حرية الصحافة والتعبير: دعاية تخدم المصالح لا الحقيقة

Image 6: حرية الادِّعاء وادِّعاءُ الحرية
الصورة عبر Echoroukonline

بدأت أوروبا اكتشافاتها الواسعة مدفوعة بمخرجات الثورتين الصناعيتين الأولى والثانية، خاصة في فرنسا وبريطانيا وألمانيا. هذه الثورات الصناعية، التي شهدت تطورات هائلة في مجالات التكنولوجيا والإنتاج، لم تقتصر آثارها على الجوانب الاقتصادية والاجتماعية فحسب، بل امتدت لتشمل تطوراً جذرياً في وسائل الاتصال ونشر المعلومات. وقد أحدث المحرك البخاري ثم الكهرباء ثورة في عالم الاتصالات عبر أوروبا وأمريكا والدول الأخرى المتطورة نسبياً، مما سهّل تدفق الأخبار والأفكار بشكل غير مسبوق. تشير بعض التحليلات إلى أن وسائل الإعلام غالباً ما تدافع عن السياسات الخارجية لبلدانها، حتى لو تعارض ذلك مع مصالح شعوبها. ويذهب هذا المنظور إلى أن حرية الصحافة والتعبير ليست مطلقة ولا مدعومة بشكل كامل في أي نظام، بل إنها تتأثر بالاعتبارات الوطنية والسياسية، مما يجعل مفهوم الحرية الإعلامية موضع تساؤل دائم. لا توجد حرية مطلقة مدعومة في أي نظام سياسي أو اجتماعي، فدائماً ما تكون هناك قيود خفية أو ظاهرة توجه مسار الإعلام.

جذور الحرية الإعلامية وتطورها التاريخي

سبقت المطبعة الثورة الصناعية، حيث سهّلت مهام الطباعة منذ منتصف القرن الخامس عشر بفضل يوهان جوتنبرج (Gutenberg). وقد أتاح هذا الابتكار نشر المعلومات والأفكار على نطاق أوسع بكثير مما كان ممكناً في السابق، مما وضع الأساس لتطور وسائل الإعلام وانتشار المعرفة على نطاق جماهيري. سمحت هذه التقنية بإنتاج الكتب والصحف بشكل أسرع وأكثر فعالية من حيث التكلفة، مما أثر بشكل كبير على المجتمعات الأوروبية آنذاك، وساهم في تشكيل الوعي العام وبدايات الرأي العام. هذا التطور التكنولوجي في الطباعة كان بمثابة الشرارة الأولى التي أشعلت ثورة في تبادل الأفكار والمعلومات، ممهداً الطريق لظهور الصحافة كقوة مؤثرة.

شهد العالم العولمة الأولى خلال منتصف القرن الثامن عشر، وتوسعت بشكل ملحوظ اعتباراً من منتصف القرن التاسع عشر. أدت هذه المرحلة إلى تزايد الترابط بين الدول والمجتمعات، متأثرة بتقدم وسائل النقل والاتصالات التي أصبحت أكثر سرعة وكفاءة. ساهمت العولمة في انتشار الأفكار والمعلومات عبر الحدود الوطنية، مما عزز دور الصحافة والإعلام في تشكيل الرأي العام وتوجيه النقاشات حول القضايا العالمية. ومع ذلك، لم يكن هذا الانتشار محايداً دائماً، بل كان غالباً ما يحمل في طياته أجندات معينة تتناسب مع مصالح القوى المهيمنة، مما يعكس الطبيعة الانتقائية لتدفق المعلومات حتى في ظل تطور وسائل الاتصال.

التبعية الاقتصادية والسياسية لوسائل الإعلام

لا يمكن لأي شكل من أشكال الصحف الحكومية أو الخاصة في العالم أن يكون مستقلاً عن جماعات الضغط الاقتصادي والمالي، ومراكز صنع القرار، وجماعات الضغط الأيديولوجية والسياسية. هذا يشمل الهياكل الإعلامية في أوروبا وأمريكا ومناطق أخرى حول العالم، حيث تتشابك المصالح الاقتصادية والسياسية مع عمليات اتخاذ القرار التحريري والإعلامي بشكل وثيق. هذا المنظور يشير إلى أن الاعتبارات المالية والسياسية تلعب دوراً حاسماً في تشكيل محتوى وسائل الإعلام وتوجهاتها، مما يحد بشكل كبير من استقلاليتها المزعومة. تُظهر هذه التبعية أن العلاقة بين الإعلام والسلطة، سواء كانت اقتصادية أو سياسية أو أيديولوجية، هي علاقة معقدة ومتجذرة في بنية وسائل الإعلام الحديثة، مما يجعل الحياد الكامل حلماً بعيد المنال.

تُدافع وسائل الإعلام عن مصالح الجهات التي تمولها أو تمتلكها، ولا يمكن توقع أن تكون منصفة أو محايدة في تغطيتها. هذا يعني أن التوجهات التحريرية وأولويات التغطية الإخبارية غالباً ما تعكس الأجندات الخاصة بالجهات المالكة أو الممولة، سواء كانت حكومات تسعى لترسيخ سياساتها، أو شركات خاصة تسعى لتحقيق مكاسب اقتصادية، أو جماعات مصالح تسعى لفرض رؤاها الأيديولوجية. وبالتالي، فإن المحتوى الإعلامي قد يُصاغ بطريقة تخدم هذه المصالح بدلاً من تقديم صورة موضوعية للواقع، مما يؤثر على قدرة الجمهور على تكوين رأي مستنير. يُعزز هذا الأمر فكرة أن "حرية الصحافة" ليست مفهوماً مطلقاً، بل هي مفهوم يخضع لتأثيرات قوية من التمويل والملكية، مما يجعله أداة في خدمة أجندات محددة.

حدود الحرية الإعلامية والثقافية

سبقت الحملات الإعلامية في كثير من الأحيان الغزوات الاستعمارية والحروب والتسويات، وقد بررت هذه الحملات تلك الأحداث تحت شعار حرية التعبير، مقدمةً سرديات تخدم مصالح القوى الغازية أو المتصارعة. يُنظر إلى هذا النمط على أنه جزء من استخدام الإعلام لتشكيل الرأي العام بما يخدم مصالح معينة، حيث يتم تبرير أعمال العنف والاحتلال من خلال خطاب إعلامي موجه. ويُزعم أن نطاق حريات الإعلام والتعبير والاتصال محدود ومحدد سلفاً في أي مجتمع، ولا يمكن أن يتجاوز الخطوط الحمراء التي تضعها الأنظمة أو الثقافات السائدة. هذا التحديد المسبق يعني أن الحريات ليست مطلقة بل تخضع لقيود ضمنية أو صريحة تفرضها البنية الاجتماعية والسياسية والأيديولوجية للمجتمع. كما أن الثقافة السياسية والأيديولوجية هي التي تحدد مدى "القبول والاستقبال والتسامح" في أي مجتمع، مما يعني أن ما يُسمح به أو يُرفض في الخطاب العام يتشكل بناءً على القيم والمعتقدات السائدة، ويؤثر بشكل مباشر على المساحة المتاحة للتعبير الحر، مما يجعل "حرية الصحافة" مفهوماً نسبياً ومتغيراً بحسب السياق الثقافي والسياسي.