الجامعة العربية: مؤسسة متهالكة تواجه تحديات غير مسبوقة وتتطلب إصلاحاً عاجلاً

تولى الدبلوماسي نبيل فهمي مؤخراً مهامه كأمين عام جديد لجامعة الدول العربية، خلفاً لمواطنه أحمد أبو الغيط، في وقت يشير فيه المقال إلى أن الوضع الحالي يعد مؤشراً واضحاً على الحاجة إلى إصلاح "المؤسسة المتهالكة". هذا التغيير في القيادة يأتي في لحظة حرجة، حيث تتراكم التحديات الإقليمية والدولية، مما يضع على عاتق الأمين العام الجديد مسؤولية جسيمة في مواجهة تاريخ طويل من الإخفاقات. تأسس النظام الإقليمي العربي عام 1945، ومنذ ذلك الحين، وصف المقال حالة الجامعة بأنها "متهالكة" على مدار تاريخها المعاصر، مما يلقي بظلاله على قدرتها على تحقيق أهدافها المنشودة. إن هذه الحاجة الملحة للإصلاح لا تعكس فقط تحديات اللحظة الراهنة، بل تمثل استجابة لواقع طال أمده من عدم الفاعلية والتشرذم.

تاريخ الهيمنة المصرية على الأمانة العامة

شغل نبيل فهمي منصب الأمين العام للجامعة العربية، ليصبح ثامن مصري يتولى هذا المنصب منذ تأسيس الجامعة عام 1945. هذا التقليد، الذي جعل من الأمانة العامة للجامعة حكراً على الدبلوماسية المصرية، استمر على مر تاريخها الطويل، مما يعكس نفوذاً مصرياً متواصلاً على هذه المنظمة الإقليمية. فباستثناء فترة واحدة بدأت في عام 1979، عندما نُقل مقر الجامعة من القاهرة إلى تونس على خلفية التطورات السياسية آنذاك، كان جميع مسؤولي الجامعة من السلك الدبلوماسي المصري. هذه الاستمرارية في القيادة المصرية للأمانة العامة للجامعة تعكس ليس فقط قوة التأثير المصري على المنظمة العربية، بل تثير أيضاً تساؤلات حول مدى تمثيل الجامعة لتطلعات جميع الدول الأعضاء وقدرتها على تجاوز المصالح الوطنية الضيقة لصالح العمل العربي المشترك. إن هذه الهيمنة، وإن كانت تاريخية، قد تكون أحد العوامل التي تحتاج إلى إعادة تقييم في سياق أي جهود إصلاحية مستقبلية لضمان تمثيل أوسع وأكثر شمولية.

تصدعات النظام الإقليمي العربي عبر التاريخ

وُصِف تأسيس "الكيان الصهيوني" (إسرائيل) بأنه ضربة جيواستراتيجية قاصمة للأمة العربية، مما أثر بشكل كبير على تماسك النظام الإقليمي ووحدته. هذه الضربة أدت إلى تداعيات عميقة ومستمرة، وعقب ذلك، بدأت عملية التطبيع مع إسرائيل، والتي انطلقت باتفاقيات كامب ديفيد في أواخر السبعينيات. هذه الاتفاقيات، التي كانت نقطة تحول في العلاقات العربية، أدت إلى زيادة التشرذم العربي بين الدول الأعضاء، حيث انقسمت المواقف وتعمقت الخلافات حول كيفية التعامل مع الصراع العربي الإسرائيلي.

لم تتوقف التحديات عند هذا الحد، فقد أسهمت حروب الخليج خلال الثمانينيات والتسعينيات في تعميق الانقسامات داخل الصف العربي بشكل أكبر. ففي هذه الصراعات، اتخذت الدول مواقف متباينة أدت إلى توتر العلاقات البينية بشكل غير مسبوق، مما أضعف من القدرة على بناء جبهة عربية موحدة. ومع مطلع العقد الثاني من الألفية الثالثة، جاءت أحداث "الربيع العربي" لتزيد من الطين بلة. فقد أدت هذه الأحداث إلى نشوب حروب أهلية في عدة دول عربية، مما زاد من حالة التفكك والفرقة في المنطقة العربية. هذه التحديات المتراكمة، من تأسيس إسرائيل إلى حروب الخليج ومروراً بالربيع العربي، شكلت ضغوطاً هائلة على الجامعة العربية، مما يعكس الحاجة الملحة لإصلاح هيكلي لدورها ومستقبلها، لتمكينها من مواجهة هذه الانقسامات التاريخية والمعاصرة.

فشل القمم العربية في تحقيق الوحدة والعمل المشترك

فشلت القمم العربية المتتالية في تحقيق الوحدة بين الدول العربية، أو توحيد قراراتها، أو الاتفاق على عمل مشترك عملي وفعال، حسبما يشير التقرير. هذا الفشل المتكرر ليس مجرد نتيجة لغياب التوافق، بل هو مؤشر على خلل هيكلي عميق يعوق قدرة الجامعة على ترجمة التطلعات إلى واقع ملموس. وقد أدت هذه الإخفاقات المتواصلة إلى تآكل الثقة في قدرة الجامعة العربية على معالجة التحديات الإقليمية المتزايدة، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية. هذا التآكل في الثقة لا يقتصر على المواطنين العرب فحسب، بل يمتد ليشمل الدول الأعضاء نفسها، مما يقلل من حماسها للالتزام بقرارات الجامعة.

وفي سياق الجهود المبذولة لإصلاح المنظمة، قدمت الجزائر قبل عقدين من الزمن مقترحًا لإصلاح نظام الجامعة العربية، في محاولة جادة لتجاوز هذا الركود. إلا أن هذا المقترح واجه مقاومة كبيرة وعقبات متعددة، مما حال دون تطبيق أي تغييرات جوهرية تهدف إلى تعزيز دور الجامعة وقدرتها على تحقيق أهدافها المعلنة. هذه المقاومة تعكس استمرار التحديات الهيكلية والسياسية التي تواجه المنظمة، وتؤكد أن الأسباب الكامنة وراء عجز الجامعة تتجاوز مجرد غياب الإرادة، لتصل إلى تعقيدات في بنية اتخاذ القرار وتضارب المصالح بين الدول الأعضاء.

سبل الإصلاح المنشودة وربطها بالإرادة الشعبية

يرى المقال أن إصلاح الجامعة العربية وفاعليتها المرتقبة يعتمدان بشكل جوهري على تحرير الأنظمة الوطنية من القيود القائمة، والالتزام بالإرادة الشعبية لمواطني الدول الأعضاء. هذا الربط بين إصلاح الجامعة والإرادة الشعبية هو مفتاح فهم الرؤية المطروحة، والتي ترى أن أي إصلاح مؤسسي حقيقي يجب أن ينبع من شرعية شعبية وقاعدة جماهيرية واسعة. يشدد التحليل على أن أي جهود إصلاحية داخل المنظمة لن تكون ذات جدوى حقيقية دون هذا التحول الأساسي في طريقة عمل الحكومات وتفاعلها مع شعوبها، مما يعني أن الإصلاح الشكلي لن يكفي وحده. هذا الربط بين الإصلاح المؤسسي للجامعة وبين تطلعات الشعوب يعكس رؤية ترى أن شرعية الأنظمة واستجابتها لمطالب مواطنيها هي حجر الزاوية لأي عمل عربي مشترك فعال ومستدام. وبالتالي، فإن تحديث الجامعة يمر عبر تحديث الحوكمة على المستوى الوطني، وضمان أن تكون الحكومات ممثلة حقيقية لإرادة شعوبها، مما يمكنها من اتخاذ قرارات جماعية تعكس مصالح الأمة العربية ككل، وليس فقط مصالح النخب الحاكمة.