تناقضات السياسة الفرنسية: بين دعم المثقفين وتجاهل المبادئ

حصل الروائي بوعلام صنصال مؤخراً على الجنسية الفرنسية، في خطوة تأتي وسط تباينات واضحة في سياسات باريس تجاه المثقفين من منطقة المغرب العربي. تأتي هذه الخطوة في وقت تتناول فيه السياسة الفرنسية مسائل الجنسية والعلاقات الأسرية مع شخصيات أخرى بارزة، مما يثير تساؤلات حول المعايير التي تحكم هذه القرارات والاعتبارات الكامنة وراءها. وقد حصل بوعلام صنصال، وهو روائي جزائري، على الجنسية الفرنسية مؤخراً.

وفي سياق متصل، يحمل المعطي منجيب، وهو مؤرخ وباحث مغربي، الجنسية الفرنسية أيضاً. وتشير تقارير إلى أن منجيب تربطه صلات عائلية وثيقة بفرنسا، من بينها زواجه من سيدة فرنسية. هذه الحالات تسلط الضوء على التعقيدات في تعامل فرنسا مع قضايا الجنسية والعلاقات الشخصية للمثقفين من المنطقة، وتبرز التناقضات الملحوظة في تطبيق مبادئها المعلنة.

بوعلام صنصال: أداة أيديولوجية وسياسات استعمارية

يواجه بوعلام صنصال اتهامات بتبني سرديات تشوه الحقائق الجغرافية والتاريخية، مثل زعمه بأن الغرب الجزائري ينتمي إلى المغرب، مرجعًا ذلك إلى الاستعمار الفرنسي. هذا الزعم يثير جدلاً واسعاً حول دوافعه وتأثيره على العلاقات الإقليمية والتاريخية. ويزعم المقال أن النظام الفرنسي واليمين المتطرف في فرنسا يدعمان أجندات تهدف إلى إثارة الانقسام والتشويش على الهوية الوطنية الجزائرية. ويشير إلى وجود تحالف غير معلن في السياسة الفرنسية بين دوائر النظام واليمين المتطرف، يهدف إلى إعادة تأهيل الإرث الاستعماري من خلال احتضان أصوات جزائرية تنتقد هويتها ودينها وتاريخها.

ويُقدم بوعلام صنصال كأداة رئيسية في هذا المجال الأيديولوجي، متجاوزًا أدوار الأدب ليشكل تحديًا لشرعية وتاريخ الدولة الجزائرية ومقوماتها الأساسية. وتصف التحليلات تصريحات وكتابات صنصال بأنها تمجد "الجزائر الفرنسية" وتشوه الحقائق التاريخية والثوابت الوطنية، مما يثير استياءً واسعاً في الأوساط الجزائرية. ويذكر المقال أن سجن صنصال كان بمثابة شرارة أدت إلى عداء عميق الجذور من قبل النظام الفرنسي واليمين المتطرف تجاه الجزائر، حيث اعتبروا اعتقاله مساساً بحرية التعبير التي يزعمون الدفاع عنها.

عقب اعتقال صنصال، يُزعم أن هذه المجموعات تخلت عن قناع "الدفاع عن حرية التعبير" لتبني موقف وصاية استعمارية صريحة، مطلقة حملة منظمة من الإهانات ضد المؤسسات والشعب الجزائري. هذه الحملة، وفقاً للمقال، تهدف إلى زعزعة الاستقرار الداخلي للجزائر وتشويه صورتها على الساحة الدولية. ويؤكد المقال أن صنصال كان رهانًا أيديولوجيًا لليمين المتطرف بهدف زعزعة استقرار الجزائر وتشويه هويتها من الداخل، مستخدمين خطابه كوقود لسياساتهم. هذه الادعاءات تشير إلى أن منح الجنسية الفرنسية لصنصال قد يكون جزءًا من استراتيجية أوسع تتجاوز مجرد الاعتراف بموهبته الأدبية، لتصب في خدمة أجندات سياسية معينة.

المعطي منجيب: أكاديمي يساري تحت الحصار

على النقيض من حالة صنصال، يقف المعطي منجيب، وهو أكاديمي وناشط يساري مغربي، كرّس حياته للدفاع عن قيم المواطنة والكرامة في المغرب. يزعم المقال أن منجيب يتعرض للعقاب بسبب فكره الأكاديمي اليساري الذي يدعم قيم المواطنة ويقدم منظوراً مغايراً للسرديات الرسمية التي تتبناها بعض الأنظمة. يُستشهد بالعمل الأكاديمي للمنجيب، وتحديداً أطروحته للدكتوراه بعنوان "المملكة المغربية: المفهوم والتطور والشرعية" من جامعة بول فاليري مونبلييه 3 (Paul Valéry Montpellier 3) في فرنسا. يوصف عمل منجيب بأنه تحليل تاريخي وسياسي معمق لمفاهيم السلطة والشرعية في المغرب، ويهدف إلى الارتقاء بالفرد من "رعية" إلى مواطن يتمتع بكامل الحقوق والواجبات، وهو ما يتعارض مع الرؤى التقليدية.

يواجه منجيب قيوداً تشمل منعه من مغادرة الأراضي المغربية ووضعه تحت المراقبة الشرطية اللصيقة، مما يعيق حركته ونشاطه الأكاديمي والمدني. كما زُعم أن منجيب مُنع من حضور فعاليات ثقافية هامة، من بينها معرض للكتاب، مما يحد من قدرته على التفاعل مع الجمهور والمجتمع الأكاديمي. هذه القيود، بحسب المقال، لا تقتصر على الجانب المهني، بل تمتد لتشمل حياته الشخصية، حيث تُمنع عنه حرية التنقل والتعبير بشكل كامل. هذه القيود المفروضة على منجيب تشمل أيضاً حظر السفر والمراقبة الأمنية اللصيقة، مما يعكس مدى التضييق الذي يتعرض له.

تداعيات الانحياز السياسي على مبادئ الحرية

تزعم مقالات أن السياسة الفرنسية لا تستند إلى حماية مواطنيها أو الدفاع عن الحريات الأساسية، بل إلى التوافق مع الضغوط السياسية التي تمارسها باريس على الجزائر والمصالح الجيوسياسية الضيقة، حتى لو كان ذلك على حساب الحقيقة التاريخية والاستقرار الإقليمي. هذا التوجه يثير تساؤلات حول مدى التزام فرنسا بمبادئها المعلنة حول حقوق الإنسان وحرية التعبير، خاصة عندما تتعارض هذه المبادئ مع مصالحها السياسية. وتتهم الإدارة الفرنسية تحت قيادة إيمانويل ماكرون باللامبالاة تجاه قضية المعطي منجيب، على الرغم من حمله الجنسية الفرنسية ووجود روابط عائلية له في فرنسا، بما في ذلك زوجته الفرنسية. هذا التجاهل يُنظر إليه على أنه تناقض صارخ مع الموقف الفرنسي تجاه بوعلام صنصال، حيث تتدخل باريس بقوة في قضيته.

هذا التباين في التعامل مع مثقفين يحملان الجنسية الفرنسية من منطقة المغرب العربي يكشف عن معايير مزدوجة في السياسة الفرنسية. فبينما يتم منح الجنسية والدعم العلني لشخصيات تتوافق مع سرديات معينة، يتم تجاهل أو التغاضي عن قضايا شخصيات أخرى تواجه قيودًا وتضييقات بسبب أفكارها أو مواقفها، حتى لو كانوا يحملون الجنسية الفرنسية.

وتدعو المقالات إلى التضامن الدولي مع المعطي منجيب وتطالب برفع القيود المفروضة عليه، والتي تشمل حظر السفر والمراقبة الأمنية اللصيقة. كما تطالب المقالات بتمكينه من حقه في لمّ شمله مع عائلته في فرنسا، وهو حق أساسي يكفله القانون الدولي. يرى البعض أن هذه القضايا تسلط الضوء على تضارب عميق في تطبيق المبادئ الفرنسية، لا سيما عندما تتعارض مع المصالح الجيوسياسية أو الأجندات السياسية الضيقة، مما يقوض مصداقية فرنسا كداعم للحرية وحقوق الإنسان في العالم. إن هذه التناقضات تثير تساؤلات جدية حول القيم التي تحرك السياسة الخارجية الفرنسية، وما إذا كانت هذه القيم تنحاز فعليًا لحماية الأفراد وحرياتهم أم أنها مجرد أداة لتحقيق أهداف سياسية أوسع.