تتجه الجزائر نحو الخروج من "القائمة الرمادية" لمجموعة العمل المالي (FATF)، مع إعلان محمد يحياوي، رئيس المجلس الوطني للغرفة الوطنية للمحضرين القضائيين، أن البلاد وصلت إلى "المحطة الأخيرة قبل القرار الرسمي". يأتي هذا التطور بعد أن أقرت الهيئة الدولية بأن الجزائر قد أنجزت بشكل كبير خطة العمل المطلوبة، وتحققت من تنفيذ الإصلاحات في هذا المجال. وتؤكد المؤشرات الحالية أن الجزائر باتت في "المحطة الأخيرة قبل القرار الرسمي" المتعلق بخروجها من هذه القائمة.
أفاد يحياوي، الذي يشغل منصب رئيس المجلس الوطني للغرفة الوطنية للمحضرين القضائيين، أن مجموعة العمل المالي الدولية (FATF) أقرت بأن الجزائر قد أكملت خطة العمل بشكل جوهري وتحققت من تنفيذ الإصلاحات الميدانية. يُعد هذا الإقرار علامة فارقة في جهود الجزائر لمكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب، ويؤكد على التزام البلاد بتطبيق المعايير الدولية. وقد أحرزت الجزائر تقدمًا ملحوظًا في الوفاء بالتزاماتها تجاه مجموعة العمل المالي (FATF)، مما يعكس جدية السلطات في معالجة أوجه القصور السابقة وتعزيز الإطار التنظيمي. ويشير هذا التقدم إلى فعالية الإجراءات التي اتخذتها الحكومة الجزائرية لتعزيز إطارها التنظيمي والتشغيلي، وهو ما يمهد الطريق لرفع اسمها من القائمة الرمادية، ويعزز مكانتها كشريك موثوق به في النظام المالي العالمي.
شهدت بداية عام 2026 تطورًا إيجابيًا كبيرًا بعد إقرار مجموعة العمل المالي بأن الجزائر "أكملت بشكل جوهري" خطة العمل المطلوبة. وتشير المؤشرات الحالية إلى أن ملف الجزائر لدى مجموعة العمل المالي (FATF) يبشر بالخير، خاصة بعد اعتراف المجموعة بالتقدم المحرز والزيارة الميدانية التي قام بها الخبراء الدوليون. هذه المؤشرات الإيجابية تعزز التوقعات بقرب الإعلان الرسمي عن خروج الجزائر من القائمة الرمادية، وهو ما سيعزز الثقة الدولية في نظامها المالي ويفتح آفاقاً جديدة للتعاون الاقتصادي والاستثمار الأجنبي المباشر.
إصلاحات جوهرية وتدقيق دولي
زارت بعثة خبراء دوليين الجزائر في أبريل الماضي للتحقق من التنفيذ الفعلي للإصلاحات على أرض الواقع. هدفت هذه الزيارة إلى تقييم مدى التزام الجزائر بالمعايير الدولية في مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب، وتأكيد التقدم المحرز في هذا المجال بعد أن أقرت مجموعة العمل المالي (FATF) بأن الجزائر قد أكملت خطة العمل بشكل جوهري. جاءت هذه الخطوة كجزء من عملية التدقيق المكثفة التي تسبق اتخاذ القرار النهائي بشأن وضع الجزائر ضمن القائمة الرمادية، وأسهمت في تأكيد مصداقية الجهود المبذولة والإصلاحات الهيكلية التي تبنتها البلاد.
مثّل قرار 14 أبريل 2026 محطة محورية في جهود الجزائر، حيث حول المبادئ العامة المتعلقة بمكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب إلى التزامات واضحة ومحددة. هذا القرار، الذي جاء في سياق سعي الجزائر لتعزيز إطارها التشريعي والتنظيمي، وضع أسسًا أكثر صرامة للتعامل مع الجرائم المالية. وقد ساهم في ترسيخ نهج منهجي ومفصل للتصدي للتهديدات المرتبطة بهذه الأنشطة غير المشروعة، مما يعكس التزام الجزائر بتطبيق أفضل الممارسات الدولية، ويعزز من قدرتها على تتبع وتعطيل تدفقات الأموال غير المشروعة.
وفر قرار 14 أبريل 2026 وضوحًا قانونيًا أكبر للممارسين، محددًا التزاماتهم فيما يتعلق بالإجراءات الواجب اتباعها، وكيفية الاحتفاظ بالوثائق والسجلات، بالإضافة إلى طريقة التعامل مع الحالات المشبوهة. هذه التحديدات الدقيقة تهدف إلى تبسيط العمليات وتوحيد المعايير عبر مختلف القطاعات المعنية، مما يقلل من الغموض ويضمن تطبيقًا فعالًا وشفافًا للإجراءات. كما تساهم في بناء قدرات العاملين في هذا المجال من خلال توفير إرشادات واضحة، مما يعزز الامتثال ويقلل من المخاطر التشغيلية، ويدعم جهود السلطات في فرض الرقابة الفعالة.
كما يتطلب القرار من المكاتب المهنية تبني تنظيمات داخلية أكثر احترافية. تشمل هذه المتطلبات وضع خرائط للمخاطر، وتطوير إجراءات عمل مكتوبة وموحدة، وتعيين موظفي امتثال متخصصين، بالإضافة إلى اعتماد نهج قائم على المخاطر في جميع عملياتها. تهدف هذه الإجراءات إلى تعزيز الرقابة الداخلية ورفع مستوى الحوكمة المؤسسية، مما يضمن تحديد المخاطر المحتملة وإدارتها بفعالية، وبالتالي تعزيز قدرة الجزائر على مكافحة الجرائم المالية ومنع استغلال النظام المالي. ويهدف هذا الإطار التنظيمي الجديد إلى ضمان امتثال جميع الجهات الفاعلة للمعايير الدولية، مما يقلل من الثغرات التي يمكن استغلالها في عمليات غسيل الأموال وتمويل الإرهاب.
تحديث المهنة وتعزيز اليقظة
أُطلِق برنامج وطني للتكوين المستمر شمل أكثر من 700 مراجع حسابات عبر مختلف الولايات، وذلك في سياق تشديد الإجراءات الرقابية. تأتي هذه الخطوة تزامناً مع دخول تدابير جديدة حيز التنفيذ لمكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب، مما يعكس التزام الجزائر بتعزيز إطارها القانوني والتنظيمي. وقد باتت مهنة مراجعة الحسابات والمحاسبة تُعد الآن إحدى أهم خطوط الدفاع للاقتصاد الوطني في مواجهة هذه الجرائم المالية، نظراً لدورها المحوري في كشف المعاملات المشبوهة والإبلاغ عنها، وحماية النزاهة المالية للبلاد.
في هذا الإطار، قامت الغرفة الوطنية لمراجعي الحسابات بإعداد دليل تطبيقي ووثيقة مرجعية متخصصة في مكافحة غسيل الأموال، بهدف توجيه المهنيين وتوحيد الممارسات. هذه الوثائق توفر إرشادات مفصلة حول كيفية تطبيق المعايير الدولية والإجراءات الوطنية، مما يضمن فهماً موحداً ومتسقاً للمتطلبات. ويُلزم القرار الأخير كل مهني بإنشاء نظام يقظة فعال، يتضمن التحقق الدقيق من هوية العملاء، والكشف عن المستفيدين الحقيقيين من المعاملات المالية، بالإضافة إلى الاحتفاظ بالوثائق والسجلات لمدة لا تقل عن خمس سنوات. كما يلزم القرار المهنيين بالإبلاغ الفوري عن أي شبهات إلى خلية معالجة الاستعلام المالي (FIU) مع ضمان السرية التامة للمعلومات المبلغ عنها، مما يعزز الشفافية ويحمي المبلغين من أي تداعيات محتملة، ويسهم في بناء نظام مالي أكثر أمانًا وشفافية.
انطلق البرنامج الوطني للتكوين المستمر في السادس من يونيو 2026، مستهدفاً أكثر من 700 مراجع حسابات في مختلف الولايات الجزائرية. ويهدف هذا البرنامج إلى تجاوز مجرد معرفة القوانين، والانتقال إلى تطبيقها الفعلي في الحالات العملية، مما يضمن أن يكون المهنيون قادرين على التعامل مع التحديات الواقعية بفعالية. ويسعى البرنامج بصفة خاصة إلى تعزيز الكفاءات التقنية للمشاركين، وتوحيد الممارسات المهنية في القطاع، وغرس ثقافة اليقظة والامتثال للمعايير الدولية. ومن خلال هذه التدابير، تسعى الجزائر إلى ضمان أن يكون لديها قوة عاملة مدربة ومجهزة بشكل جيد لمواجهة التحديات المرتبطة بالجريمة المالية، مما يدعم جهود البلاد للخروج من القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي ويعزز مكانتها كشريك موثوق به في النظام المالي العالمي. يمثل هذا التكوين المستمر استثماراً في رأس المال البشري، مما يعود بالنفع على الاقتصاد الوطني ككل، ويساهم في بناء نظام مالي أكثر مرونة وقدرة على الصمود في وجه التحديات العالمية.
آفاق مستقبلية وضمان الاستدامة
جعلت الغرفة الوطنية لمراجعي الحسابات مكافحة غسيل الأموال التزامًا مهنيًا ووطنيًا، متجاوزة بذلك مجرد الاستجابة للمتطلبات التنظيمية. يمثل هذا التوجه تحولًا استراتيجيًا يهدف إلى تعزيز دور المهنة كشريك أساسي في حماية الاقتصاد الوطني من الجرائم المالية. وقد انعكس هذا الالتزام في الجهود المبذولة لتدريب المهنيين وتوحيد الممارسات، بما يضمن تطبيقًا فعالًا للمعايير الدولية. وتؤكد الغرفة أن هذا المسعى هو جزء لا يتجزأ من مسؤوليتها تجاه المجتمع، وليس مجرد امتثال لإملاءات خارجية. ويهدف هذا النهج إلى بناء قدرات داخلية مستدامة لمواجهة التحديات المرتبطة بالتمويل غير المشروع، مما يسهم في ترسيخ الثقة في النظام المالي الجزائري على الصعيدين المحلي والدولي، ويعزز قدرة البلاد على الصمود أمام التهديدات المالية المستقبلية.
في سياق متصل، ركزت الدورة العاشرة للملتقى الوطني لمراجعي الحسابات، التي انعقدت يومي 22 و23 ديسمبر 2025 في فندق "الأوراسي" بالجزائر العاصمة، على دور مهنة التدقيق والمحاسبة في دعم خروج الجزائر من القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي واستعادة الثقة الدولية. ناقش الملتقى، بمشاركة واسعة من المهنيين والخبراء، الآليات والإجراءات التي يمكن للمراجعين والمحاسبين تبنيها لتعزيز الشفافية ومكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب. وأكد المشاركون على أهمية الدور الاستباقي للمهنة في الكشف عن المعاملات المشبوهة والإبلاغ عنها، مشددين على أن هذا الدور محوري في استكمال جهود الجزائر لتحقيق الامتثال الكامل للمعايير الدولية. وشملت المحاور الرئيسية للملتقى استعراض أفضل الممارسات الدولية وتبادل الخبرات لضمان التزام القطاع بأعلى مستويات النزاهة والاحترافية، مما يعزز من قدرة الجزائر على الحفاظ على نظام مالي سليم وموثوق به، ويدعم مكانتها كمركز مالي إقليمي.