اتفاق هش لوقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل بوساطة أمريكية مع ضمانات سرية

images
الصورة عبر Elwatan

توصلت إدارة ترامب إلى اتفاق غير مسبوق بين بيروت وتل أبيب بعد مفاوضات مكثفة استمرت يومين في العاصمة الأمريكية، وهو اتفاق لوقف إطلاق النار تضمن ضمانات سرية وقنوات موازية شملت إيران. جاء هذا الاتفاق بعد فترة من التصعيد شهدت هجمات متبادلة، حيث أسفرت الضربات الإسرائيلية عن مقتل أربعة أشخاص على الأقل في لبنان، من بينهم سائق دراجة نارية في معروب، وإصابة أربعة آخرين. وقد تسببت هذه الضربات في تفاقم الأوضاع الأمنية والإنسانية في البلاد، مما ألقى بظلاله على مجمل المشهد الإقليمي.

وفي حادث منفصل، قُتل جندي حفظ سلام صربي تابع للأمم المتحدة بالقرب من مرجعيون، وأصيب اثنان آخران في تبادل لإطلاق النار، مما زاد من حدة التوتر في المنطقة. وقد استأنف حزب الله هجماته الصاروخية وهجمات الطائرات المسيرة بعد أيام من الهجوم الإسرائيلي والأمريكي على إيران في 28 فبراير، حيث شن هجمات تضامناً مع إيران، مما يعكس ترابط الصراعات الإقليمية وتعقيداتها المتشابكة.

وأكدت الولايات المتحدة التزامها بـ "الدعم المستمر لسيادة الحكومتين"، مشددة على أن "أي اتفاق لوقف الأعمال العدائية يجب أن يتم إبرامه مباشرة بين الحكومتين، بوساطة أمريكية، وليس من خلال قناة منفصلة". يعكس هذا التطور الحاجة الملحة لوقف التصعيد في المنطقة، مع التركيز على الدور الأمريكي كوسيط رئيسي في محاولة لتهدئة الأوضاع ومنع المزيد من التدهور.

تفاصيل الاتفاق الأمريكي والضمانات الجانبية

ترأس الوفد اللبناني في المفاوضات السفير السابق سيمون كرم، والسفيرة ندى حبادة معوض، ونائبها وسام بطرس، والملحق العسكري العميد أول أوليفييه حكيمي. وقد أكد الوفد اللبناني أن أولويته المطلقة كانت تحقيق وقف كامل وحقيقي لإطلاق النار كشرط مسبق لأي موضوع آخر، وذلك وفقاً لتعليمات الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الوزراء نواف سلام. هذه الأولوية عكست الحاجة الملحة للاستقرار في لبنان الذي يعاني من تبعات الصراع، وتطلعات القيادة اللبنانية لإنهاء دوامة العنف.

ضم الوفد الإسرائيلي المفاوض السفير يحيئيل ليتر، ونائب مدير مجلس الأمن القومي يوسي درازين، والمستشار الرئاسي الحكومي أوري ريزنيك، والملحق العسكري العميد أول أميخاي ليفين. وقد طالب المفاوضون الإسرائيليون بأن تلتزم السلطات اللبنانية على الفور بـ "نزع سلاح حزب الله فوراً كشرط ضروري لأي وقف لإطلاق النار"، وهو ما يمثل نقطة خلاف جوهرية في المفاوضات، ويعكس المخاوف الأمنية الإسرائيلية العميقة.

شارك في المباحثات دبلوماسيون أمريكيون من بينهم دان هولر، رئيس طاقم وزارة الخارجية، وجاي مينز، المسؤول الرفيع في قسم الشرق الأدنى، والسفير الأمريكي لدى لبنان ميشيل عون، والسفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هوكابي. كما شارك مايكل نيدهام، نائب مستشار الأمن القومي، ووزير الخارجية ماركو روبيو، الذي يشغل أيضاً منصب مستشار الأمن القومي بالبيت الأبيض، مما يؤكد على المستوى الرفيع للتمثيل الأمريكي في هذه المفاوضات الحساسة. تضمن الاتفاق "ضمانات جانبية" لم تُدمج في النص النهائي للاتفاق، مما يشير إلى تعقيدات إضافية في عملية التفاوض، ويترك الباب مفتوحاً لتفسيرات مختلفة لهذه التعهدات غير الرسمية. يمتد نطاق الاتفاق بما يتجاوز الإطار الثنائي اللبناني الإسرائيلي الصارم، مما يعكس الأبعاد الإقليمية للتوتر والتدخلات المتعددة الأطراف.

تجدد الولايات المتحدة "دعمها المستمر لسيادة الحكومتين"، مؤكدة التزامها تجاه الطرفين. وتصر الولايات المتحدة على أن "أي اتفاق لوقف الأعمال العدائية يجب أن يتم إبرامه مباشرة بين الحكومتين، بوساطة أمريكية، وليس من خلال قناة منفصلة". اتفق الطرفان على استئناف المناقشات السياسية والأمنية "خلال الأسبوع الذي يبدأ في 22 يونيو، بهدف التوصل إلى اتفاق شامل" يضع حداً للتوترات الراهنة. يبقى السؤال حول ما إذا كانت "الضمانات الجانبية" التي وُعد بها خلف الكواليس ستكون كافية للحفاظ على اتفاق لم تقبله بيروت ولا تل أبيب بشكل كامل، خاصة وأن هذه الضمانات لم تُدرج في النص الرسمي، مما قد يثير شكوكاً حول التزامات الأطراف المستقبلية.

قبل بدء الحرب، كانت إسرائيل تسيطر على خمس نقاط استراتيجية على طول الحدود، مما يبرز أهمية المطالب الإسرائيلية المتعلقة بالأمن الحدودي. وقد تعهد المفاوضون الإسرائيليون بـ "نزع سلاح حزب الله فوراً كشرط ضروري لأي وقف لإطلاق النار"، وهو ما يمثل تحدياً كبيراً أمام أي اتفاق دائم، نظراً لموقف حزب الله الرافض لهذا الشرط.

شروط وقف إطلاق النار ومطالب الأطراف

أكد الوفد اللبناني أن أولويته المطلقة كانت تحقيق وقف كامل وحقيقي لإطلاق النار كشرط مسبق لأي موضوع آخر، وذلك وفقاً لتعليمات الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الوزراء نواف سلام. في المقابل، طالب المفاوضون الإسرائيليون بأن تلتزم السلطات اللبنانية على الفور بـ "نزع سلاح حزب الله فوراً كشرط ضروري لأي وقف لإطلاق النار"، حسبما أفادت مصادر قريبة من المفاوضات، مما يضع شرطاً أساسياً من الجانب الإسرائيلي.

وينص الاتفاق على أن تنفيذ وقف إطلاق النار مشروط بوقف كامل لإطلاق نار حزب الله وانسحاب جميع عناصره شمال نهر الليطاني، وهو مطلب إسرائيلي رئيسي يهدف إلى إبعاد التهديد عن الحدود الشمالية. تلتزم الحكومتان، بتوجيه أمريكي، بتسريع إنشاء مناطق نموذجية تحت السيطرة الحصرية للقوات المسلحة اللبنانية، مع استبعاد أي جهة غير حكومية من هذه المناطق، لضمان سيادة الدولة اللبنانية على أراضيها. ومع ذلك، يبرز غياب جدول زمني ملزم لانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية كنقطة ضعف رئيسية في الاتفاق، مما يثير تساؤلات حول مدى التزام إسرائيل بالانسحاب الكامل ويترك مجالاً للتأويل.

من جانبهم، يرى المسؤولون الأمريكيون أن هذا الاتفاق "قد يساعد في إزالة عقبة" في المفاوضات الجارية بين واشنطن وطهران بشأن الملف النووي الإيراني، مما يوضح الأبعاد الإقليمية والدولية لهذا الاتفاق وتأثيره المحتمل على قضايا أوسع. في المقابل، رفض زعيم حزب الله نعيم قاسم أحدث اتفاق لوقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه بين إسرائيل والحكومة اللبنانية، واصفاً إياه بأنه "استسلام وهزيمة وتحقيق لأهداف العدو"، مما يعكس رفض الحزب الشديد لشروط الاتفاق.

ويُطالب حزب الله بالانسحاب الإسرائيلي الكامل من لبنان، مؤكداً أن ما يهمه هو "نهاية العدوان ووقف إطلاق النار وانسحاب إسرائيل". كما ينص الاتفاق على مغادرة مقاتلي حزب الله جنوب لبنان، ويدعو وقف إطلاق النار القوات المسلحة اللبنانية لتولي السيطرة على المناطق الأمنية في لبنان التي يُحظر على المسلحين دخولها. وقد صرح نعيم قاسم قائلاً: "لم نقدم أي التزام لأي طرف بوقف المقاومة طالما هناك احتلال". ويذكر الاتفاق أن حزب الله "ليس عدواً لإسرائيل وعدواً لأمريكا فحسب، بل هو عدو للبنان" ويدعو إلى تفكيكه، مما يعكس وجهة نظر الأطراف المشاركة في الاتفاق تجاه المنظمة وموقفها المتشدد. وقد وصف الرئيس اللبناني جوزيف عون الاتفاق بأنه "الفرصة الأخيرة للدخول في وقف نهائي وشامل لإطلاق النار"، مؤكداً على أهميته البالغة في هذه المرحلة الحرجة.

تداعيات الصراع وتأثيره الإقليمي

في الساعات التي سبقت إعلان اتفاق وقف إطلاق النار، تواصل المبعوث الأمريكي إلى الشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، في إشارة إلى القنوات الدبلوماسية الخلفية التي تعمل بالتوازي مع المفاوضات الرسمية. بالتزامن مع المفاوضات الرسمية في واشنطن، أجرت دولة عربية لم يُكشف عن هويتها محادثات مع مسؤولين لبنانيين، من بينهم الوزير السابق علي حسن خليل ونائب حزب الله عمار الموسوي، عبر "قناة غير مباشرة"، مما يؤكد تعقيد الشبكة الدبلوماسية المتشابكة في المنطقة وتعدد الأطراف الفاعلة.

وقد استولت القوات الإسرائيلية على مساحات واسعة من جنوب لبنان، حيث تواصل القتال الذي يهدد الجهود المبذولة لإنهاء الحرب في إيران. كما يهدد هذا القتال الجهود الرامية إلى إعادة فتح مضيق هرمز، وهو ممر مائي حيوي يمر عبره حوالي خُمس نفط وغاز العالم قبل الحرب، مما يبرز الأهمية الاقتصادية والجيوستراتيجية للمنطقة. استولت القوات الإسرائيلية على ما يقرب من خُمس مساحة لبنان، مما أثار مخاوف كبيرة بشأن السيادة اللبنانية وسلامة أراضيها، ويزيد من تعقيد أي حلول مستقبلية.

طالبت إيران بأن يشمل أي هدنة دائمة لبنان، في حين يرغب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مواصلة الهجوم الإسرائيلي حتى لا يشكل حزب الله تهديداً، مما يوضح التضارب في أهداف الأطراف الإقليمية وتضارب المصالح. شهدت الغارات الجوية على بلدة سحمر مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة آخرين، مما يضيف إلى حصيلة الضحايا المدنيين الأبرياء. وبحسب التقارير، قُتل أكثر من 3500 شخص في لبنان وتجاوز عدد النازحين 1.2 مليون شخص، مما يشير إلى أزمة إنسانية متفاقمة تتطلب استجابة دولية عاجلة. في المقابل، سُجل مقتل 27 جندياً إسرائيلياً في هذا الصراع، مما يعكس الخسائر البشرية على الجانبين ويؤكد على الكلفة الباهظة لهذا الصراع.

آفاق المستقبل وفرص نجاح الهدنة

وصف الرئيس اللبناني جوزيف عون الاتفاق الجديد بأنه "الفرصة الأخيرة للدخول في وقف نهائي وشامل لإطلاق النار"، مشدداً على أهمية هذه الهدنة في تحقيق استقرار دائم ومنع المزيد من التصعيد. يأتي ذلك في ظل استمرار التوترات الإقليمية، حيث أسفرت ضربة على مطار تجاري في الكويت عن مقتل مواطن هندي وإصابة أكثر من 60 شخصاً، مما يسلط الضوء على هشاشة الأمن الإقليمي. نفت إيران تنفيذها للضربة على المطار الكويتي، مما يزيد من تعقيدات المشهد الأمني في المنطقة ويبرز التحديات التي تواجه أي محاولة لتحقيق السلام الشامل. تعكس هذه التطورات مدى هشاشة الوضع والحاجة الملحة لنجاح الاتفاق، خاصة مع استمرار التوترات والقنوات الخلفية التي تشمل أطرافاً متعددة تسعى لتحقيق مصالحها. يبقى التحدي الأكبر في تحويل هذا الاتفاق الهش إلى سلام مستدام يحقق الأمن لجميع الأطراف ويضمن الاستقرار طويل الأمد في المنطقة المضطربة.