تُظهر كرة القدم بطبيعتها الحيادية قدرتها على الجمع أو التفريق، إذ تستطيع توحيد الشعوب إن سادت الحكمة، كما تملك قوة التفجير والتفريق إذا استُغلت لتغذية الشوفينية والعداء. إن كرة القدم في حد ذاتها أداة محايدة؛ فهي تملك القدرة على الصهر والتقريب بين الشعوب إذا سادت الحكمة والروح الرياضية، وتملك في الوقت ذاته قوة التفجير والتباعد إذا استُغلت لتغذية الشوفينية والعداء بين الأمم. وقد برزت إشكالية الإعلام الرياضي والمسؤولية القومية بوضوح عندما علّق إعلامي شهير مثل عمرو أديب على ضربات الجزاء الترجيحية في مباراة نهائية بين اتحاد الجزائر ونادي الزمالك المصري، عبر منصة "إم بي سي مصر" واسعة الانتشار. إن قيام إعلامي بمكانة وشهرة عمرو أديب، عبر منصة فضائية واسعة الانتشار مثل “إم بي سي مصر”، بالتعليق على ضربات الجزاء الترجيحية في مباراة نهائية تجمع بين اتحاد الجزائر ونادي الزمالك المصري، يضعنا مباشرة أمام الوجه الحقيقي لإشكالية الإعلام الرياضي والمسؤولية القومية التي يجب أن يتحلى بها كل من يتصدى للحديث في الشأن العام. وحول هذا، ذكرت Echorouk Online أن "في عصر الفضائيات الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي، تحوّلت العاطفة الجماهيرية المشحونة إلى سلعة تدرُّ أرباحا وتضمن الصدارة". ويُشير المصدر إلى أن الإعلامي الذي يتبنى خطاب الإثارة يعلم أن هذا الأسلوب هو الأسرع لحصد التفاعل وإشعال المنصات، مما يعزز من حضوره ويضمن له الأضواء على حساب قيم الوحدة والتآخي.
كرة القدم: سلاح ذو حدين في يد الإعلام
التاريخ يحتفظ بشواهد قاسية تبرز كيف يمكن للشغف الرياضي أن يتحول إلى صراع، ومن أبرزها "حرب كرة القدم" الشهيرة بين السلفادور وهندوراس في أميركا الجنوبية عام 1969. اندلعت شرارة هذا الصراع من مدرجات الملاعب، مما أدى إلى تصعيد غير مسبوق بين الدولتين. كانت هذه الحرب بمثابة تذكير مؤلم بأن المشاعر الجماهيرية، إذا ما تم تأجيجها بشكل خاطئ، يمكن أن تتجاوز حدود اللعبة وتؤثر على العلاقات الدولية بشكل مدمر. لم تكن تلك الحادثة هي الوحيدة التي كشفت عن الدور السلبي المحتمل للإعلام في تأجيج النزاعات.
كما شكلت "أزمة أم درمان" في عام 2010 درساً قاسياً ومكتوباً بمداد من التوتر الدبلوماسي والشرخ الشعبي بين بلدين شقيقين. أظهرت هذه الأزمة كيف يمكن للمنافسات الرياضية، عند إدارتها بشكل خاطئ أو استغلالها إعلامياً، أن تؤدي إلى خلافات عميقة تؤثر على العلاقات بين الشعوب والدول، وتترك ندوباً يصعب محوها بمرور الوقت. هذه الأحداث التاريخية تؤكد على ضرورة التعامل بحذر مع الخطاب الإعلامي الرياضي، لضمان عدم تحوله إلى أداة للانقسام بدلًا من التوحيد.
الإعلام الرياضي وصناعة الانقسام
في العصر الرقمي الحديث، تحوَّل الإعلام إلى سلطة توجيهية هائلة لديها القدرة على صناعة الرأي العام وتوجيه عواطف الجماهير نحو قضايا محددة. ويُلاحظ أن ما يجري تمريره في بعض التغطيات الإعلامية، سواء بقصد أو من دون قصد، يساهم في تغذية العقلية الإقصائية لدى المشجع البسيط. إن ما يجري تمريره في مثل هذه التغطيات -بقصد أو من دون قصد- يغذي العقلية الإقصائية لدى المشجِّع البسيط، ويزرع بذور التعصب والكراهية في نفوس الجماهير. هذا الأمر بدوره يحوّل منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحات للتراشق والتعصب الرقمي، مما يعمق الانقسامات بدلًا من رأب الصدع، ويفتح الباب أمام خطاب الكراهية الذي لا يخدم سوى أجندات الفرقة. إن ما يقدمه الإعلام الاستعراضي المشحون في مثل هذه المواقف يمثل تراجعًا عن الدور التنويري المفترض للسلطة الرابعة، والذي يجب أن يرتكز على نشر الوعي والمعلومات الموثوقة، بدلاً من إذكاء نيران الخلافات بين الجماهير وتعزيز الشقاق.
نماذج للتنافس الرياضي المسؤول
إن فوز أبناء "سوسطارة" في القاهرة يتجاوز الأرقام والنتائج الفنية. إن فوز أبناء “سوسطارة” في القاهرة يتجاوز حدود الأرقام والنتائج الفنية؛ ليصبح نموذجًا يحتذى به في كيفية إدارة التنافس الرياضي القاري. يؤكد هذا الفوز على أن التنافس الرياضي القاري يمكن إدارته بطريقة نموذجية، بعيداً عن التشنجات والخطابات التحريضية. يُنظر إلى هذا الحدث كنموذج إيجابي يمكن الاحتذاء به في كيفية التعامل مع المنافسات الرياضية الكبرى، حيث تتغلب الروح الرياضية والاحترام المتبادل على كل أشكال التعصب. يعكس هذا الفوز قدرة الفرق الرياضية على تحقيق الإنجازات مع الحفاظ على روح المنافسة الشريفة، وتقديم مثال يحتذى به للأجيال القادمة. يبرز هذا المثال أن النجاح الرياضي لا يقتصر على الأداء الفني داخل الملعب فحسب، بل يمتد ليشمل جوانب إدارة التنافس والتعامل مع نتائجه بحكمة ورصانة، مما يعزز الوحدة بدلًا من الانقسام.