موازين الإيمان والعمل: فهم الحكم الإسلامي مقابل النظرة الدنيوية

“آينشتاين” في النّار… و”ابن باز” في الجنّة!
الصورة عبر Echoroukonline

تنتشر حاليًا منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي ذات طابع علماني تسخر من المعتقد الإسلامي بأن غير المؤمنين يذهبون إلى الجحيم رغم إسهاماتهم للبشرية، بينما يذهب المؤمنون إلى الجنة حتى لو كانت إسهاماتهم قليلة. وتطرح هذه المنشورات العلمانية تساؤلات حول مصير شخصيات مثل أينشتاين وغراهام بيل وألكسندر فليمنج وويليس كارير وتوماس إديسون، متسائلة كيف يمكن أن يذهب هؤلاء إلى الجحيم. وعلى النقيض، تتساءل المنشورات كيف يمكن لعلماء مسلمين مثل ابن باز والشيخ والفوزان، الذين ينكرون دوران الأرض، أن يذهبوا إلى الجنة. وينتقد المقال مقارنات بين العلماء الغربيين غير المؤمنين والعلماء المسلمين المذكورين، واصفًا إياها بأنها "غير ناضجة" ومتأثرة بالمادية الحديثة. هذه المقارنات، التي غالبًا ما تُطرح في سياق يهدف إلى التشكيك في الأسس الإيمانية، تتجاهل الفروقات الجوهرية في المنظور بين النظرة الدنيوية البحتة والمنظور الإسلامي الشامل الذي يتجاوز الحياة الدنيا.

أسس الحكم في الإسلام: الآخرة أولاً

يؤكد المقال أن مبدأ الحكم الإسلامي في تقييم السعي البشري يستند إلى الاعتقاد بأن حياة الإنسان تبدأ بالروح وتمتد بلا نهاية، متضمنة فترة قصيرة في هذا العالم وأخرى أطول وأكثر أهمية في الآخرة. هذا المنظور يرى أن الغاية الأسمى لوجود الإنسان لا تقتصر على تحقيق الإنجازات المادية أو الشهرة الدنيوية، بل تتعداها إلى السعي لنيل رضا الخالق والفوز بالآخرة. ووفقاً لهذا المنظور، يُكافأ أولئك الذين يسعون للآخرة وهم مؤمنون في الدنيا والآخرة معاً. هذا الجزاء لا يقتصر على الآخرة فحسب، بل يشمل البركة والتوفيق في الحياة الدنيا أيضًا. بينما يُكافأ من كان عملهم مقتصراً على الدنيا ونسوا الآخرة في هذه الحياة بالشهرة والثروة والمكانة، لكنهم يواجهون النار في الآخرة. هذا التمييز يعكس جوهر النظرة الإسلامية التي تضع الاعتقاد بالله واليوم الآخر في صميم تقييم الأعمال البشرية.

ويستشهد المقال بالآية القرآنية: ((وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا))، لتأكيد أن السعي المقبول والمثمر في المنظور الإسلامي هو الذي يكون مقروناً بالإيمان والتوجه نحو الآخرة. كما يضيف المقال آية أخرى لتوضيح هذا المفهوم القرآني: ((مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُون)). هذه الآيات توضح بوضوح أن الأعمال الصالحة التي تُفعل دون إيمان بالآخرة، وإن كانت تُكافأ في الدنيا، فإنها لا تحمل ثقلاً في ميزان الآخرة.

التمييز بين الحكم العام والفردي

يميز المقال بين الحكم العام، مثل اعتبار غير المؤمن مصيره الجحيم، والحكم الخاص المتعلق بفرد معين. هذا التمييز أساسي في الفقه الإسلامي، حيث توضع قواعد عامة ولكن تطبيقها على الأفراد يتطلب شروطًا ومعرفة دقيقة. ويشدد على أنه لا يجوز الجزم بأن مسلماً معيناً مصيره الجنة، إلا في الحالات التي ورد ذكرها صراحة في النصوص الدينية، مثل العشرة المبشرين بالجنة. وبالمثل، لا يمكن الجزم بأن غير مؤمن معين مصيره الجحيم، ما لم يرد ذكره صراحة في النصوص الدينية، مثل أبي لهب. هذا التحفظ يعكس مبدأ أن علم الغيب ومصير الأفراد يعود إلى الله وحده. ويعتبر المقال أن العالم الذي ينكر وجود خالقه في وضع أسوأ من الابن العاق الذي ينسى فضل والده، في إشارة إلى خطورة إنكار الخالق، حيث أن إنكار وجود الخالق يُعد أعظم الجحود في المنظور الإسلامي.

تفنيد المقارنات الدنيوية السطحية

يُطرح تشبيهٌ يربط بين المطالبة بمنح الجنة لغير المؤمنين الذين أفادوا البشرية، وبين المطالبة بشهادة جامعية لشخص لم يلتحق بالجامعة قط أو الاعتراف به كطالب. هذا التشبيه يسعى لتوضيح الفارق بين المنظور الدنيوي والمفهوم الإسلامي للجزاء، مؤكداً أن لكل نظام قواعده وشروطه التي يجب الالتزام بها. ويؤكد المقال أن أولئك الذين يسعون للإصلاح وهم غير مؤمنين سيُكافأون في هذه الدنيا على أعمالهم الصالحة. يمكن أن تكون هذه المكافأة في شكل شهرة، تقدير، ثروة، أو تأثير إيجابي في حياتهم الدنيوية. ومع ذلك، فإنهم سيُحرمون من الجنة في الآخرة بسبب كفرهم، وفقًا للمنظور الإسلامي الذي يميز بين الجزاء الدنيوي والأخروي. هذا لا يعني التقليل من شأن إنجازاتهم، بل وضعها في سياق النظام الكوني الذي يحدده الإسلام.

عواقب الأعمال في الدارين

يُعاقب الظالمون والمفسدون في الآخرة، حتى لو كانوا مؤمنين وممارسين للشعائر الإسلامية، وفقاً للمفهوم الإسلامي للجزاء. يؤكد هذا المبدأ أن الإيمان وحده لا يكفي لضمان الخلاص من العقاب الأخروي إذا اقترن بالظلم والفساد في الدنيا. ينص المنظور الإسلامي على أن الأعمال الصالحة والإيمان يجب أن يترافقا مع سلوكيات عادلة ونزيهة. تعكس هذه الرؤية الموازنة بين العقيدة والسلوك، حيث أن الممارسات الدينية لا تبرر الأفعال الضارة بالمجتمع أو الأفراد. فالإيمان الحقيقي يقتضي العدل والإحسان، وأي خروج عن هذه المبادئ يؤدي إلى عواقب وخيمة في الآخرة، بغض النظر عن الادعاء بالإيمان.