر إلى أن الأحزاب الفائزة لم تنتج أغلبية برلمانية مختلفة، بل أنتجت أغلبية رئاسية تواصل دعم برنامج الرئيس". هذا التحليل يؤكد أن الوضع الحالي يمنح الرئيس صلاحيات واسعة في اختيار فريقه الحكومي.

وبناءً على هذه المعطيات، يرى حشاني أن الوضع الحالي، الذي يتميز بوجود أغلبية رئاسية، يتماشى مع الحالة الدستورية الثانية، مما يشير إلى استمرارية صيغة رئيس الوزراء. ويعتقد حشاني أن الحكومة القادمة لن يكون لها طابع سياسي أو حزبي واسع، حيث أظهرت التجربة في عهد الرئيس تبون اعتماد الحكومات بشكل أساسي على الكفاءات والكوادر. وقال إن "التجربة على مدار السنوات الماضية أظهرت أن الحكومات المشكلة خلال ولايتي الرئيس اعتمدت بشكل أساسي على الكفاءات والكوادر، بينما ظل التمثيل الحزبي محدوداً، مما يعكس تركيز الرئيس على معيار الكفاءة والخبرة أكثر من الانتماء السياسي في اختيار أعضاء الجهاز التنفيذي". هذا التوجه يعزز من فكرة أن الرئيس تبون يولي الأولوية للكفاءة والخبرة على الانتماء السياسي عند اختيار أعضاء الجهاز التنفيذي، وهو ما يتوقع أن يستمر في التشكيلة الحكومية الجديدة.

دور الأحزاب وصلاحيات الرئيس في التعيين

واجهت الأحزاب السياسية انتقادات وحملت مسؤولية العزوف عن التصويت في أعقاب الانتخابات الأخيرة، مما أثار تساؤلات حول دورها المستقبلي في المشهد السياسي. هذا الوضع يعزز من التوجه نحو حكومة كفاءات بعيداً عن المحاصصة الحزبية، ويقلل من الضغوط الحزبية في عملية التشكيل.

وعلى الرغم من أن الأحزاب الفائزة بالأغلبية قد تقترح أسماء لشغل الحقائب الوزارية، إلا أن صلاحية التعيين تظل حصرية للرئيس عبد المجيد تبون. هذا يؤكد على الدور المركزي للرئيس في تشكيل الحكومة، بغض النظر عن المقترحات الحزبية، ويمنحه حرية واسعة في اختيار الأنسب للمناصب الحكومية. هذه الصلاحيات الواسعة تمكن الرئيس من تشكيل فريق عمل متجانس وفعال.

من جانبه، أظهر الرئيس تبون تاريخياً تفضيله للاستقرار في الجهاز التنفيذي، وتجنب التغييرات المتكررة في تشكيلة الحكومة. هذا النهج يعكس رغبته في ضمان استمرارية العمل الحكومي وتنفيذ البرامج الرئاسية بكفاءة، مع التركيز على الكفاءات بدلاً من المحاصصة الحزبية. كما أن الأغلبية الرئاسية الداعمة لبرنامج الرئيس تمهد لاستمرارية حكومة الكفاءات، مما يعطي الرئيس مرونة أكبر في قرارات التعيين والإعفاء. هذه الاستراتيجية تهدف إلى تحقيق أقصى قدر من الفاعلية في الإدارة الحكومية.

نطاق التعديلات المتوقعة ومستقبل رئيس الوزراء

في ظل الأغلبية الرئاسية الحالية، يعتبر استمرار رئيس الوزراء الحالي السيناريو الأكثر ترجيحاً، حيث صرح حشاني بأن "الأغلبية الرئاسية الداعمة لبرنامج الرئيس تجعل فرضية استمراره هي الأقرب". وقد يقدم رئيس الوزراء استقالته للرئيس كجزء من الإجراءات الروتينية القياسية التي تتبع تشكيل حكومة جديدة بعد الانتخابات، لكن حشاني أكد أن "المسار الدستوري يقود نحو استمرارية صيغة رئيس الوزراء، مع إمكانية انضمام قوى سياسية أخرى لهذه الأغلبية مستقبلاً". ويتمتع الرئيس بصلاحيات واسعة في تعيين رئيس الوزراء وأعضاء الحكومة، إذ "يواجه الرئيس اليوم واقعاً دستورياً يمنحه صلاحيات واسعة في تعيين رئيس الوزراء وأعضاء الحكومة". هذه الصلاحيات تعزز من قدرة الرئيس على تحديد مسار الحكومة الجديدة.

من المتوقع ألا تكون التعديلات الحكومية المرتقبة واسعة النطاق، بل يرجح أن تقتصر على الحقائب الوزارية التي لم تحقق التوقعات أو لم تتماشَ مع البرنامج الرئاسي. يشير هذا التوجه إلى أن الرئيس عبد المجيد تبون سيسعى للحفاظ على استقرار الحكومة قدر الإمكان، مع إدخال التغييرات الضرورية لتعزيز الفاعلية وتجسيد رؤيته. ويأتي هذا في سياق الأغلبية الرئاسية التي تدعم برنامج الرئيس، مما يمنحه مرونة أكبر في اتخاذ قرارات التعيين والإعفاء. وبالتالي، فإن التغييرات ستكون موجهة نحو تحسين الأداء في قطاعات محددة، بدلاً من إجراء تعديل شامل يطال أغلب أعضاء الحكومة. هذا النهج يؤكد على استمرارية التركيز على الكفاءات والخبرات في المناصب الحكومية، وهو ما اتضح في تشكيلة الحكومات السابقة تحت قيادة الرئيس تبون، ويضمن أن الحكومة القادمة ستكون مجهزة لتنفيذ الأهداف الطموحة للبرنامج الرئاسي.