كشفت وزارة الاقتصاد الفيدرالية الألمانية والوكالة الألمانية للتعاون الدولي والتنمية المستدامة (GIZ) عن دليل استثماري مخصص للهيدروجين الأخضر وتطبيقات تحويل الطاقة إلى منتجات (Pt-X) في الجزائر. ويسلط هذا التقرير، الذي تم الكشف عنه مؤخراً، الضوء على المزايا المتعددة التي تقدمها الجزائر للمستثمرين الأجانب، خاصة في قطاع الطاقات المتجددة الواعد. تأتي هذه الخطوة الهامة في الوقت الذي اعتمدت فيه الحكومة الجزائرية استراتيجية وطنية طموحة لتطوير إنتاج الهيدروجين الأخضر في مارس 2023، مما يؤكد التزامها الراسخ بهذا القطاع الحيوي.
وفي سياق متصل يعكس الزخم المتزايد في هذا المجال، شهد مؤتمر NAPEC الذي عُقد في وهران خلال أكتوبر 2024 توقيع شركتي سونلغاز وسوناطراك لمذكرتي تفاهم استراتيجيتين مع شركات أوروبية رائدة. هذه الاتفاقيات تعكس الاهتمام المتزايد من الجانب الأوروبي بالتعاون مع الجزائر في مشاريع الطاقة النظيفة. كما جرى المنتدى الاقتصادي الجزائري الألماني في برلين بتاريخ 17 يوليو 2026، بالتزامن مع زيارة الرئيس عبد المجيد تبون إلى ألمانيا، وقد شهد هذا المنتدى توقيع العديد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم الهامة، لا سيما في مجالات الطاقة والهيدروجين الأخضر، مما يعزز الشراكة الثنائية بين البلدين في هذا القطاع المستقبلي.
مزايا استثمارية واعدة في الجزائر
تُوصف الجزائر في التقرير الألماني بأنها دولة جذابة للغاية للاستثمار بفضل بنيتها التحتية الجيدة والمتطورة، والتي تشمل شبكة واسعة من الطرق الحديثة والسكك الحديدية الفعالة، بالإضافة إلى موانئ شحن بحرية مجهزة ومطارات إقليمية متطورة. وإلى جانب البنية التحتية المادية، تتميز البلاد بمستوى تعليمي عالٍ بين سكانها، فضلاً عن كونهم منفتحين ومضيافين، مما يخلق بيئة اجتماعية وثقافية داعمة للأعمال. هذه العوامل مجتمعة تسهم في توفير بيئة مواتية وجاذبة للمستثمرين الأجانب، خاصة في القطاعات الناشئة والاستراتيجية مثل الطاقة المتجددة، حيث تبحث الشركات عن استقرار بيئي واجتماعي يدعم استثماراتها طويلة الأجل.
وتبرز الجزائر أيضاً كبوابة مميزة وذات أهمية استراتيجية للولوج إلى الفضاء الاقتصادي الإفريقي الشاسع، مما يمنحها ميزة تنافسية كبيرة للمستثمرين الذين يتطلعون إلى توسيع نطاق أعمالهم وعملياتهم التجارية في القارة الإفريقية. هذا الموقع الجغرافي الاستراتيجي يعزز من جاذبيتها كمركز لوجستي وتجاري إقليمي رئيسي، مما يسهل الوصول إلى أسواق متعددة ومتنوعة عبر القارة، ويوفر فرصاً للتوسع والنمو الاقتصادي على نطاق أوسع.
تمتلك الجزائر ميزة فريدة تتمثل في أسعار الطاقة شديدة التنافسية، والتي تُعد من بين الأدنى عالمياً، بالإضافة إلى إمكانات هائلة وغير مستغلة لإنتاج الطاقة المتجددة. يعود ذلك إلى مساحتها الجغرافية الشاسعة، ومستويات الإشعاع الشمسي العالية جداً التي تتمتع بها معظم مناطق البلاد على مدار العام، فضلاً عن موارد الرياح القوية والمستقرة المتوفرة في مناطق واسعة. هذه الموارد الطبيعية الوفيرة تجعلها موقعًا مثاليًا وغير مسبوق لتطوير مشاريع الهيدروجين الأخضر على نطاق واسع وبتكاليف إنتاج منخفضة، مما يضعها في مقدمة الدول المرشحة لتكون لاعباً رئيسياً في هذا السوق العالمي الناشئ.
وتحظى الجزائر بميزة حاسمة في تكاليف نقل الهيدروجين الأخضر إلى أوروبا مقارنة بالعديد من الدول المنتجة الأخرى، وذلك بفضل اتصالها المباشر بممر SoutH2 الاستراتيجي. هذا الاتصال الاستراتيجي يقلل بشكل كبير من التكاليف اللوجستية المرتبطة بالشحن والنقل، مما يجعل الهيدروجين الأخضر الجزائري أكثر تنافسية وجاذبية في الأسواق الأوروبية التي تبحث عن مصادر طاقة نظيفة وموثوقة بأسعار معقولة. هذا الجانب يعزز من مكانة الجزائر كمورد رئيسي للهيدروجين الأخضر لأوروبا.
وباستغلال المواقع الأكثر ملاءمة والتي تتميز بأفضل ظروف شمس ورياح، يمكن للجزائر أن تنتج 18 مليون طن سنويًا من الهيدروجين بتكلفة إجمالية تنافسية للغاية تتراوح بين 2.5 و3.0 دولار للكيلوغرام الواحد. هذه القدرة الإنتاجية الكبيرة بتكلفة منخفضة تعكس الإمكانات الهائلة للموارد المتجددة في البلاد، وتضعها في موقع ريادي ضمن الدول المنتجة للهيدروجين الأخضر على مستوى العالم.
مع توسيع مواقع الإنتاج لتشمل مناطق أخرى قد تكون أقل تعرضًا للشمس والرياح، أو تتطلب مسافات أطول لخطوط النقل، يمكن للجزائر زيادة إنتاجها من الهيدروجين بشكل كبير ليصل إلى 151 مليون طن سنويًا. وفي هذه الحالة، ستتراوح التكلفة الإجمالية بين 3.5 و4.0 دولار للكيلوغرام الواحد من الهيدروجين. هذا التوسع المحتمل يشير إلى المرونة الكبيرة في قدرات الجزائر على تلبية الطلب العالمي المستقبلي المتزايد على الهيدروجين الأخضر، مما يؤكد دورها المحوري كمركز إنتاج عالمي.
أهداف طموحة لإنتاج الهيدروجين الأخضر
تتضمن الأهداف قصيرة المدى للجزائر إنشاء عدة منشآت تجريبية للمحللات الكهربائية تتراوح قدرتها بين 2 و 4 ميجاوات، بالإضافة إلى منشأة مرجعية أكبر بقدرة 50 ميجاوات بحلول عام 2030. وسيتم دعم هذه المنشأة المرجعية من قبل بنك التنمية الألماني (KfW)، مما يعكس التعاون الألماني في دعم تطوير هذا القطاع في الجزائر. وتهدف هذه المشاريع الأولية إلى اختبار وتطوير تقنيات إنتاج الهيدروجين الأخضر على نطاق صغير ومتوسط، تمهيداً للتوسع المستقبلي على نطاق تجاري وصناعي أوسع.
تخطط كل من المنشآت التجريبية والمرجعية لتطبيقات تحويل الطاقة إلى منتجات (Pt-X)، والتي تشمل إنتاج الميثانول الإلكتروني، والكيروسين الإلكتروني، والأمونيا الخضراء. ويُبرز هذا التوجه سعي الجزائر لتنويع استخدامات الهيدروجين الأخضر بما يتجاوز مجرد إنتاج الطاقة، ليشمل صناعات حيوية أخرى ذات قيمة مضافة عالية، مثل الصناعات الكيميائية والأسمدة والوقود الاصطناعي، مما يعزز من مرونة الاقتصاد الوطني ويقلل من اعتماده على المحروقات التقليدية.
على المدى الطويل، من المتوقع أن يصل إنتاج الجزائر من الهيدروجين الأخضر إلى حوالي 40 تيراوات/ساعة، وهو ما يعادل تقريباً 1.25 مليون طن من الهيدروجين، وذلك في الفترة ما بين عامي 2030 و 2040. ويُشير هذا الرقم إلى الطموح الكبير للجزائر في أن تصبح لاعباً رئيسياً ومورداً موثوقاً به في سوق الهيدروجين الأخضر العالمي، مما يسهم في تحقيق أهدافها الاقتصادية والبيئية.
وكبديل لهذا الهدف الكمي، يُشار أيضاً إلى أن الجزائر تستهدف تلبية 10% من احتياجات أوروبا من الهيدروجين الأخضر. ويعكس هذا التوجه رغبة البلاد في الاستفادة القصوى من موقعها الجغرافي الاستراتيجي وقربها من السوق الأوروبية، التي تُعد من أكبر المستهلكين المحتملين للهيدروجين الأخضر في إطار جهودها لتحقيق الحياد الكربوني والتحول الطاقوي.
ومن المتوقع أن يتم نقل غالبية هذا الإنتاج إلى أوروبا عبر خط أنابيب ممر SoutH2 الاستراتيجي. سيمر هذا الممر الحيوي عبر أراضي تونس وإيطاليا والنمسا وألمانيا، مما يضمن تدفقاً سلساً وفعالاً للهيدروجين الأخضر الجزائري إلى الأسواق الأوروبية المستهدفة. هذا المسار اللوجستي المباشر والفعال يعزز من القدرة التنافسية للجزائر في هذا القطاع الحيوي، ويؤكد دورها كمورد طاقة موثوق لأوروبا.
شراكات استراتيجية وتعاون ألماني جزائري
شهدت الجزائر توقيع اتفاقية أولى مع شركة CEPSA الإسبانية الرائدة لإنتاج الهيدروجين بشكل متكامل، مستفيدة من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وعمليات التحليل الكهربائي المتقدمة، وذلك بسعة محللات كهربائية مركبة تبلغ 200 ميجاوات. هذه الشراكة تعكس التزام الجزائر بالتعاون مع الخبرات العالمية لتطوير مشاريعها الكبرى. كما أبرمت اتفاقية ثانية مع تحالف دولي يضم الشركات الألمانية VNG والإيطالية SNAM والإيطالية SeaCorridor والنمساوية Verbund، لإجراء دراسات تكميلية مفصلة حول إنتاج الهيدروجين الأخضر المخصص لخط أنابيب ممر SoutH2. تطورت هذه الاتفاقية الأولية لاحقًا لتتحول إلى تحالف "Altehra" (تحالف الهيدروجين بين الجزائر وأوروبا) في عام 2025، بدعم قوي من الشركات الشريكة VNG و SNAM و SeaCorridor و Verbund، مما يعزز التعاون الأوروبي الجزائري في هذا المجال.
وفي سياق تشجيع الاستثمار المحلي ودعم الصناعة الوطنية، تمنح الدولة الجزائرية علاوة تحفيزية بنسبة 25% للمشاركين من المنتجين المحليين خلال عمليات الشراء الحكومية، مما يعزز من تنافسية المنتجات والخدمات المحلية. تبرز العلاقات الاقتصادية القوية بين البلدين من خلال تواجد حوالي 80 شركة ألمانية بالفعل في الجزائر، تعمل في قطاعات متنوعة. توصي الحكومة الألمانية بضرورة التواصل المبكر والفعال مع كل من شركة سوناطراك الوطنية، وشركة سونلغاز، ووزارة الطاقة والطاقات المتجددة في الجزائر، وذلك للمستثمرين المهتمين بالاستثمارات الاستراتيجية في قطاعي الهيدروجين والطاقات المتجددة، لضمان سلاسة الإجراءات وتسهيل الشراكات.
بيئة الأعمال والآفاق المستقبلية
أفادت تقارير صادرة عن شركات ألمانية ناشطة في الجزائر بأن مناخ الأعمال مرضٍ بشكل عام، ويشجع على الاستثمار. وتشتهر التحويلات الخاصة بالأرباح بأنها موثوقة وتتم دون صعوبات كبيرة أو تأخيرات غير مبررة، شريطة أن يتم توثيق الإجراءات الشكلية والمتطلبات الإدارية بعناية ودقة. يعكس هذا الاستقرار في المعاملات المالية جزءاً من البيئة المواتية التي تسعى الجزائر جاهدة لتقديمها للمستثمرين الأجانب، خاصة في القطاعات الاستراتيجية مثل الهيدروجين الأخضر والطاقات المتجددة. ويشير ذلك إلى ثقة المستثمرين في النظام المالي والإداري الجزائري فيما يتعلق بالمعاملات الدولية، مما يعزز من جاذبيتها كوجهة استثمارية موثوقة.
تُظهر هذه التطورات أن الجزائر تسير بخطى حثيثة نحو تحقيق أهدافها في مجال الهيدروجين الأخضر، مدعومة بإمكانيات طبيعية هائلة، واستراتيجية حكومية واضحة، وشراكات دولية متينة. هذا التوجه لا يعود بالنفع على الاقتصاد الجزائري فحسب، بل يساهم أيضاً في تحقيق أهداف التحول الطاقوي العالمية، ويوفر لأوروبا مصدراً مستداماً وموثوقاً للطاقة النظيفة في المستقبل.