الجزائر تستعد للاستفادة من اضطرابات الطاقة العالمية مع تفاقم أزمة الغاز الأوروبية

Algeria is Redrawing its Position in the Global Energy Market (Illustrative)
الصورة: الشروق أونلاين عبر Echoroukonline

تتوقع تقارير حديثة أن تصبح الجزائر مستفيداً رئيسياً في سوق الطاقة العالمي، حسبما ذكر تقرير صادر عن "بيزنس إنسايدر أفريقيا" (Business Insider Africa). يأتي هذا التوقع في ظل تزايد أزمة الغاز الأوروبية، مع إشارة التقرير إلى أن هذا المكسب المحتمل للجزائر يعتمد على استمرار الاضطرابات في مضيق هرمز لمدة تتراوح بين شهر وثلاثة أشهر قبل حلول فصل الشتاء. يمكن لمثل هذه الاضطرابات أن تفاقم أزمة الغاز في أوروبا بشكل كبير، مما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار، وفقاً للتقرير ذاته. وتلعب الجزائر، إلى جانب منتجي الطاقة الأفارقة الآخرين، دوراً متزايد الأهمية في إعادة تشكيل خرائط إمدادات الطاقة العالمية. هذا الدور المتنامي يأتي في سياق سعي دول الاتحاد الأوروبي لتنويع مصادرها بعيداً عن الاعتماد على الغاز الروسي، مما يفتح آفاقاً جديدة للموردين البديلين.

زيادة صادرات النفط الجزائرية

سجلت الجزائر قفزة ملحوظة في صادراتها من النفط الخام خلال شهر أبريل 2026، مما يعكس تحولاً في تدفقات الطاقة العالمية. هذه الزيادة تؤكد على مكانة الجزائر المتصاعدة كمورد رئيسي للنفط في منطقة البحر الأبيض المتوسط وأوروبا. وقد شهدت الصادرات المتجهة إلى إسبانيا زيادة بنسبة 106%، لتبلغ 116 ألف برميل يومياً في أبريل 2026، مقارنة بـ 56 ألف برميل يومياً في الفترة السابقة، مما يبرز تعزيز العلاقات التجارية بين البلدين في قطاع الطاقة. كما ارتفعت شحنات النفط الجزائري إلى الولايات المتحدة بنسبة 40.6%، لتصل إلى 102 ألف برميل يومياً، وهو ما يشير إلى توسع نطاق السوق الجزائري.

وأظهرت البيانات أيضاً ارتفاعاً حاداً في الصادرات نحو إيطاليا، حيث قفزت من 7 آلاف برميل يومياً إلى 55 ألف برميل يومياً، مما يعكس نمواً استثنائياً في الطلب الإيطالي على النفط الجزائري. بينما حافظت فرنسا على مكانتها كأكبر مستورد للنفط الجزائري، مسجلة 138 ألف برميل يومياً في أبريل 2026، مقارنة بـ 43 ألف برميل في الشهر الذي سبقه. هذه الزيادات تشير إلى تنامي دور الجزائر كمورد رئيسي للنفط في سياق التغيرات الجارية في أسواق الطاقة العالمية، وتؤكد على قدرتها على تلبية احتياجات الأسواق المختلفة في ظل الضغوط الجيوسياسية والاقتصادية.

أزمة الغاز الأوروبية ومخاوف نقص الإمدادات

يعمل الاتحاد الأوروبي بجد على تنويع مصادر الطاقة بعيداً عن الغاز الروسي من خلال تعزيز الشراكات مع الجزائر في مجال الغاز عبر خطوط الأنابيب والغاز الطبيعي المسال. هذا التوجه يهدف إلى تأمين الإمدادات وتقليل المخاطر الجيوسياسية. وقد حذر مسؤولون في شركة إكوينور (Equinor) من أن أي اضطراب طويل الأمد في مضيق هرمز، الذي يعد ممراً حيوياً للتجارة العالمية، قد يؤدي إلى نقص حاد في الإمدادات بأوروبا قبل حلول فصل الشتاء. وأشاروا إلى أن استمرار الاضطرابات في المضيق لمدة تتراوح بين شهر وثلاثة أشهر سيكون له تأثيرات كبيرة.

وفي حال حدوث ذلك، يمكن أن ترتفع أسعار الغاز الهولندي في مركز تبادل التجارة (TTF)، وهو مؤشر رئيسي لأسعار الغاز في أوروبا، إلى حوالي 90 يورو لكل ميغاواط/ساعة، مما سيزيد من الأعباء المالية على المستهلكين والصناعات. وتتراوح احتياطيات الغاز الأوروبية حالياً بين 35% و 37%، وهو ما يقل عن المتوسط الموسمي البالغ حوالي 50%، مما يثير مخاوف بشأن القدرة على تلبية الطلب خلال أشهر الشتاء الباردة. هذا النقص في المخزون يجعل القارة العجوز أكثر عرضة لأي صدمات في الإمدادات.

وتظهر البيانات أن مستويات التخزين في بعض الدول الأوروبية منخفضة بشكل خاص، حيث تبلغ 5.8% في هولندا، وحوالي 20% في ألمانيا، وما يقرب من 27% في فرنسا. هذه المستويات المنخفضة تشكل تحدياً كبيراً لأمن الطاقة في هذه الدول. ويهدف الاتحاد الأوروبي عادة إلى رفع مستوى الاحتياطيات إلى ما بين 80% و 90% قبل دخول فصل الشتاء لضمان استقرار الإمدادات وتجنب أي أزمات محتملة. ومن الجدير بالذكر أن مضيق هرمز يمثل حوالي خُمس صادرات النفط المنقولة بحراً وكميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال القادمة من دول الخليج، مما يجعله نقطة محورية وحساسة للغاية في أمن الطاقة العالمي. أي اضطراب في هذا المضيق يمكن أن يكون له تداعيات عالمية واسعة النطاق، لا سيما على الأسواق الأوروبية التي تسعى جاهدة لتأمين مصادر الطاقة.

دور أفريقيا المتنامي في سوق الطاقة

تواصل نيجيريا تصدير ما يصل إلى 22 مليون طن متري سنوياً من الغاز الطبيعي المسال، مما يؤكد دورها كلاعب رئيسي في سوق الطاقة الأفريقية والعالمية. هذه الصادرات تساهم بشكل كبير في تلبية الطلب العالمي على الغاز، خاصة في ظل سعي الدول الأوروبية لتنويع مصادرها. تأتي هذه الصادرات ضمن سياق أوسع لدور القارة المتنامي في توفير مصادر الطاقة العالمية، حيث تتمتع أفريقيا باحتياطيات هائلة من النفط والغاز. وفي تطور آخر، أعلنت شركتا إيني (Eni) وبي.بي (BP) عن اكتشاف نفطي جديد في أنغولا يُقدر بحوالي 500 مليون برميل. هذا الاكتشاف يعزز من إمكانات أنغولا كمنتج للنفط ويسلط الضوء على الفرص الاستكشافية الواعدة في القارة الأفريقية، مما يجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية في هذا القطاع.

وتساهم هذه التطورات، سواء في نيجيريا أو أنغولا أو الجزائر، في إعادة تشكيل خرائط إمدادات الطاقة العالمية، خاصة في ظل سعي الدول الأوروبية لتنويع مصادرها بعيداً عن الغاز الروسي. إن الدور المتزايد لمنتجي الطاقة الأفارقة يعزز من مرونة السوق العالمي ويقلل من الاعتماد على عدد محدود من الموردين، مما يعود بالنفع على أمن الطاقة العالمي. وتؤكد هذه التطورات على أن أفريقيا ليست مجرد سوق استهلاكي، بل هي أيضاً مصدر حيوي للطاقة يمكن أن يلعب دوراً محورياً في استقرار أسواق الطاقة الدولية في المستقبل المنظور.