من وادي السيليكون إلى الجزائر: رحلة رجل الأعمال ياسين رحمون في بناء المستقبل الرقمي

ياسين رحمون، رجل أعمال جزائري وُلد في الجزائر العاصمة، يعود من وادي السيليكون حاملاً معه خبرة واسعة وطموحاً كبيراً للمساهمة في التنمية الرقمية لبلاده الأم. في عام 2009، اتخذ رحمون، برفقة مجموعة من أصدقائه، قراراً جماعياً بالمساهمة الفاعلة في تنمية الجزائر، مدفوعين بما وصفه بـ "دين أخلاقي تجاه بلدنا". هذه المبادرة الطموحة لم تكن مجرد فكرة عابرة، بل تكللت بتأسيس شركته الرائدة CaptureDoc، والتي أصبحت منذ ذلك الحين لاعباً مهماً في مشهد التحول الرقمي.

بدأت رحلة رحمون الشخصية والمهنية في الجزائر، حيث يتذكر بفخر وشغف: "حمل قميص المنتخب الجزائري الأخضر والأبيض للمرة الأولى عزز من ارتباطي بالبلاد". كانت تلك التجربة الرياضية إحدى المحطات الأولى التي شكلت هويته. بعد ذلك، انتقل رحمون للدراسة في الخارج، حيث اكتسب "أسساً صلبة" من المعرفة والمهارات مكنته من الالتحاق بالمدرسة الفيدرالية للفنون التطبيقية في لوزان (EPFL) بسويسرا، وهي مؤسسة أكاديمية مرموقة عالمياً. لم تتوقف طموحاته عند هذا الحد، فبعد إتمام دراسته في سويسرا، اتجه رحمون إلى الولايات المتحدة الأمريكية. كانت خططه الأصلية تتضمن الانضمام إلى شركة باناسونيك في اليابان، لكن القدر كان له رأي آخر. فقد أشار رحمون إلى أن "بينما كان من المفترض أن أنضم إلى باناسونيك في اليابان، أُغلق مركز الأبحاث الذي كنت أنتظره قبل أيام قليلة من مغادرتي". ومع ذلك، لم تكن هذه النهاية، بل كانت بداية فصل جديد، حيث عرضت عليه الشركة نفسها فرصة للانضمام إلى مختبرها الجديد للبحث في التعرف على الكلام، الكائن في سانتا باربرا، كاليفورنيا. في وادي السيليكون، وجد رحمون نفسه مفتوناً "بهذا النظام البيئي للابتكار"، الذي يجمع بين التكنولوجيا المتطورة وروح الريادة. وقد وصف ذلك قائلاً: "قلت لنفسي حينها أنني سأمدد إقامتي سنة إضافية. في النهاية، أصبحت هذه السنة عشرين عاماً"، قضاها في قلب الابتكار العالمي.

جذور عميقة في الجزائر وطموحات عالمية تتجاوز الحدود

ياسين رحمون، البالغ من العمر 56 عامًا، وُلد في الجزائر العاصمة، وبدأ حياته المهنية في مجال الرياضة، حيث أظهر موهبة كبيرة في كرة القدم. لم تكن موهبته مجرد هواية، بل كانت بارزة بما يكفي ليتم اختياره ضمن صفوف المنتخب الجزائري، وهو إنجاز يعكس شغفه ومهارته في سن مبكرة. إلا أن مسيرته الرياضية شهدت منعطفًا حاسمًا عندما تعرض لإصابة مؤسفة أنهت طموحاته الكروية مبكرًا، مما دفعه للبحث عن مسارات أخرى للتميز.

بعد هذه التجربة، اتجه رحمون نحو التعليم الأكاديمي بجدية، حيث حصل على شهادة البكالوريا من ثانوية عمارة رشيد في الجزائر، وهي خطوة أساسية في مساره التعليمي. استكمل دراسته الجامعية لمدة عام واحد في جامعة هواري بومدين للعلوم والتكنولوجيا (USTHB) بباب الزوار، حيث وضع أسس معرفته العلمية. قادته هذه المرحلة إلى سويسرا، حيث تم قبوله في المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في لوزان (EPFL)، إحدى المؤسسات الأكاديمية المرموقة عالميًا والمعروفة ببرامجها الهندسية والتكنولوجية المتقدمة. كان هذا القبول دليلاً على قدراته الأكاديمية الاستثنائية.

كان رحمون على وشك الانضمام إلى شركة باناسونيك في اليابان، وهي فرصة مهنية واعدة في مجال التكنولوجيا، لكن خططه تغيرت بشكل غير متوقع. فقد أُغلق مركز الأبحاث الذي كان من المقرر أن يلتحق به قبل أيام قليلة من موعد سفره، مما اضطره لإعادة تقييم مساره. وعلى إثر هذا التغيير المفاجئ، عرضت عليه باناسونيك فرصة بديلة للانضمام إلى مختبرها الجديد لأبحاث التعرف على الكلام، الكائن في مدينة سانتا باربرا بولاية كاليفورنيا الأمريكية. هذا التحول قاده مباشرة إلى وادي السيليكون، المركز العالمي للابتكار التكنولوجي، حيث بدأ فصلاً جديدًا ومثيراً في مسيرته المهنية في عالم التكنولوجيا المتقدمة. انضم رحمون إلى باناسونيك في عام 1992، ليبدأ رحلته التي استمرت عقدين من الزمن في قلب الابتكار التكنولوجي العالمي.

العودة إلى الوطن: تأسيس CaptureDoc وبناء نظام بيئي للابتكار

بعد أن أمضى عشرين عاماً في وادي السيليكون، حيث أُعجب بنظام الابتكار الديناميكي والفرص اللامحدودة التي يوفرها، عاد ياسين رحمون إلى الجزائر في عام 2010. لم يكن قرار العودة هذا مجرد تغيير في المسار الجغرافي، بل كان عودة إلى الجذور مصحوبة برؤية واضحة للمساهمة في تنمية بلاده. وقد تزامن قرار العودة هذا مع بلوغه سن الأربعين، حيث رافقه فيها أفراد عائلته، مما أضفى بعداً شخصياً عميقاً على هذه الخطوة. في نفس العام، جرى تأسيس شركة CaptureDoc، التي كانت ثمرة لهذا الالتزام. كانت الفكرة وراء هذا المشروع تنبع من إحساس عميق بالمسؤولية تجاه الوطن، حيث صرح رحمون: "لقد قدرنا أن علينا ديناً أخلاقياً تجاه بلدنا. تساءلنا عما يمكننا فعله بشكل ملموس للمساهمة في تنميته"، وهو ما يعكس دوافعه النبيلة.

أسست CaptureDoc بهدف رئيسي هو تقديم حلول مبتكرة للتحول الرقمي، مستفيدة من الخبرات العالمية التي اكتسبها رحمون. بالتوازي مع تأسيس شركته، كان رحمون شريكاً في مبادرة جزائرية أخرى حيوية، وهي Algerian Startup Initiative (ASI)، التي أطلقها مع أصدقائه في عام 2009 بهدف تحفيز ريادة الأعمال. في سياق هذه المبادرة، شهد المنظمون إقبالاً كبيراً وغير متوقع، حيث تلقوا 145 مشروعاً في غضون أسابيع قليلة، وهو ما أشار إليه رحمون بقوله: "في غضون أسابيع قليلة، تلقينا 145 مشروعاً"، مما يدل على الحماس الكبير للشباب الجزائري تجاه الابتكار. وقد استلهم رحمون أيضاً من نموذج سنغافورة الناجح في تعبئة الشتات للمساهمة بفعالية في التنمية الاقتصادية لبلادهم الأصلية، وهي رؤية طبقها على السياق الجزائري.

توسعت أعمال CaptureDoc بشكل ملحوظ منذ تأسيسها في عام 2010، حيث تقوم بنشر مشاريع التحول الرقمي في أربع قارات مختلفة، مما يبرهن على قدرتها التنافسية العالمية. وقد أشار رحمون إلى هذا التوسع قائلاً: "لقد قمنا تدريجياً بتكوين فريق من المهندسين رفيعي المستوى، مما مكننا من نشر مشاريع التحول الرقمي في أربع قارات". يضم فريق CaptureDoc حالياً حوالي خمسين موظفاً، يعملون في بيئة متعددة الثقافات واللغات. تعمل فرق الشركة يومياً مع عملاء في مناطق جغرافية متنوعة تشمل أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا وأمريكا، وهو ما أكده رحمون بقوله: "فرقنا متعددة الثقافات واللغات. إنها تعمل يومياً مع العملاء في أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا وأمريكا"، مما يعكس النطاق العالمي لعملياتها.

بناء النظام البيئي التكنولوجي المحلي وتعزيز ريادة الأعمال

انضم ياسين رحمون إلى شركة باناسونيك في عام 1992، حيث عمل في مختبرها الجديد لأبحاث التعرف على الكلام في سانتا باربرا بولاية كاليفورنيا، وذلك بعد إغلاق المركز الذي كان من المقرر أن يلتحق به في اليابان. هذه التجربة الطويلة في وادي السيليكون، التي امتدت لعشرين عاماً، أكسبته رؤى عميقة حول كيفية بناء وتطوير الشركات التكنولوجية. في عام 1996، حصل رحمون على تمويل أولي قدره 5000 دولار من شركة ياهو (Yahoo)، مما يدل على اعتراف مبكر بقدراته في مجال الابتكار.

في سعيه لدعم ريادة الأعمال في الجزائر، أطلقت شركته مبادرة Algerian Startup Initiative (ASI) كجزء من جهودها لتنشيط المشهد الاقتصادي المحلي. عملت مبادرة ASI على تنظيم أول مسابقة وطنية لخطط العمل، مما وفر منصة للشباب لعرض أفكارهم المبتكرة. كما عقدت المبادرة معسكرات تدريب مكثفة (bootcamps) في عدة جامعات جزائرية، بهدف تشجيع الابتكار وريادة الأعمال بين الشباب من خلال تزويدهم بالمهارات والمعرفة اللازمة لتحويل أفكارهم إلى مشاريع حقيقية. ومن جهته، ينصح ياسين رحمون الشباب الجزائريين بضرورة التحلي بالشغف والحماس في مساعيهم المهنية، مؤكداً على أن هذه الصفات هي المحرك الأساسي للنجاح. وقد صرح رحمون في هذا الصدد بأن "عندما يدفعنا الشغف والرغبة في النجاح، لا شيء يمكن أن يوقفنا حقاً"، مشجعاً بذلك على المثابرة وتجاوز التحديات.

ويطالب رحمون أيضاً بتعزيز الحوار البناء والمستمر بين السلطات العامة ورجال الأعمال، معتبراً إياه عنصراً حاسماً لدفع عجلة التنمية الاقتصادية. وأكد أن "سيكون من المفيد جمع الشركات الناشئة والشركات الصغيرة والمتوسطة والشركات الكبرى بانتظام لتحديد المعوقات الرئيسية التي تواجه تطورها وبناء حلول مشتركة"، مشدداً على أهمية التعاون بين مختلف الأطراف. ويشير رحمون إلى أهمية تطوير بيئة داعمة للابتكار والنمو الاقتصادي في الجزائر، وهي بيئة تعزز الشفافية وتوفر الفرص المتكافئة.

رؤية للمستقبل وإرث دائم للجزائر

لم يندم ياسين رحمون على عودته إلى الجزائر بعد أكثر من عشرين عامًا قضاها في الولايات المتحدة، بحسب ما ذكر، بل يرى فيها فرصة لتحقيق تأثير إيجابي ومستدام. وتهدف شركته CaptureDoc إلى مرافقة الشركات في تحولها الرقمي، مؤكدة على دورها المحوري في هذا المجال الحيوي الذي يشكل مستقبل الاقتصاد العالمي. وتُصدّر CaptureDoc الحلول التي طورتها في الجزائر إلى عملاء دوليين في أربع قارات مختلفة، مما يدل على قدرتها التنافسية العالمية والتزامها بتقديم منتجات وخدمات ذات جودة عالية. هذه القدرة على التصدير تعزز مكانة الجزائر كمركز للابتكار التكنولوجي.

يدعو رحمون إلى توفير وظائف ذات جودة عالية وأجور جذابة وظروف معيشية أفضل بهدف استبقاء المواهب الجزائرية الشابة داخل البلاد، ومنع هجرة الأدمغة. ويرى أن على الجزائر مواصلة جهودها لتعزيز جاذبيتها كوجهة للاستثمار وجذب المزيد من الاستثمارات الدولية التي يمكن أن تساهم في خلق فرص عمل وتنمية اقتصادية مستدامة. يؤمن رحمون بأن الاستثمار في رأس المال البشري وتوفير بيئة مواتية للنمو هما مفتاح مستقبل الجزائر الرقمي المزدهر. كما يدعو إلى تقوية الحوار بين السلطات العامة ورجال الأعمال، مؤكداً أن هذا التفاعل ضروري لتحديد التحديات المشتركة وصياغة حلول مبتكرة تدعم تطور الشركات الناشئة والصغيرة والمتوسطة والكبرى على حد سواء. هذه الرؤية الشاملة تعكس التزام ياسين رحمون ليس فقط بنجاح شركته، بل أيضاً بتحقيق تنمية شاملة ومستدامة لوطنه الجزائر.