تعتزم 15 شركة إيطالية زيارة الجزائر يومي 28 و29 سبتمبر الجاري، في بعثة تجارية تهدف إلى استكشاف فرص الشراكة الواعدة في تطوير القطاع الزراعي الجزائري. وتهدف الزيارة بشكل أساسي إلى عرض أحدث التقنيات والحلول الزراعية الحديثة التي تقدمها الشركات الإيطالية، والبحث عن شراكات محتملة ومثمرة مع الأطراف الجزائرية المعنية، مع التركيز بشكل خاص على مجالات حيوية مثل الميكنة الزراعية، أنظمة الري الذكية، والرقمنة الزراعية. تسعى هذه الشركات إلى تعزيز التعاون الثنائي في قطاع الزراعة، بما يخدم المصالح المشتركة للبلدين.
يأتي تنظيم هذه البعثة الهامة من قبل وكالة التجارة الإيطالية (ITA) بالتعاون الوثيق مع الاتحاد الإيطالي لمصنعي الآلات الزراعية (FederUnacoma)، مما يعكس الأهمية التي توليها إيطاليا لتعزيز التعاون في هذا القطاع الحيوي. وتعد الجزائر واحدة من تسع دول أفريقية تشارك في برنامج إيطالي طموح يهدف إلى دمج الاستثمارات الإنتاجية مع نقل التكنولوجيا المتطورة والتدريب المتخصص، مما يعزز القدرات المحلية ويساهم في التنمية المستدامة. هذا البرنامج يمثل جزءاً من استراتيجية إيطاليا الأوسع لتعزيز الشراكات الاقتصادية والتنموية مع الدول الأفريقية، مع التركيز على القطاعات ذات الأولوية مثل الزراعة والأمن الغذائي.
الزراعة الإيطالية في الجزائر: شراكات تقنية وتكامل اقتصادي
تركز البعثة الإيطالية على خمسة مجالات رئيسية وحيوية في القطاع الزراعي، تشمل الآلات والمعدات الزراعية الحديثة، وتربية المواشي، والرقمنة الزراعية، وأنظمة الري الذكية والمتطورة، إلى جانب مشاتل الفاكهة والخضروات عالية الجودة، ومرافق التخزين المتقدمة التي تضمن الحفاظ على المنتجات. ويتضمن برنامج يوم الثامن والعشرين من سبتمبر تنظيم ندوة تعريفية شاملة تتبعها اجتماعات عمل ثنائية مكثفة بين ممثلي الشركات الإيطالية ونظيراتها الجزائرية، بهدف بناء جسور التعاون وتبادل الخبرات. وفي اليوم التالي، يشتمل البرنامج على زيارات ميدانية عملية لمزارع مختارة تقع في منطقة الجزائر العاصمة، بهدف الاطلاع عن كثب على الممارسات الزراعية المحلية القائمة وتحديد إمكانات التعاون المشترك وتطبيق الحلول المبتكرة. تهدف هذه الزيارات إلى توفير فهم أعمق للبيئة الزراعية الجزائرية وتحديد الاحتياجات المحددة التي يمكن للخبرات الإيطالية تلبيتها.
وكانت إيطاليا قد سجلت حضوراً بارزاً ولافتاً في معرض "سيبسا فلاحة" (Sipsa Agriculture) الدولي، الذي أقيم في الجزائر العاصمة في مايو 2026. وقد مثلت إيطاليا الوفد الأجنبي الثاني الأكبر في المعرض، وشاركت باثنتي عشرة شركة ضمن جناحها الخاص، مما يؤكد اهتمامها المتزايد بالسوق الجزائرية. ويُذكر أن الخطة الإيطالية المعروفة باسم "خطة ماتي لأفريقيا" (Mattei Plan for Africa) تولي أهمية قصوى للزراعة والأمن الغذائي، حيث تضعهما كركيزتين أساسيتين ضمن أولوياتها للتعاون الشامل مع القارة الأفريقية، مما يعكس رؤية إيطاليا الاستراتيجية لتعزيز التنمية المستدامة والأمن الغذائي في المنطقة. وتتجاوز أهداف هذه الخطة مجرد التجارة، لتشمل بناء قدرات محلية مستدامة من خلال نقل المعرفة والتقنيات.
القطاع الزراعي الجزائري: واقع وآفاق واعدة
يساهم القطاع الزراعي بحوالي 15% من الناتج المحلي الإجمالي للجزائر، مما يبرز أهميته الاقتصادية والاستراتيجية الكبيرة للاقتصاد الوطني. وتتجاوز مساحة الأراضي الصالحة للزراعة في البلاد 8.6 مليون هكتار، مما يوفر إمكانات هائلة وغير مستغلة بالكامل للتوسع والتطوير المستقبلي في الإنتاج الزراعي. هذه المساحات الشاسعة، إلى جانب التنوع المناخي، تمنح الجزائر قدرة كبيرة على تحقيق الاكتفاء الذاتي وتقليل الاعتماد على الواردات الغذائية.
رغم هذه الإمكانات الطبيعية الهائلة، لا تزال حوالي 70% من الأنشطة الزراعية في الجزائر تعتمد على أساليب تقليدية، مما يؤثر على مستويات الإنتاجية والكفاءة. ويشير هذا الواقع إلى الحاجة الملحة لتحديث شامل للقطاع وتبني تقنيات زراعية حديثة ومتطورة لزيادة الإنتاجية وتحسين الكفاءة التشغيلية. ويُعد هذا التحدي أحد الدوافع الرئيسية وراء اهتمام الشركات الإيطالية بتقديم حلول متطورة ومبتكرة للزراعة الجزائرية، بما يتماشى مع خطط الجزائر لتحقيق الاكتفاء الذاتي وتعزيز صادراتها الزراعية. إن تطوير هذا القطاع سيساهم بشكل كبير في تنويع الاقتصاد الجزائري وخلق فرص عمل جديدة، خاصة في المناطق الريفية.
استثمارات إيطالية كبرى في مشاريع زراعية استراتيجية
في يوليو 2024، وقعت مجموعة “BF” الإيطالية اتفاقية استثمارية كبرى بقيمة 420 مليون دولار مع الصندوق الوطني الجزائري للاستثمار، بهدف تطوير مشروع زراعي استراتيجي في ولاية تيميمون جنوب الجزائر. يهدف هذا المشروع الطموح إلى إنتاج القمح الصلب، وهو محصول استراتيجي للجزائر، بالإضافة إلى محاصيل البقوليات الهامة مثل العدس والحمص، على مساحة إجمالية مخطط لها تبلغ 36 ألف هكتار. ومن المتوقع أن يسهم المشروع بشكل كبير في خلق أكثر من 6,700 فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة، مما يدعم التنمية الاقتصادية المحلية ويحسن مستويات المعيشة في المنطقة. يعتمد المشروع على أنظمة ري محورية إيطالية متطورة تستخدم المياه الجوفية بكفاءة عالية، مما يضمن الاستدامة في استخدام الموارد المائية الشحيحة. كما يشتمل المخطط على منشآت معالجة حديثة و12 صومعة تخزين بسعة إجمالية تصل إلى 62 ألف طن، لضمان استمرارية الإنتاج والتخزين الآمن للمحاصيل، وبالتالي تعزيز الأمن الغذائي للبلاد. يمثل هذا المشروع نموذجاً للشراكة الاستراتيجية التي تسعى إيطاليا والجزائر إلى تطويرها، والتي تجمع بين الاستثمار الكبير ونقل التكنولوجيا والخبرات لتحقيق أهداف تنموية مشتركة.