تتداول أرقام تتراوح بين 30 ألفاً و40 ألف قتيل في إيران خلال قمع المظاهرات الأخيرة، وذلك وفقاً لادعاءات يتم تداولها. هذه الأرقام، التي تُطرح في سياق الأحداث الأخيرة، تشير إلى أن هذه الأعداد الكبيرة من الضحايا تُستخدم كذريعة أساسية ومبرر رئيسي لحرب إسرائيلية-أمريكية محتملة ضد إيران، وذلك بحسب ما يزعمه المقال. ويؤكد المقال أن هذه الأرقام تُتداول في وسائل الإعلام الرئيسية دون إجراء تحقيقات مضادة لتقصي صحتها، مما يثير تساؤلات جدية حول منهجية التحقق من المعلومات في مثل هذه القضايا الحساسة. في المقابل، كانت السلطات الإيرانية قد أعلنت عن مقتل 3 آلاف شخص خلال تلك المظاهرات التي شهدتها البلاد، وهو رقم يقل بشكل كبير عن الأرقام المتداولة في وسائل الإعلام الغربية.
تاريخ التدخل الغربي وذريعة "المجازر"
لطالما كانت اتهامات الأنظمة بارتكاب "مذابح ضد السكان" محورًا متكررًا ومركزيًا في الخطاب الغربي الداعي للتدخل، حيث تُستخدم كذريعة لتبرير التدخلات العسكرية. هذا النمط التاريخي يظهر بوضوح في العديد من الصراعات والتدخلات الدولية. وقد شهد التاريخ الحديث أمثلة متعددة لدول خضعت لمثل هذه التدخلات بذريعة حماية السكان من "المجازر" أو القمع العنيف المزعوم. هذه الذريعة، التي تعتمد على تصوير الأوضاع الداخلية لدولة ما بأنها كارثية وتستدعي التدخل الخارجي، أصبحت أداة متكررة في السياسة الدولية.
وشملت هذه الدول يوغوسلافيا وأفغانستان والعراق وليبيا، حيث تم استخدام سرديات مشابهة لتبرير التدخلات العسكرية الأجنبية. في كل من هذه الحالات، كانت هناك ادعاءات واسعة النطاق حول انتهاكات حقوق الإنسان أو "المجازر" التي تستوجب رد فعل دولي، وغالباً ما كانت هذه الادعاءات تُستخدم لتشكيل الرأي العام العالمي. وفي السياق الإيراني الراهن، يعتمد هذا السرد على تصريحات من إسرائيل والولايات المتحدة، والتي غالبًا ما تُكرر من قبل وسائل الإعلام دون تمحيص نقدي، بحسب ما يشير المقال. هذا التكرار غير النقدي يساهم في ترسيخ الرواية التي تدعم التدخل. المقال يرى أن إيران هي أيضاً مثال لدولة خضعت لمثل هذه التدخلات أو محاولات التدخل باستخدام الذرائع نفسها.
ويطرح المقال فكرة أن القمع الذي شهدته إيران كان يهدف إلى مواجهة اضطرابات مرتبطة بعملية "تغيير النظام". ويُستدل على ذلك بمكالمات من نتنياهو وترامب، بالإضافة إلى تورط مزعوم للموساد (Mossad) في هذه الأحداث، مما يشير إلى وجود أجندة أوسع تتجاوز مجرد قمع المظاهرات. وترى هذه الرواية أن الغرب يستخدم الأرقام المبالغ فيها حول الضحايا لتبرير أجندة سياسية معينة، وهي أجندة تهدف في جوهرها إلى زعزعة استقرار النظام القائم في إيران. هذا الاستخدام للأرقام كأداة سياسية يُبرز، بحسب المقال، مدى التلاعب بالمعلومات لتحقيق أهداف استراتيجية.
في المقابل، شهدت الأيام التي تلت الاضطرابات في إيران تنظيم مظاهرات حاشدة مؤيدة للحكومة، ولا تزال هذه المظاهرات مستمرة حتى الآن. ويُعتبر وجود هذه التظاهرات المؤيدة جزءًا من المشهد المعقد للأحداث الداخلية في إيران، ويُشار إليها كمؤشر على دعم شعبي للحكومة في مواجهة الاضطرابات. هذه المظاهرات تُقدم كدليل على أن السردية الغربية لا تعكس الصورة الكاملة للوضع الداخلي في البلاد، وأن هناك شريحة واسعة من السكان تدعم الحكومة وتعارض التدخلات الخارجية.
تحليل مصداقية الأرقام والصور المتداولة
يشكك المقال بشدة في معقولية وقوع 30 ألفاً إلى 40 ألف حالة وفاة في يومين فقط، مشيرًا إلى أن مثل هذا العدد الهائل من الضحايا في فترة زمنية قصيرة جداً يفتقر إلى المصداقية ويصعب تصوره في أي سياق. ويشير إلى أن الصور القليلة المتداولة لدعم هذه الادعاءات غامضة أو بعيدة أو مظلمة أو عبارة عن مقاطع فيديو غير واضحة، وغالباً ما يستحيل تحديد تاريخها أو موقعها الجغرافي بشكل دقيق، مما يقلل من قيمتها كدليل قاطع. كما يدعي المقال أن المظاهرات واسعة النطاق التي يُقال إنها شهدت هذا القمع الشديد غير موثقة بشكل كافٍ، حيث تظهر بدلاً من ذلك مجموعات متفرقة من المتظاهرين، وهو ما لا يتناسب مع حجم "المجزرة" المزعومة. وتُنسب الشهادات التي تُقدم كدليل على هذه الأرقام إلى شخصيات معارضة تعيش خارج إيران منذ عقود، ويصفها المقال بأنها منفصلة عن الواقع الداخلي للبلاد وغير قادرة على تقديم صورة دقيقة وموضوعية للأحداث.
تُقدم دراسة وثائقية استقصائية أجرتها صحيفة "لوريون لوجور" (L'Orient-Le Jour) اللبنانية الفرانكفونية بوصفها وثيقة رئيسية في هذا السياق، حيث تحاول هذه الدراسة إضفاء طابع منهجي على الادعاءات. تحاول هذه الدراسة الوثائقية استخدام تقنيات حديثة مثل تحديد الموقع الجغرافي على الخرائط، لكنها وُصفت بأنها غالباً ما تكون غير مفيدة ومصطنعة، ولا تقدم دليلاً قاطعاً يدعم الأرقام المتداولة. وتذكر الدراسة الوثائقية آلاف مقاطع الفيديو والشهادات التي يُزعم أنها توثق الأحداث، لكنها لا تعرض سوى ما بثته وسائل الإعلام بالفعل، دون تقديم أي مواد جديدة أو حصرية تُعزز من مصداقية ادعاءاتها. هذا الانتقاء في العرض يثير تساؤلات حول مدى شمولية وموضوعية الدراسة.
تتحدث الدراسة الوثائقية عن إطلاق نار حي على المتظاهرين، لكن لا يوجد ما يثبت ذلك بشكل قاطع، مع إمكانية أن تكون أصوات إطلاق النار في الهواء، وهو ما يغير تماماً تفسير الأحداث. كما تُعرض صور المحطات الشرطية أو الدراجات النارية المحترقة كدليل على "المقاومة" و"حرب الشوارع"، لكن المقال يشير إلى أن هذه الصور لا تُقدم دليلاً مباشراً على المجازر المزعومة، بل على اضطرابات وعنف متبادل. وفي حادثة محددة في "ملكشاهي" قرب الحدود، يُطلق عليها "المجزرة الأولى"، لكن المقال يشير إلى أن الدراسة الوثائقية تغفل أنها منطقة حدودية كردية، مما قد يغير سياق الأحداث وطبيعة التوترات هناك. يظهر مقطع فيديو "قوات شبه عسكرية" يُزعم أنها تطلق النار على من يحيطون بها، لكن المقال يدعي أنه لم يثبت أنهم لم يكونوا يطلقون النار في الهواء، مما يترك مجالاً للشك في تفسير الفيديو. ويُقدم مقطع فيديو آخر على أنه يظهر مسؤولين يعتدون بعنف على عائلات الجرحى في مستشفى، لكن المقال يذكر أن التعليق الصوتي فقط هو من يدعي ذلك، دون وجود دليل بصري قاطع يدعم هذا الادعاء، مما يجعله مجرد ادعاء غير مؤكد.
مصادر المعلومات المشكوك فيها
تُشير مزاعم إلى أن الأرقام المتداولة حول أعداد القتلى في إيران، والتي تتراوح بين 30 ألفاً و40 ألف قتيل، يتم تداولها في وسائل الإعلام الرئيسية دون إجراء تحقيقات مضادة لتقصي صحتها. هذا النقص في التحقيق النقدي يثير تساؤلات حول كيفية التحقق من هذه الأرقام ومدى دقتها، خاصة وأنها تُستخدم كذريعة محتملة للتدخل الخارجي. ويُبرز غياب التمحيص الإعلامي الحاجة إلى تدقيق أكبر في مصادر هذه المعلومات وتأكيدها من جهات مستقلة وموثوقة لضمان تقديم صورة شاملة ودقيقة للأحداث. هذا التداول غير المدقق للمعلومات يُسهم في خلق بيئة إعلامية مشحونة ومضللة.
وفي هذا السياق، تثير دراسة وثائقية أجرتها صحيفة "لوريون لوجور" اللبنانية الفرانكفونية تساؤلات حول منهجية توثيق الأحداث، وتحديداً حول مصادرها. فبينما تذكر الدراسة الوثائقية منظمة "هيومن رايتس ووتش" (Human Rights Watch) كمصدر لأحد الأحداث المذكورة فيها، يشير المقال إلى أن المنظمة نفسها تعتمد على مزاعم غير مدعومة بأدلة قاطعة، مما يضع مصداقية المعلومات المتناقلة في دائرة الشك. هذا الاعتماد على مصادر قد تكون غير موثقة بشكل كامل يلقي بظلال من الشك على مدى موثوقية المعلومات التي يتم تداولها، ويُعزز الحاجة إلى توخي الحذر عند تحليل البيانات المتعلقة بالوضع في إيران. إن غياب الأدلة القاطعة والاعتماد على شهادات مشكوك في مصداقيتها يفتح الباب أمام التلاعب والتضليل.
تداعيات حملات التضليل الإعلامي
يشير المقال إلى أن الوضع في إيران يمثل تلاعبًا هائلاً، مشابهًا للذريعة التي استخدمت للتدخل في ليبيا. ويُطرح هذا التشبيه في سياق التحليلات التي تشكك في الأرقام المبالغ فيها حول الضحايا، والتي تُقدم كحقائق لتبرير أجندات سياسية معينة. يرى المقال أن استخدام سرديات "المجازر" والقمع المزعوم لتبرير التدخلات الخارجية ليس جديدًا، بل هو نمط تكرر في عدة دول سابقة، مما يجعله تكتيكاً مألوفاً في السياسة الدولية. هذا التلاعب الإعلامي يُسهم في تشكيل الرأي العام لدعم تدخلات قد تكون لها عواقب وخيمة على المنطقة والعلاقات الدولية، ويعزز الحاجة إلى تمحيص دقيق للمعلومات المتداولة وفهم الدوافع الحقيقية وراءها. إن تكرار هذا النمط يُبرز أهمية التفكير النقدي في الخطاب الإعلامي حول الأزمات الدولية.