في مدينة بجاية، استضافت جمعية "سيريوس" لعلماء الفلك الهواة بدار الشباب "فاطمة رمتاني" في حي سيدي والي، يوم السبت، المهندس الجزائري كريم بوشوشة، الذي يعمل في وكالة ناسا. وقد أقيم هذا الحدث في إطار سعي الجمعية لإثراء المعرفة العلمية وتشجيع الشباب على الاهتمام بمجال الفضاء. حيث يتولى بوشوشة رئاسة فريق الهندسة المسؤول عن تصميم وتأمين الاتصالات للمركبة الفضائية "أوريون" ضمن برنامج "أرتميس" الطموح، الذي يهدف إلى إعادة البشر إلى القمر كخطوة أولى نحو استكشاف المريخ. وقد حضر هذا الحدث أيضاً شيماء أمين خوجة، الباحثة المتخصصة في الفيزياء الفلكية والمتواصلة العلمية البارزة، التي أضفت بعداً أكاديمياً وعلمياً إضافياً للمناقشات. وترأس خوجة مجتمع الفيزياء الفلكية في منظمة العالمات الجزائريات (ALWIS)، كما أنها عضو فاعل في جمعية "سيريوس" بقسنطينة، مما يعكس اهتمامها العميق بنشر الوعي الفلكي.
تحديات الاتصال عبر الفضاء السحيق
أوضح المهندس كريم بوشوشة، رئيس فريق الهندسة المسؤول عن تصميم وتأمين الاتصالات للمركبة الفضائية "أوريون" ضمن برنامج "أرتميس" في وكالة ناسا، التعقيدات الفنية الهائلة للحفاظ على اتصالات الراديو والبيانات المستمرة مع رواد الفضاء في بيئة الفضاء السحيق. وأشار بوشوشة إلى أن هذه الاتصالات تمتد لمسافة تتجاوز 380 ألف كيلومتر من الأرض، وهي المسافة الفاصلة بين كوكبنا والقمر، مما يمثل تحدياً تقنياً كبيراً يتطلب حلولاً هندسية متقدمة لضمان سلامة وفعالية البعثات الفضائية وحياة روادها. وتتطلب هذه المسافات الشاسعة بنية تحتية اتصالية قوية وموثوقة لضمان تدفق البيانات دون انقطاع.
تعتمد وكالات الفضاء العالمية بشكل كبير على شبكة الفضاء السحيق (Deep Space Network - DSN) لتلبية هذه المتطلبات الحيوية للاتصال بالمركبات الفضائية. وتتكون هذه الشبكة من محطات أرضية عملاقة موزعة استراتيجياً بزوايا 120 درجة حول الكرة الأرضية في كل من غولدستون (Goldstone) بولاية كاليفورنيا الأمريكية، ومدريد (Madrid) بإسبانيا، وكانبيرا (Canberra) بأستراليا. يضمن هذا التوزيع الجغرافي الواسع تغطية مستمرة للمركبات الفضائية في أي موقع تقريباً حول الأرض، مما يتيح تتبعاً وتواصلاً دون انقطاع مع البعثات التي تتجاوز مدار الأرض القريب وتتجه نحو القمر أو أبعد من ذلك.
من جهة أخرى، يواجه برنامج "أرتميس" تحدياً جوهرياً يتمثل في التأخير الطبيعي لإشارة الاتصال، والذي يُعرف بتأخير الانتشار. ويبلغ هذا التأخير حوالي 1.3 ثانية في الاتجاه الواحد، مما يعني أن أي تبادل للرسائل أو الأوامر بين الأرض والمركبة الفضائية يستغرق وقتاً أطول، الأمر الذي يتطلب تخطيطاً دقيقاً وتصميماً مرناً لأنظمة الاتصال والبرمجيات الخاصة بالمركبة. هذا التأخير، وإن بدا قصيراً، يمكن أن يكون حاسماً في المواقف الطارئة أو عند الحاجة إلى اتخاذ قرارات سريعة.
تقنيات تأمين الاتصالات الفضائية
لمواجهة هذه التحديات، تُستخدم نطاقات تردد مختلفة لأغراض محددة في برنامج "أرتميس". على سبيل المثال، تُستخدم نطاقات التردد العالية مثل النطاق إس (S-band) في مهام الاتصالات الأساسية والأوامر الصوتية، مما يضمن التوصيل المستمر للمعلومات الحيوية والتعليمات التشغيلية لرواد الفضاء. في المقابل، يُستغل نطاق كيه إيه (Ka-band) لتأمين تدفق مقاطع الفيديو عالية الدقة والبيانات الكبيرة الحجم، وهو أمر ضروري للمشاريع البحثية المتقدمة ولنقل المعلومات المعقدة من الفضاء إلى الأرض، مثل صور عالية الجودة أو بيانات استشعار عن بعد.
لمواجهة التحديات التي يفرضها تأخير الإشارة والانقطاعات المحتملة، يتم تطبيق بروتوكولات الشبكات المتسامحة مع التأخير (DTN) المتقدمة. تعتمد هذه البروتوكولات على مبدأ "التخزين والإعادة" (store-and-forward)، حيث تُخزن البيانات مؤقتاً في العقد الشبكية قبل إرسالها عندما تتوفر قناة اتصال موثوقة، مما يضمن وصول المعلومات حتى في ظل الانقطاعات والتقلبات في الاتصال، وهو أمر حيوي في بيئة الفضاء غير المستقرة.
لضمان الاتصال المستمر، خاصة عندما تكون المركبة الفضائية خلف الجانب البعيد من القمر، وهو ما يحجب الإشارة المباشرة عن الأرض، تستخدم وكالة ناسا أقماراً صناعية متتالية في المدار القمري. تعمل هذه الأقمار كجسور اتصالات، مما يتيح تبادل البيانات والأوامر دون انقطاع بين الأرض والمركبة "أوريون"، حتى في المناطق التي تحجب فيها كتلة القمر الإشارة المباشرة. يُشار إلى أن أي تداخل يستمر لثانية واحدة فقط يمكن أن يهدد نجاح مهمة قمرية بأكملها، مما يؤكد على أهمية هذه التقنيات المتطورة في الحفاظ على استمرارية الاتصال وتأمينه بأعلى درجات الموثوقية.
آفاق مستقبلية للاتصالات الفضائية
تتجه آفاق الاتصالات الفضائية نحو اعتماد تقنيات الليزر البصري الثورية، وفقاً لما ذكره المهندس كريم بوشوشة، رئيس فريق الهندسة المسؤول عن تصميم وتأمين الاتصالات للمركبة الفضائية "أوريون" ضمن برنامج "أرتميس" في وكالة ناسا. ويمثل هذا التوجه خطوة محورية نحو تجاوز القيود الحالية لأنظمة الاتصالات اللاسلكية التقليدية، التي تعتمد على ترددات الراديو. وتهدف هذه التقنيات الجديدة إلى توفير معدلات نقل بيانات أعلى بكثير، مما سيمكن من إرسال كميات هائلة من المعلومات والصور ومقاطع الفيديو فائقة الدقة من الفضاء السحيق إلى الأرض بسرعة وكفاءة غير مسبوقة. كما يتوقع أن تقلل اتصالات الليزر البصري من حجم ومعدات أنظمة الاتصال على متن المركبات الفضائية، مما يوفر مساحة وطاقة حيوية للمهام المستقبلية، ويقلل من كتلة المركبات الفضائية. ويُعد هذا التطور أساسياً لدعم البعثات المأهولة وغير المأهولة الأعمق في الفضاء، بما في ذلك الاستكشاف المستقبلي للمريخ وما بعده، حيث ستكون الحاجة إلى نقل البيانات بكميات هائلة وبسرعة فائقة أمراً لا غنى عنه.