بعد عودته إلى باريس، أدلى وزير العدل الفرنسي وحافظ الأختام، جيرالد موسى دارمانين (Gérald Moussa Darmanin)، بتصريحات أثارت جدلاً واسعاً عقب زيارته الأخيرة للجزائر. وقد ظهر دارمانين في قناتي "CNews" و"Europe 1" الفرنسيتين، حيث تناول بالحديث عدة قضايا تتعلق بهذه الزيارة الرسمية. في مقابلة أجريت يوم الثلاثاء، 19 مايو، صرح دارمانين بأنه "مطمئن للغاية" بشأن كيفية التعامل مع ملف المواطن الفرنسي كريستوف جليز (Christophe Gleizes)، وهو ما يشير إلى تركيز خاص على هذه القضية. غالبًا ما يعطي الجانب الفرنسي الانطباع بأن زيارات مسؤوليه إلى الجزائر تقتصر على مناقشة المصالح الفرنسية البحتة، وهو ما تعكسه تصريحات دارمانين الأخيرة التي انصبت بشكل كبير على قضايا تهم باريس بالدرجة الأولى، مما أثار تساؤلات حول مدى التوازن في أجندة التعاون بين البلدين، وتأكيداً على أن هذه الزيارات غالبًا ما تُصور على أنها تهدف فقط لمناقشة الشواغل الفرنسية.
قضية كريستوف غليز: التركيز الفرنسي على مواطن محتجز يثير تساؤلات إنسانية وسياسية
تحدث الوزير الفرنسي، جيرالد دارمانين، باستفاضة عن المواطن الفرنسي كريستوف غليز، الذي يواجه حكماً بالسجن لمدة سبع سنوات في قضية تتعلق بدعم الإرهاب والإشادة به. وقد أوضح الوزير الفرنسي موقفه بوضوح، قائلاً: "لقد كررنا ضرورة إعادة كريستوف غليز ليس إلى فرنسا، بل إلى والدته." وتشير هذه التصريحات إلى تركيز باريس على الجوانب الإنسانية للقضية، مع محاولة إعطائها بعداً عاطفياً، مؤكداً أن الجانب الفرنسي "مطمئن للغاية" بشأن طريقة التعامل مع هذا الملف الحساس.
وقد ناشد دارمانين الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون للاستجابة للقلق الفرنسي المتزايد بشأن مصير كريستوف غليز. وأشار دارمانين إلى أن الرئيس تبون "سيكون متفهمًا لهذه المسألة على أي حال (...) أنا أثق به للقيام بذلك"، ما يعكس ثقة الجانب الفرنسي في استجابة القيادة الجزائرية للمناشدات الفرنسية في هذا الملف الحساس. هذه الثقة تُظهر رغبة فرنسية واضحة في حل القضية بما يخدم مصالح المواطن الفرنسي وذويه. وتأتي هذه المساعي الدبلوماسية والإنسانية في سياق يبرز فيه اسم جيرالد دارمانين كمرشح محتمل للانتخابات الرئاسية الفرنسية المقبلة، مما يضيف بعدًا سياسيًا داخليًا للملف، حيث قد تُوظف مثل هذه القضايا لتعزيز شعبيته في الأوساط الفرنسية وإظهار قدرته على حماية مصالح المواطنين الفرنسيين في الخارج.
تجاهل القضايا الجزائرية والالتزامات المتبادلة: تباين في الأولويات
في المقابل، لوحظ أن المسؤول الفرنسي لم يشر خلال تصريحاته إلى قضية الموظف القنصلي الجزائري المسجون في فرنسا منذ أكثر من عام، وهو ما أثار تساؤلات جدية حول مدى تبادل الاهتمام بالقضايا المشابهة بين البلدين، ومدى التزام فرنسا بمبدأ المعاملة بالمثل في القضايا القنصلية والقضائية. هذا التجاهل أثار استياءً في الأوساط الجزائرية التي كانت تتوقع على الأقل إشارة إلى هذه القضية من باب التوازن والتعاون المشترك، خصوصاً وأنها تمس مواطناً جزائرياً يعمل في السلك الدبلوماسي.
كما تطرق دارمانين إلى مسألة تسليم المتهمين فيما يُعرف في فرنسا بـ "مافيا الزيد" (Mafia des Zeds)، الذين يُقال إنهم موجودون في الجزائر. وقد شدد الوزير الفرنسي على أهمية التعاون القضائي في هذا الصدد، مؤكداً على ضرورة مطاردة هذه الشبكات الإجرامية وتقديم المتورطين فيها للعدالة. ورغم هذا التركيز، لم يتطرق الوزير الفرنسي إطلاقاً إلى قضايا المطلوبين من قبل القضاء الجزائري المتواجدين على الأراضي الفرنسية، مثل وزير الصناعة الهارب عبد السلام بوشوارب، الذي يواجه تهماً خطيرة تتعلق بالفساد في الجزائر. هذا التجاهل يُبرز تباينًا واضحًا في أولويات البلدين، حيث تُعطى الأولوية للملفات التي تهم الجانب الفرنسي بشكل مباشر.
هذا التجاهل لهذه الملفات الحيوية بالنسبة للجزائر أثار استياءً كبيراً في الأوساط الرسمية والشعبية الجزائرية. خاصة وأن السلطات الجزائرية كانت قد أكدت في وقت سابق أن باريس لم تتعاون بشكل كافٍ في 61 طلباً قضائياً يتعلق بتسليم مطلوبين أو تقديم معلومات حيوية حول قضايا الفساد والجرائم الأخرى التي تهم القضاء الجزائري. هذا الرقم يُظهر حجم المشكلة ويُبرز عدم توازن في التعاون القضائي بين البلدين. هذا التباين الواضح في أولويات التعاون بين الجانبين، حيث تركز فرنسا على قضاياها بينما تتجاهل طلبات الجزائر، يعكس فجوة في التفاهم المشترك حول طبيعة العلاقات الثنائية القائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، ويُفهم على أنه إشارة إلى أن فرنسا تسعى لخدمة مصالحها الخاصة دون إيلاء اهتمام كافٍ للشواغل الجزائرية المشروعة.
تحليل الخبراء: دوافع سياسية وتوجيه للرأي العام الفرنسي
في تحليل معمق لتصريحات دارمانين، أفاد خبير دبلوماسي بأن المفاوضات حول القضايا الحساسة بين الدول تجري عادة بعيداً عن الأضواء وفي جلسات مغلقة، وذلك لضمان فعالية الحوار وتجنب التصعيد الإعلامي غير الضروري الذي قد يعرقل التقدم. وأوضح الخبير أن تصريحات الوزير الفرنسي تستهدف بشكل مباشر توجيه الرأي العام الفرنسي، لا سيما وأنها أدليت لوسائل إعلام محسوبة على اليمين المتطرف، مثل قناتي "CNews" و"Europe 1"، التي تشتهر بتوجهاتها المحافظة والقوية تجاه قضايا الأمن والهجرة. هذا الاختيار للمنصات الإعلامية يؤكد الطبيعة السياسية لهذه التصريحات.
وأشار الخبير إلى أن هذه التصريحات قد تكون مدفوعة بالرغبة في تحقيق مكاسب سياسية داخلية لدارمانين، خاصة وأنه لم يُستبعد كمرشح محتمل للانتخابات الرئاسية الفرنسية المقبلة. وفي إطار هذا السياق، فإن إظهار الحزم والتركيز على مصالح المواطنين الفرنسيين وقضايا الأمن الداخلي قد يخدم طموحاته السياسية ويعزز موقفه لدى الناخبين. كما أكد الخبير الدبلوماطي على أنه من حق كل طرف أن يركز على القضايا التي تهمه وتتعلق بمصالحه الخاصة، ولكن العلاقات الدبلوماسية الفعالة تتطلب أيضاً مراعاة مصالح الطرف الآخر والتفاعل البناء معها لضمان استمرارية التعاون وتطويره على أسس متينة من الثقة والاحترام المتبادل. هذا التوازن ضروري لبناء علاقات قوية ومستدامة بين الدول، وتجنب الانطباع بأن أحد الطرفين يسعى لتحقيق مكاسبه على حساب الطرف الآخر.