تدخل وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز لتوضيح بنود اتفاقية الهجرة المبرمة بين الجزائر وفرنسا عام 1968، وذلك في سياق تزايد الجدل حول تفسير بعض أحكامها، وبهدف معالجة استغلال بنود هذه الاتفاقية. جاء تدخل الوزير رداً على سؤال كتابي مُسجل بتاريخ 10 أكتوبر 2024، والذي حمل الرقم 01567، من قبل السيناتور فابيان جينيه (Fabien Genet) عن حزب "الجمهوريين" (Republicans). وقد أكد لوران نونيز، في هذا التدخل الرسمي، أن اتفاقية الهجرة لعام 1968، التي تنظم حركة الجزائريين في فرنسا، لا تفرض على الجزائر التزاماً قانونياً باستقبال رعاياها المطرودين من الأراضي الفرنسية، موضحاً بذلك نقطة رئيسية أثارت الكثير من النقاشات السياسية.
تزامن طرح هذا السؤال مع أزمة سياسية ودبلوماسية بين الجزائر وباريس، حيث كانت الجزائر قد استدعت سفيرها قبل شهرين من هذا التوقيت، مما أضاف تعقيداً للعلاقات الثنائية وألقى بظلاله على النقاشات الجارية حول قضايا الهجرة. وقد نُشر رد وزير الداخلية الفرنسي في الجريدة الرسمية لمجلس الشيوخ الفرنسي في الثالث من سبتمبر 2026. وصرح لوران نونيز بأن "الاتفاق الفرنسي الجزائري الموقع في 27 ديسمبر 1968، بشأن تنقل ورعايا الجزائريين وعائلاتهم وتوظيفهم وإقامتهم في فرنسا، لا يتضمن أي إشارة إلى ضرورة التزام الجزائر باستقبال رعاياها المطرودين من الأراضي الفرنسية". أكد نونيز أن اتفاقية 1968 تركز بشكل أساسي على تنظيم حركة الرعايا الجزائريين وعائلاتهم وشروط توظيفهم وإقامتهم في فرنسا، ولا تتناول بشكل مباشر قضايا الترحيل أو الإعادة القسرية، مؤكداً أن هذه الاتفاقية ذات طبيعة اجتماعية واقتصادية في المقام الأول، وتهدف إلى تنظيم جوانب محددة من الوجود الجزائري في فرنسا بعيداً عن قضايا الإبعاد القسري.
جدل حول اتفاقية 1968 وتداعياتها
حاول السيناتور فابيان جينيه عن حزب "الجمهوريين" إدراج بند ضمن اتفاقية 1968 يتعلق بالتزام الجزائر باستقبال رعاياها المطرودين من فرنسا، مشيراً إلى ضرورة وجود إطار قانوني واضح لهذه العملية لتبسيط إجراءات الترحيل. وقد أكد وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز في رد نشره مجلس الشيوخ الفرنسي أن "الاتفاق الفرنسي الجزائري الموقع في 27 ديسمبر 1968، بشأن تنقل ورعايا الجزائريين وعائلاتهم وتوظيفهم وإقامتهم في فرنسا، لا يتضمن أي إشارة إلى ضرورة التزام الجزائر باستقبال رعاياها المطرودين من الأراضي الفرنسية". استُغلت هذه القضية من قبل اليمين واليمين المتطرف بهدف استفزاز الرأي العام الفرنسي وإثارة النقاش حول الجزائر، تزامناً مع الانتخابات الرئاسية الفرنسية، في محاولة لاستغلال حساسية الملف لخدمة أجندات سياسية داخلية، ولتوجيه الرأي العام نحو قضايا الهجرة والسيادة الوطنية، مما يعكس توظيفاً سياسياً لهذه المسائل.
ادعى السيناتور جينيه أن الجزائر علّقت إصدار التصاريح القنصلية اللازمة لاستقبال رعاياها المرحلين منذ بداية عام 2023، مما أدى إلى تراكم حالات الترحيل المعلقة في فرنسا، وتسبب في تحديات إدارية وقانونية للسلطات الفرنسية. وتتعلق الاتفاقية الفرنسية الجزائرية الموقعة في 27 ديسمبر 1968، بشكل أساسي، بتنقل الرعايا الجزائريين وعائلاتهم وتوظيفهم وإقامتهم في فرنسا، وهي اتفاقية ذات طبيعة اجتماعية واقتصادية بالدرجة الأولى، تهدف إلى تنظيم الجوانب الإنسانية والاقتصادية لوجود الجزائريين في فرنسا. في سياق متصل، أعرب عميد جامع باريس الكبير، شمس الدين حافظ، عن قلقه إزاء تحول الجزائر والإسلام إلى مواضيع يومية في النقاشات السياسية والإعلامية الفرنسية، محذراً من تداعيات هذا الاستغلال السياسي على الجالية المسلمة والعلاقات بين البلدين، مشدداً على أن هذا التوظيف السياسي يمكن أن يؤدي إلى تفاقم التوترات الاجتماعية وتأجيج مشاعر الكراهية.
اتفاقية 1994: الإطار القانوني لعودة الرعايا
توضيحات وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز أكدت أن الاتفاق الفرنسي الجزائري الموقع في 27 ديسمبر 1968، الذي ينظم تنقل الرعايا الجزائريين وعائلاتهم وتوظيفهم وإقامتهم في فرنسا، لا يتضمن أي إشارة تلزم الجزائر باستقبال رعاياها المطرودين من الأراضي الفرنسية. جاء هذا التأكيد رداً على تساؤلات أثارها السيناتور فابيان جينيه (Fabien Genet) عن حزب "الجمهوريين" (Republicans) حول إمكانية تضمين مثل هذا البند في الاتفاقية المذكورة، والتي تعود إلى فترة تاريخية سابقة وتتعلق بشكل أساسي بقضايا الإقامة والعمل.
وأشار نونيز إلى أن النص القانوني الذي يتعلق باستفسار السيناتور جينيه، والذي يحكم عمليات إعادة الرعايا، يكمن في الاتفاقية القنصلية المبرمة بين فرنسا والجزائر بتاريخ 27 أبريل 1994. هذه الاتفاقية هي الإطار الذي ينظم الجوانب المتعلقة بعودة الرعايا والتعاون القنصلي بين البلدين، وتختلف في نطاقها وأحكامها عن اتفاقية عام 1968 التي تركز بشكل أساسي على شروط الإقامة والعمل للجزائريين في فرنسا، مما يجعلها المرجع القانوني السليم لقضايا الترحيل. وتُعد اتفاقية 1994 هي المرجع الأساسي للتعامل مع حالات الترحيل والإعادة القسرية، حيث تحدد الإجراءات والآليات اللازمة لتحديد هوية الرعايا الجزائريين وضمان عودتهم إلى بلادهم بشكل منظم وقانوني، مما يوفر إطاراً واضحاً للتعاون بين السلطات القنصلية.
وفي هذا السياق، أوضح وزير الداخلية الفرنسي أن التعاون بين باريس والجزائر بخصوص تحديد هوية الرعايا الجزائريين وعودة الأجانب ينظم بموجب هذه الاتفاقية القنصلية لعام 1994، التي تشكل الأساس القانوني لهذه العمليات. كما يستند هذا التعاون إلى بروتوكول اتفاقية تعاون مكملة، ما يحدد الآليات والإجراءات المتبعة في حالات الترحيل أو العودة الطوعية للرعايا الجزائريين من الأراضي الفرنسية، ويضمن التنسيق الفعال بين السلطات المعنية في كلا البلدين. هذا البروتوكول يمثل جزءاً لا يتجزأ من الإطار القانوني الذي يحكم هذه العمليات، ويضمن التنسيق بين السلطات القنصلية والداخلية في كلا البلدين، مما يعزز من فعالية إجراءات الإعادة ويقلل من التعقيدات الإدارية.
تراجع أعداد المرحلين وعودة التعاون القنصلي
سُجل تراجع في أعداد المرحلين من فرنسا إلى الجزائر بدءاً من عام 2020، وهو ما نُسب إلى تداعيات الأزمة الصحية العالمية الناتجة عن جائحة كورونا، والتي أثرت على حركة السفر وإجراءات الترحيل الدولية، مما أدى إلى تعليق العديد من الرحلات الجوية وتقييد حركة الأفراد. بدأت عودة تدريجية للأوضاع إلى طبيعتها في شهر مارس من عام 2022، حيث شهدت هذه الفترة ارتفاعاً في أعداد التصاريح القنصلية التي أصدرتها البعثات الدبلوماسية الجزائرية في فرنسا، مما عكس تحسناً في التعاون القنصلي واستئنافاً لبعض الإجراءات المعلقة. ومع ذلك، انخفض عدد التصاريح القنصلية إلى أدنى مستوياته في عام 2024، تزامناً مع أزمة سياسية ودبلوماسية معقدة شهدتها العلاقات الثنائية بين البلدين، مما أثر سلباً على وتيرة عمليات الترحيل وعرقل جهود السلطات الفرنسية في هذا الصدد. استؤنف التعاون القنصلي بشكل فعلي مع زيارة وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز إلى الجزائر في شهر فبراير من هذا العام 2026، حيث تم خلالها بحث سبل تعزيز التنسيق وتذليل العقبات التي تواجه عمليات الإعادة. ورغم استئناف هذا التعاون، لا يزال عدد التصاريح القنصلية الصادرة لأغراض الترحيل أقل مما كان عليه في الفترات السابقة، مما يشير إلى أن التعافي الكامل لم يتحقق بعد، وأن هناك حاجة لمزيد من الجهود المشتركة لإعادة الأمور إلى نصابها الطبيعي.
مراجعة شاملة لاتفاقية الهجرة التاريخية
تطرق وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز إلى تشكيل لجنة مكلفة بمراجعة اتفاقية عام 1968، وذلك تنفيذاً لتعليمات رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء. وتهدف هذه المراجعة إلى "التوصل إلى مواقف مشتركة بشأن جميع القضايا العالقة"، وفق ما صرح به وزير الداخلية، في إشارة إلى الرغبة في تحديث الإطار القانوني للعلاقات الثنائية في مجال الهجرة وجعله أكثر ملاءمة للظروف الراهنة. تأتي هذه الخطوة بعد دعوات سابقة لمراجعة الاتفاقية ذاتها، حيث كان رئيس الوزراء الفرنسي الأسبق إدوار فيليب قد طالب بذلك في وقت سابق، مؤكداً على ضرورة مواءمة الاتفاقية مع التحديات الراهنة واستكشاف إمكانيات لتعديل بنودها. تهدف هذه المراجعة الشاملة إلى معالجة النقاط التي أثيرت حول الاتفاقية، وتحديد ما إذا كانت لا تزال تخدم المصالح المشتركة للبلدين في ظل التغيرات الديموغرافية والسياسية التي طرأت منذ توقيعها قبل عقود، مما يفتح الباب أمام تعديلات محتملة تضمن توافقها مع الواقع الحالي للعلاقات الفرنسية الجزائرية.