تتجه فرنسا مجددًا نحو الجزائر في ظل ما يوصف بصعوبات داخلية ودولية تواجه باريس، وهو ما يدفعها لإعادة تقييم علاقاتها مع الشركاء الإقليميين. في هذا السياق، سلمت وزيرة القوات المسلحة الفرنسية، أليس روفو (Alice Rufo)، رسالة من الرئيس إيمانويل ماكرون إلى الجزائر. أكدت الرسالة "التصميم على بناء علاقة قائمة على الاحترام، التكافؤ، الهدوء، والثقة، والنظر إلى تاريخنا ببصيرة وشجاعة وصدق". تأتي هذه المبادرة الفرنسية في وقت تُحث فيه باريس على اتخاذ خطوات عملية وملموسة خلال الأشهر القادمة، بما يخدم مصالح البلدين وعلاقاتهما الاستراتيجية. ومع ذلك، يثير هذا التوجه الفرنسي الجديد شكوكًا أولية حول مدى صدقه، بناءً على تجارب تاريخية سابقة طويلة الأمد. في ظل هذه الشكوك، ينبغي للجزائر التركيز على تأمين مصالحها الأساسية مع باريس، والانفتاح على شركاء آخرين يظهرون جدية والتزامًا أكبر، وفقًا لما صرح به الرئيس عبد المجيد تبون. هذا الموقف الجزائري يعكس حذرًا مشروعًا إزاء أي تقارب قد لا يكون مبنيًا على أسس صلبة من الثقة المتبادلة.
تاريخ من الخداع والانتهاكات الفرنسية
لطالما اعتبرت فرنسا، بحسب السردية الجزائرية الراسخة، طرفًا مخادعًا وغير موثوق به في علاقاتها مع الجزائريين على مدى قرنين من الزمن. يعود هذا التصور العميق إلى فترة الاحتلال الفرنسي، حيث قامت فرنسا بخيانة Dey Hussein (دي حسين) عبر انتهاك شروط الاستسلام المتفق عليها، ونهب الجزائر العاصمة بشكل وحشي بعد دخولها. تستمر السردية في الإشارة إلى أن تصرفات فرنسا تجاه الأمير عبد القادر تضمنت الخداع الواضح، مما أدى إلى سجنه في تولون عام 1948 بدلًا من السماح له بالهجرة بحرية إلى الشرق كما كان متفقًا عليه في الاتفاقيات المبرمة. ولا تزال ذكرى مجازر 8 مايو 1945، التي راح ضحيتها 45 ألف جزائري، حية في الذاكرة الوطنية، وتُعد مثالًا صارخًا على "جبن" فرنسا وخيانتها بعد أن قدم الجزائريون دعمًا كبيرًا للحلفاء في الحرب العالمية الثانية، متوقعين تقديرًا لم يأتِ قط. هذه الأحداث التاريخية تشكل أساس الشكوك الجزائرية الحالية تجاه أي مبادرات فرنسية جديدة.
نظرة نقدية لعصر ماكرون وسياساته
تشير بعض التحليلات المعاصرة إلى أن النخب الفرنسية لا تزال تتأثر بشكل عميق بالثقافة الاستعمارية وما يُطلق عليه "عقلية الجنة المفقودة". وترى هذه التحليلات أن هذا التأثير المتجذر يفسر جوانب عديدة من سياسات باريس تجاه الجزائر، والتي غالبًا ما تبدو وكأنها تنبع من نظرة فوقية أو حنين لماضٍ استعماري. في هذا السياق، يوجه الكاتب انتقادات حادة لعصر الرئيس إيمانويل ماكرون، متهمًا إياه بسلسلة من الممارسات التي تتسم بالمناورات والمساومات السياسية. كما يشمل النقد تهريب مواطنين جزائريين، وتقويض قضية الصحراء الغربية بشكل متعمد، فضلًا عن إنكار الهوية الوطنية الجزائرية العريقة. ويُضاف إلى ذلك اتهامات بعمليات اختطاف دبلوماسية، مما يزيد من تعقيد المشهد ويُعمق من انعدام الثقة بين البلدين. هذه الانتقادات تشير إلى أن السياسات الفرنسية الحالية، رغم الخطاب الدبلوماسي، لا تزال تحمل بصمات الماضي الاستعماري وتفتقر إلى الاحترام الحقيقي للسيادة الجزائرية.
التعاون التاريخي والمساعي الحالية
في خطوة تعكس رغبة في تجاوز بعض الخلافات، وافق الرئيس عبد المجيد تبون على استئناف عمل "اللجنة المشتركة للتاريخ والذاكرة" بين البلدين. تهدف هذه الخطوة المحورية إلى معالجة الجوانب التاريخية المعقدة والشائكة في العلاقات الجزائرية الفرنسية، والتي طالما شكلت نقطة خلاف وتوتر بين الجانبين. يُنظر إلى استئناف عمل اللجنة على أنه إشارة إلى رغبة الجزائر في فتح قنوات للحوار لمعالجة القضايا العالقة والوصول إلى فهم مشترك للماضي. تأتي هذه الموافقة في سياق مساعٍ فرنسية متجددة لتعزيز العلاقات مع الجزائر، بعد فترة من التوتر الدبلوماسي الشديد بين باريس والجزائر العاصمة. يُنتظر من هذه اللجنة أن تعمل بجدية وشفافية على تسوية الخلافات المتعلقة بالذاكرة المشتركة وتقديم تفسيرات تاريخية متفق عليها، بما يخدم بناء علاقات مستقبلية على أسس أوضح وأكثر شفافية وصدقًا، بعيدًا عن تداعيات الماضي الاستعماري.