يهدد تقليد "مهيبة الأضحى" الجزائري، المتمثل في إهداء فخذ أو كتف من أضحية العيد للخطيبة، عدداً من الخطوبات والزيجات في الجزائر مؤخراً. يمثل هذا التقليد، المعروف باسم "مهيبة عيد الأضحى"، عادة اجتماعية عميقة الجذور لدى غالبية الجزائريين، حيث يعتبر جزءاً لا يتجزأ من الطقوس الاحتفالية المرتبطة بعيد الأضحى المبارك. إلا أن هذه العادة، التي لطالما كانت رمزاً للتكريم والتقدير بين العائلات، تسببت في السنوات الأخيرة بالعديد من المشاكل بين عائلات الخطيبين. تُعزى هذه المشكلات بشكل رئيسي إلى الارتفاع الباهظ في أسعار الأضاحي واللحوم بشكل عام، مما جعل الوفاء بمتطلبات هذا التقليد أمراً صعباً على الكثيرين. وقد أدت هذه الطقوس بالفعل إلى فسخ خطوبات وإلغاء زيجات بسبب عدم القدرة على الوفاء بمتطلباتها التقليدية المتزايدة.
تداعيات مالية على الالتزامات الاجتماعية
تخلى كثيرون عن هذا الطقس الاجتماعي بسبب تكاليفه المتزايدة التي أصبحت عبئاً على كاهل الأسر، مما أثر بشكل مباشر على العلاقات الاجتماعية والخطوبات. ففي إحدى الحالات التي تعكس حجم التأثير الاجتماعي والاقتصادي لهذا التقليد، يروي سفيان أن خطوبته قد فسخت لأنه لم يحضر فخذ الأضحية لخطيبته. يعود سبب عدم إحضار سفيان للفخذ إلى رفض والده إعطاءه إياه، ربما بسبب الظروف الاقتصادية أو ارتفاع الأسعار. وقد شعر أهل خطيبته بالإهانة وقلة التقدير إزاء هذا الموقف، معتبرين أن عدم إحضار الفخذ ينم عن عدم احترام أو جدية في العلاقة. وعلق أهل خطيبة سفيان على الأمر بالقول: "المكتوب ما كتبتش"، وهي عبارة شعبية تدل على أن النصيب لم يكن مكتوباً لهما. يقول سفيان بمرارة: "فخذ الأضحية التي لم يحضرها في مهيبة الأضحى، هي السبب. فقد أشعر أهلها بالإهانة وقلة التقدير، ففضلوا فض الارتباط باكرا." هذه الحادثة تسلط الضوء على مدى حساسية هذا التقليد وتأثيره العميق على مستقبل العلاقات الزوجية.
وفي مثال آخر يوضح التعقيدات التي يفرضها هذا التقليد، ألغت عائلة خطيبة عبد الله خطوبتهما لأنه أحضر كتف الأضحية بدلاً من الفخذ، وهو ما اعتبرته العائلة قلة احترام وحيلة مبطنة. يوضح عبد الله أنهم رفضوا الخطوبة بسبب "الكتف بدل الفخذ، لكونهم التمسوا فيه نوعا من قلة التقدير والاحترام، واحتيالا مبطنا." هذا الموقف يكشف عن التوقعات الصارمة التي تحيط بهذا التقليد، حيث لا يكفي مجرد تقديم جزء من الأضحية، بل يجب أن يكون الجزء المحدد هو المطلوب تقليدياً. كما تتذكر السيدة زينب تعرضها لسوء معاملة لفظية من زوجها خلال شهر العسل، وذلك لأن عائلتها قدمت رَقَبة خروف بدلاً من فخذ في يوم زفافها، على الرغم من أن العريس كان قد أهداها فخذاً في عيد الأضحى السابق. تشير السيدة زينب إلى هذه الحادثة بأنها "واقعة الرقبة"، مما يدل على أن هذه التفاصيل الصغيرة يمكن أن تترك آثاراً نفسية واجتماعية عميقة وطويلة الأمد على العلاقات الزوجية.
أبعاد دينية واجتماعية للعادة
تنطوي هذه العادة على تبادل بين العائلتين، حيث تقدم عائلة الخطيب جزءاً من أضحية العيد لعائلة الخطيبة كرمز للتكريم والتقدير. ومن المتوقع أن ترد عائلة الخطيبة بهدية مماثلة، كفخذ أو كتف من كبش، في يوم الزفاف، لتكتمل بذلك دائرة التبادل الاجتماعي التي تعزز الروابط بين الأسر. في سياق متصل، أكد الأستاذ في الشريعة الإسلامية، بلقاسم. ز، أن تخصيص جزء معين من الأضحية للخطيبة، مثل الفخذ أو الكتف، لا يمتلك أساساً في التشريع الإسلامي. وأوضح أن الأضحية في الإسلام هي عبادة لله، ولا توجد نصوص شرعية تحدد وجوب إهداء جزء معين منها للخطيبة أو لأي شخص آخر بهذه الطريقة التقليدية.
وحذر بلقاسم. ز من أن هذا التقليد، إذا ما تحول إلى عبء أو تسبب في نزاعات عائلية أو ضغوط مالية على الأسر، أو أدى إلى فسخ خطوبات أو إلغاء زيجات، فإنه يندرج تحت مفهوم "التكلف" المحرم شرعاً. فالتكلف في الشريعة الإسلامية يشير إلى تحميل النفس والمجتمع ما لا يطيقان من الأعباء غير الضرورية. يُنظر إلى هذه العادة كجزء من التقاليد الاجتماعية التي تطورت مع مرور الوقت، لكنها تواجه الآن تدقيقاً متزايداً بسبب تأثيرها السلبي على العلاقات الأسرية والالتزامات المالية في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة التي تشهد ارتفاعاً في الأسعار وتحديات معيشية.
دعوات للتخلي عن العادات المرهقة
دعا الأستاذ في الشريعة الإسلامية، بلقاسم. ز، إلى التخلي عن العادات التي تتناقض مع مقاصد الشريعة الإسلامية السامية، مثل التيسير ورفع الحرج عن الناس. وأوضح أن أي عرف اجتماعي يتحول إلى عبء على الأفراد والعائلات، أو يتسبب في نزاعات عائلية وضغوط مالية لا مبرر لها، أو يؤدي إلى فسخ الخطوبات وإلغاء الزيجات بسبب متطلباته المادية أو الاجتماعية، فإنه يندرج تحت مفهوم "التكلف" المحرم شرعاً في الشريعة الإسلامية، والتي تدعو إلى الوسطية والاعتدال والبعد عن المغالاة. ويأتي هذا التحذير في سياق الجدل الدائر حول تقليد "مهيبة الأضحى" الذي تسبب في مشكلات اجتماعية عديدة مؤخراً في الجزائر، مما يستدعي وقفة جادة لإعادة تقييم هذه الممارسات. ويُعتبر هذا الموقف دعوة واضحة لإعادة تقييم التقاليد الاجتماعية في ضوء الظروف الاقتصادية الحالية وتأثيرها على الأفراد والعائلات، خاصة وأن هذا التقليد لا يمتلك أساساً شرعياً في الدين الإسلامي، بل هو مجرد عرف اجتماعي يمكن تعديله أو التخلي عنه إذا ما أضر بالمجتمع.