تثير سياسة فرنسا الخارجية قلقاً متزايداً وتُعزز عزلتها في شمال أفريقيا، لا سيما بعد التدهور الأخير في العلاقات مع الجزائر. تُعزى هذه العلاقات الجزائرية الفرنسية المتوترة إلى قرار قصر الإليزيه غير المتوازن بشأن قضية الصحراء الغربية، وتحديداً "اصطفاف" الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون "الواضح" مع خطة الحكم الذاتي المغربية للصحراء الغربية، مما أدى إلى تعقيد العلاقات الجزائرية الفرنسية بشكل كبير. وقد جاء هذا التدهور في العلاقات بعد هذا "الاصطفاف الصريح" الذي أعلنه الرئيس الفرنسي مع الموقف المغربي، مما أثار ردود فعل قوية في الجزائر. وفي المقابل، تشهد العلاقات بين الجزائر وجيران باريس الأوروبيين تقدماً ملحوظاً، ما يُشير إلى تزايد العزلة الفرنسية في شمال أفريقيا كدليل على تحول في الديناميكيات الإقليمية.
وحذرت سيغولين روايال (Ségolène Royal)، الوزيرة السابقة والقيادية في الحزب الاشتراكي الفرنسي، من أن سياسة إيمانويل ماكرون تُهدد بخسارة باريس لمصالحها الاقتصادية والجيوسياسية في منطقة المغرب العربي. وأكدت روايال أن "ماكرون عزل باريس في المغرب العربي وإفريقيا الفرانكوفونية"، مضيفة أن فرنسا "استُبعدت من منطقة الساحل وأفريقيا الفرانكوفونية نتيجة لسياسة دبلوماسية كارثية" انتهجتها الإدارة الحالية. وأشارت إلى عقود الطاقة والأشغال العمومية مع إيطاليا، وصفقات الهيدروجين الأخضر وصناعة السيارات مع ألمانيا، وزيارة بيدرو سانشيز المرتقبة إلى الجزائر، كدلائل ملموسة على هذا التوجه الذي يعكس تراجع النفوذ الفرنسي.
تداعيات الموقف الفرنسي على المصالح الاقتصادية
حصدت إيطاليا مكاسب من علاقاتها الممتازة مع الجزائر، حيث نجحت في إبرام صفقات في مجالي الطاقة والأشغال العمومية. ويأتي هذا في الوقت الذي تشهد فيه العلاقات الجزائرية الفرنسية تدهوراً، مما يفتح الباب أمام دول أوروبية أخرى لتعزيز حضورها الاقتصادي في المنطقة. هذه المكاسب الإيطالية تعكس تحولاً في الشراكات الإقليمية وتأثير السياسات الدبلوماسية على الفرص الاقتصادية، حيث تستفيد روما من سياسة الجزائر في تنويع شركائها.
من جهة أخرى، قررت شركة أوبل (Opel) توطين إنتاج محركاتها في الجزائر، بينما لا يزال مصنع رينو (Renault) الفرنسي متوقفاً عن العمل. هذا التطور يسلط الضوء على تراجع النفوذ الاقتصادي الفرنسي وتفضيل الجزائر لشركاء جدد في قطاع صناعة السيارات، مما يعكس تحولاً في استراتيجيات الشراكة. ويشير هذا القرار إلى أن الشركات الجزائرية تبحث عن بدائل لشركائها التقليديين، مما يؤثر على حصة فرنسا في السوق ويقلل من فرصها الاستثمارية في قطاع حيوي.
وقد عبرت سيغولين روايال عن صدمتها حيال التوقف شبه التام للشراكات بين المؤسسات الفرنسية والجزائرية في قطاعات الصناعة، الزراعة، البناء، والموانئ. ويشير هذا التوقف إلى مدى تأثير التوترات الدبلوماسية على التعاون الاقتصادي الثنائي، مما أثر سلباً على المصالح الفرنسية في مجالات حيوية متعددة. هذه الخسائر الاقتصادية تتجاوز قطاعاً واحداً، لتشمل مجالات حيوية متعددة، مما يعكس عمق الأزمة في العلاقات الثنائية.
وكانت فرنسا تعول على مضاعفة صادرات الغاز الجزائري إليها منذ زيارة الرئيس ماكرون في عام 2022. إلا أن هذا الاتفاق لم يتحقق وانهار لاحقاً بعد تدهور العلاقات الثنائية في 30 يوليو 2024، مما يمثل خسارة اقتصادية مهمة لباريس في مجال الطاقة ويعكس فشل الدبلوماسية الفرنسية في تأمين مصادر الطاقة. هذا الانهيار يؤكد أن التوترات الدبلوماسية لها تداعيات مباشرة على أمن الطاقة الفرنسي، خاصة في ظل سعي أوروبا لتنويع مصادرها بعيداً عن روسيا.
يؤثر قرار الاتحاد الأوروبي وقف استيراد الغاز الروسي بحلول العام المقبل على تحركات إسبانيا لزيادة واردات الغاز الجزائري. وتعد هذه الخطوة مؤشراً على سعي الدول الأوروبية لتأمين مصادر بديلة للطاقة، مع تزايد عزلة فرنسا في هذا السياق، مما يضعها في موقف تنافسي ضعيف. هذا التوجه الأوروبي نحو تنويع مصادر الطاقة يضع الجزائر في موقع استراتيجي كمورد موثوق به، وتستفيد منه دول مثل إسبانيا على حساب فرنسا، التي تواجه صعوبات في تأمين حصتها.
تنامي الشراكات الدولية في المنطقة
في إطار تنامي الشراكات الدولية، أسفرت زيارة الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى ألمانيا عن توقيع نحو ثلاثين اتفاقية. وشملت هذه الاتفاقيات قطاعات الطاقة والطاقة المتجددة، بما في ذلك الهيدروجين الأخضر، إضافة إلى صناعة السيارات، مما يعكس تنوع مجالات التعاون بين البلدين. ويأتي هذا التطور في ظل سعي الجزائر لتوسيع نطاق تعاونها الاقتصادي مع الدول الأوروبية بعيداً عن فرنسا، مما يعزز من مكانتها كشريك موثوق به في هذه القطاعات الحيوية ويدعم خططها التنموية.
على صعيد متصل، كان من المقرر أن يزور رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز الجزائر يوم الاثنين الموافق 20 يوليو 2026. وتُعد هذه الزيارة مؤشراً على تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين في سياق التحولات الجيوسياسية الراهنة في المنطقة، خاصة بعد فترة من التوتر بين البلدين. وتكتسب هذه الزيارة أهمية خاصة في ظل سعي إسبانيا لتأمين مصادر طاقة مستقرة ومتنوعة، مما يعكس الأولوية الاستراتيجية للجزائر في خطط مدريد للطاقة.
اعتبرت الصحافة الإسبانية أن زيارة بيدرو سانشيز المرتقبة إلى الجزائر بمثابة إعلان عن "طي صفحة الخلاف بشكل دائم" فيما يتعلق بقضية الصحراء الغربية. ويُشير هذا التقدير إلى إمكانية التوصل إلى تفاهمات جديدة بين مدريد والجزائر حول قضايا إقليمية حساسة، مما قد يُسهم في استقرار المنطقة ويعزز الثقة المتبادلة بين الطرفين، ويفتح آفاقاً جديدة للتعاون.
تسعى إسبانيا إلى زيادة إمدادات الغاز الجزائري عبر خط أنابيب "ميدغاز" بحوالي 10%، بالإضافة إلى مضاعفة شحنات الغاز الطبيعي المسال. وتأتي هذه الخطوة في إطار جهود إسبانيا لتأمين مصادر الطاقة وتنويعها، خاصة في ظل التحديات التي تواجه إمدادات الطاقة في أوروبا بسبب الأوضاع الجيوسياسية الراهنة. هذه الزيادة في الواردات تعكس الأهمية المتزايدة للجزائر كمورد طاقة موثوق به لأوروبا، وتؤكد على دورها المحوري في استقرار سوق الطاقة الإقليمي.
تحذيرات من سياسة ماكرون الدبلوماسية
تجددت المناوشات السياسية بين الجزائر وفرنسا خلال الأيام الماضية، متجاهلة الضرورات الاستراتيجية بين البلدين التي تتطلب التعاون بدلاً من التصعيد. ويُعزى استئناف هذه المناوشات إلى التصريح الذي أدلى به رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان ليكورنو (Sébastien Lecornu) بشأن قضية الصحراء الغربية يوم الخميس، وذلك من عاصمة النظام المغربي. وقد أثار هذا التصريح ردود فعل سلبية قوية في الجزائر، مما زاد من حدة التوتر في العلاقات الثنائية وعمق من أزمة الثقة بين البلدين.
وفي هذا السياق، شددت سيغولين روايال (Ségolène Royal)، الوزيرة السابقة، على ضرورة توصل الجزائر وفرنسا إلى تفاهم "بعيداً عن الانحياز" لدولة على حساب أخرى، مؤكدة على أهمية الحياد الدبلوماسي. وأكدت روايال أن مشروعها السياسي للانتخابات الرئاسية الفرنسية المقبلة في عام 2027 يتضمن إحياء دبلوماسية تتسم بالحكمة، وبعد النظر، والهدوء، والاحترام المتبادل مع جميع الجيران في منطقة البحر الأبيض المتوسط. ويأتي هذا التأكيد في ظل تزايد القلق من تدهور العلاقات الفرنسية في المنطقة، والحاجة الملحة لتبني مقاربة دبلوماسية أكثر توازناً واستدامة لضمان مصالح فرنسا على المدى الطويل.