من يتهم العلماء بالجهل.. هل هو الجاهل الأكبر؟

قرأ الكاتب مقالاً للدكتور الإمام يوسف نوّاسة في جريدة "الخبر" بتاريخ 6 أغسطس 2026، تناول فيه حادثة وصف فيها شخص متغطرس عالماً مسلماً معاصراً بالجهل. أشار المقال إلى أن هذا الوصف أثار تساؤلات عميقة حول معايير الحكم على العلماء ومكانة المعرفة في الخطاب العام. وقد أوضح نوّاسة في مقاله أن العالم الذي وُصف بالجهل هو الإمام أبو الأعلى المودودي، وهو ما يضيف بعداً مهماً للنقاش. وتبرز هذه الواقعة التحديات الجسيمة في الخطاب العام حول المعرفة والسلطة العلمية، وتدعو إلى وقفة تأمل في كيفية تقييمنا للعلماء والمفكرين.

الجهل أعدى الأعداء والمعرفة نسبية

ذكر الكاتب أن الفرد المعني وصف العالم بـ "الجهل" مرتين خلال حديثه، وهو وصف يحمل في طياته الكثير من الاستخفاف والتعالي. ويأتي هذا في سياق ما ذكره الإمام عبد الحميد ابن باديس، الذي اعتبر أن "الجهل أعدى الأعداء"، مؤكداً بذلك خطورة الجهل وتأثيره السلبي على الفرد والمجتمع. وأشار الكاتب إلى أن بعض الأفراد لا يمتلكون سوى شهادة ميلاد وإعلان إيمان لا يستند إلى معرفة حقيقية أو فهم عميق لدقائق الأمور الشرعية أو العلمية، مما يثير تساؤلات جدية حول أساس الأحكام التي يصدرونها ومدى صلاحيتهم لتقييم العلماء. هذه المواقف ليست مجرد آراء فردية، بل تبرز تحديات عميقة في تقدير المعرفة والسلطة العلمية في الخطاب العام، حيث يصبح التمييز بين العالم والمدّعي أمراً صعباً على غير المتخصصين. إن التعالي على العلماء ووصفهم بالجهل يعكس في كثير من الأحيان جهلاً مركباً لدى المتحدث، حيث لا يدرك حجم جهله ولا يعي قيمة العلم الذي ينتقده.

شهادات العلماء في علمية الإمام المودودي

يُعتبر الإمام أبو الأعلى المودودي عالماً جليلاً بشهادة كبار العلماء، سواء كانوا من مؤيديه الذين أثنوا على علمه وفكره، أو من خصومه الذين اعترفوا بمكانته العلمية رغم اختلافهم معه في بعض المسائل. هذه الشهادات المتعددة والمتنوعة تؤكد مكانته العلمية الراسخة في الأوساط الأكاديمية والدينية، وتدحض أي محاولة للتقليل من شأنه.

ولمزيد من التفصيل حول آراء العلماء في الإمام أبي الأعلى المودودي، يحيل الكاتب القارئ إلى مرجعين أساسيين يوثقان هذه الشهادات والتقييمات. الأول هو ما كتبه الإمام محمد البشير الإبراهيمي في كتابه "عيون البصائر"، والذي يقدم رؤى قيمة وموضوعية حول فكر المودودي وإسهاماته. أما المرجع الثاني فهو ما ذكره الدكتور يوسف القرضاوي في مؤلفه "وداع الأعلام"، وتحديداً الصفحات من 192 إلى 204، حيث يستعرض آراءه وتقييمه للإمام المودودي، مقدماً تحليلاً شاملاً لمكانته العلمية والفكرية. هذه المراجع تعد مصادر موثوقة لمن يرغب في التعمق في فهم مكانة المودودي العلمية.

عظمة الخالق وتواضع الإنسان أمام العلم

يشير الكاتب إلى أن القرآن الكريم يقر بأن "الإنسان كان ظلوماً جهولاً"، مما يؤطر النقاش حول طبيعة المعرفة البشرية وحدودها. هذا الوصف القرآني يضع تصوراً واضحاً عن التواضع المطلوب أمام سعة العلم الإلهي المطلق، ويذكر البشر بأن معرفتهم مهما اتسعت تظل محدودة.

ويذكر الكاتب واقعة طلب فيها نبي من الأنبياء شيئاً فريداً من الله، وقد استجاب الله لطلبه، وهو ما يدل على قدرة الخالق المطلقة وسعة علمه. وتوضح هذه الحادثة قدرة الخالق على إظهار آياته وعجائبه، حتى عبر مخلوقاته الصغيرة والضعيفة، في إشارة إلى أن العلم والمعرفة قد تأتي من مصادر غير متوقعة.

يُستشهد الكاتب بما ورد في القرآن الكريم، حيث قال طائر صغير لنبي: "أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبأ بنبأ يقين" (القرآن 27:22). هذه الآية البليغة تؤكد أن العلم قد يأتي من مصادر غير متوقعة، وأن حتى المخلوقات البسيطة قد تمتلك معرفة تفوق ما يحوزه البشر، بمن فيهم الأنبياء، في بعض الأحيان، مما يدعو إلى مزيد من التواضع والانفتاح على مصادر المعرفة المتنوعة.

خاتمة: عن الجهل والكبر والجهل المركب

يناقش المقال ظاهرة "الرويبضة والمهووسين" الذين يعتقدون أنهم يمتلكون المعرفة المطلقة، في حين أنهم في الحقيقة يفتقرون إلى الفهم العميق والتحصيل العلمي. هؤلاء الأفراد، الذين يفتقرون إلى الأساس العلمي، يتجرأون على تقييم العلماء الكبار، مما يعكس جهلاً مركباً وكبراً مزمناً. وفي سياق متصل، أشار الكاتب إلى مقولة الشيخ العباس ابن الحسين التي تعبر عن مرارة الواقع حين قال: "يا دهرُ وَيْحَكَ ما ذَنْبِي فَقَدْ صَعَدَ ... بَعْضُ الوُضُوعِ وَأَمْسَتْ تَنْزِلُ الشُّرَفُ". هذه المقولة تعكس حالة من الانقلاب في الموازين، حيث يتصدر غير الأكفاء المشهد، بينما يتراجع أصحاب العلم والفكر الحقيقيون، وهو ما يفسر جرأة بعض الأفراد على اتهام العلماء بالجهل. إن هذه الظاهرة تستدعي وقفة تأمل جادة في معايير تقدير العلم والعلماء في مجتمعاتنا.