تشير وكالات حماية الأطفال إلى أن الاستدراج الإلكتروني للمراهقين قد أصبح إحدى الجرائم الرقمية الأكثر انتشارًا في السنوات الأخيرة، مما يؤدي إلى مآسٍ اجتماعية وخيمة. وقد شهدت هذه التقارير ارتفاعًا ملحوظًا في وتيرة الحوادث المبلغ عنها، حيث زادت بنسبة تجاوزت 300% بين عامي 2021 و2023. ووفقًا للمركز الوطني للأطفال المفقودين والمستغلين (ncmec)، تم تسجيل أكثر من 186,000 بلاغ عن حالات استدراج إلكتروني في عام 2023 وحده، مما يسلط الضوء على تزايد هذا التهديد الرقمي الذي يستهدف الفئة العمرية الشابة وضرورة التصدي له بفعالية.
آليات الاستدراج النفسي والاجتماعي
غالباً لا تبدأ عملية الاستدراج بطلب مباشر للهروب أو أي سلوك متطرف، بل تمر بمراحل تدريجية وممنهجة تهدف إلى بناء الثقة والتلاعب النفسي. ينشئ المستدرج حساباً مزيفاً يظهر وكأنه في سن الضحية أو يتمتع بصفات جذابة ومثيرة للاهتمام، ثم يرسل طلب صداقة ويتفاعل باستمرار مع منشورات المراهق، مبدياً اهتماماً زائداً بحياته وتفاصيله. بعد بناء الثقة المبدئية، ينتقل الحديث إلى الرسائل الخاصة، ويبدأ الشخص في لعب دور "الصديق المثالي" الذي يفهم مشكلات الضحية أكثر من والديها، ويقدم الدعم العاطفي الذي قد يفتقده المراهق في حياته اليومية، وفقاً للمركز الوطني للأطفال المفقودين والمستغلين (ncmec).
غالباً ما تركز العصابات والجناة على المراهقين الذين يعانون من خلافات عائلية، أو مشاعر العزلة، أو ضعف الثقة بالنفس، مستغلين نقاط ضعفهم العاطفية. يعمل المستدرج على تضخيم هذه المشاعر السلبية من خلال إقناع الضحية بأن العائلة لا تفهمها أو لا تقدرها، وأن الهروب هو الحل الوحيد لتحقيق الحرية أو السعادة التي يبحثون عنها. في بعض الحالات، يتم إغراء الضحية بالمال، أو الهدايا، أو فرص العمل الوهمية، أو الوعود بالشهرة والنجاح. قد يعد المستدرج بتوفير الإقامة الآمنة أو المساعدة في تحقيق الأحلام الشخصية التي يطمح إليها المراهق. وتشير تقارير المركز الوطني للأطفال المفقودين والمستغلين إلى أن بعض الجناة يستخدمون الهدايا، أو وسائل النقل المجانية، أو الطعام، أو غيرها من الإغراءات المادية لكسب ثقة الضحايا وتسهيل عملية استدراجهم إلى لقاءات في العالم الحقيقي.
التلاعب بالصور والابتزاز
بعد بناء علاقة الثقة الزائفة، قد يطلب الجاني في البداية صورًا أو معلومات شخصية من المراهق، مستغلاً براءته أو رغبته في إرضاء "صديقه" الجديد. ليستخدمها لاحقًا في التهديد والابتزاز. وتُظهر تقارير مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي (FBI) أن بعض الجناة ينتحلون شخصية شبان أو شابات في عمر الضحية، مما يجعلهم أكثر قابلية للثقة بهم. ثم يقومون بإغرائهم لإرسال صور أو معلومات خاصة ذات طبيعة حساسة قبل أن يبدأوا في ممارسة التهديدات والضغط النفسي، مطالبين بالمزيد من الصور أو الأموال أو حتى اللقاءات الشخصية. وذكر موقع مكتب التحقيقات الفيدرالي (fbi) أن هذه الأساليب تهدف إلى استغلال الضحية بعد بناء علاقة ثقة زائفة، مما يجعلهم عرضة للابتزاز الرقمي الذي قد يدمر حياتهم.
علامات التحذير المبكرة
تشير التقديرات إلى أن واحداً على الأقل من كل عشرة شبان قد يتعرضون لشكل من أشكال الاستدراج عبر الإنترنت، مما يؤكد على انتشار هذه الظاهرة. وتزيد عوامل مثل الاستخدام المكثف للإنترنت، والسلوكيات الرقمية المحفوفة بالمخاطر، وضعف الصحة النفسية، وبعض المشكلات العائلية أو الاجتماعية من احتمالية التعرض لهذه المحاولات الخطيرة، وفقاً لـ (link.springer). تتضمن علامات التحذير التي قد تشير إلى تعرض المراهق للاستدراج عبر الإنترنت قضاء ساعات طويلة في محادثات سرية على أجهزته الرقمية، أو محاولة إخفاء محتوى هذه المحادثات. كما يُعد الانزعاج الشديد أو الغضب عند سؤال الوالدين عن نشاطهم عبر الإنترنت مؤشراً قوياً، بالإضافة إلى تلقي هدايا أو تحويلات مالية من مصادر غير معروفة أو مشبوهة.
من العلامات الأخرى التي يجب الانتباه إليها تكرار الحديث عن أشخاص تعرفوا عليهم عبر الإنترنت بشكل مبالغ فيه، أو الرغبة المفاجئة وغير المبررة في السفر أو مغادرة المنزل دون سبب واضح أو تخطيط مسبق. كما يشير إخفاء الهاتف باستمرار أو حذف المحادثات والرسائل بشكل متكرر إلى وجود مشكلة محتملة تستدعي التدخل. يمكن أن يكون وجود شخص جديد يطرح الكثير من الأسئلة عن الحياة الشخصية للمراهق بعد فترة قصيرة من التعارف، أو طلب إبقاء العلاقة سرية عن الوالدين والأصدقاء، أو محاولة التواصل عبر منصات متعددة في وقت واحد لضمان استمرارية الاتصال، علامات تحذيرية واضحة. ويُعد الإطراء المبالغ فيه وجعل الضحية تشعر بأنها مميزة أو مختلفة عن الآخرين من علامات التحذير أيضاً التي يستخدمها المستدرجون للتأثير على المراهقين عاطفياً، بحسب (esafety).
استراتيجيات الوقاية والحماية
لمواجهة هذا التهديد المتزايد، يُوصى ببناء علاقة ثقة وحوار مستمر ومنفتح مع الأطفال والمراهقين كإجراء وقائي أساسي، مما يتيح لهم الشعور بالأمان عند مشاركة مخاوفهم. كما تشمل الإجراءات الوقائية تعليم الأطفال بوضوح عدم مشاركة عناوينهم أو مدارسهم أو أرقام هواتفهم أو أي معلومات شخصية حساسة مع الغرباء عبر الإنترنت. ومن المهم تعديل إعدادات الخصوصية على حسابات وسائل التواصل الاجتماعي الخاصة بهم لتقييد الوصول إلى معلوماتهم وصورهم. وتحذير الأطفال من مقابلة أي شخص تعرفوا عليه عبر الإنترنت دون علم الأسرة وموافقتها المسبقة. كما يُشجع الأطفال على الإبلاغ الفوري عن الرسائل أو الطلبات المشبوهة أو غير المريحة للوالدين أو لأي بالغ موثوق به. ويُعد مراقبة المنصات التي يستخدمها الأطفال والتعرف على أصدقائهم الرقميين خطوة ضرورية لضمان سلامتهم. ووفقاً لمنظمة (nspcc)، يُوصى بالاتفاق على إبلاغ الأسرة قبل مقابلة أي شخص تم التعرف عليه عبر الإنترنت، مع تعطيل خاصية مشاركة الموقع في التطبيقات والصور لمنع تحديد أماكنهم. كما يُعد التعرف على التطبيقات والمنصات التي يستخدمها الأطفال وفهم كيفية عملها جزءاً لا يتجزأ من استراتيجية الحماية الشاملة.