بعد ثلاثة وثلاثين عامًا على توقيع اتفاقيات أوسلو في 13 سبتمبر 1993، والتي كان من المفترض أن تفضي إلى تسوية دائمة خلال خمس سنوات، لا يزال واقع الحال يشير إلى عدم تحقق أهدافها المعلنة. يأتي هذا المقال بالتزامن مع الذكرى الثالثة والثلاثين لتوقيع الاتفاقيات، التي كان يُعول عليها الكثير لإنهاء الصراع. لم يتم تأسيس دولة فلسطين، ولم يتم حل قضية القدس، كما لم تتوقف المستوطنات، ولم يتم ترسيم الحدود. هذه النتائج السلبية تتناقض بشكل صارخ مع الأهداف الطموحة التي رسمتها الاتفاقيات في بدايتها. يتساءل المقال عن جدوى "السلطة التي تراهن على التفاوض مع الاحتلال بينما يستمر الطرف المحتل في تغيير الواقع على الأرض والزمن لا يسير دائما في صالح الطرف الأضعف". وبحسب المقال، فإن المعنى الأدق للاتفاقية ومخرجاتها هو أن "المسألة تحولت من قضية شعب ينشد حريته والعودة إلى أرضه ودياره واستقلال قراره إلى قضايا السلطة والحكم والإدارة والرواتب والوزارات والانتخابات وبطاقات V.I.P لمسؤولي السلطة". هذه التحولات الجذرية أثرت بعمق على طبيعة القضية الفلسطينية ومسارها، حيث تحولت مسارات النضال من تحقيق الأهداف الوطنية الكبرى إلى إدارة شؤون الحياة اليومية، مما أثار تساؤلات حول فعالية النهج المتبع.
واقع التقسيم والسيطرة الإسرائيلية
أسفرت اتفاقيات أوسلو عن تقسيم الضفة الغربية إلى ثلاث مناطق رئيسية، وهي مناطق "أ" و"ب" و"ج". هذا التقسيم أوجد واقعاً جغرافياً وسياسياً معقداً، حيث ظلت المنطقة "ج"، التي تشكل ما يقرب من 60% من مساحة الضفة الغربية الإجمالية، تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة. هذا الأمر يعكس استمرار الواقع الجغرافي والسياسي القائم الذي يمنع أي تواصل جغرافي حقيقي لدولة فلسطينية مستقبلية، ويهدد إمكانية قيام دولة ذات سيادة متصلة الأراضي. وفي سياق متصل، لم تضع هذه الاتفاقيات حداً لتوسع المستوطنات الإسرائيلية، بل إنها لم تمنع استمرار هذا التوسع، والذي كان أحد أبرز العوامل التي قوضت فرص السلام. وتشير تقارير إلى أن هذا التوسع استمر بوتيرة مطردة في المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية، مما أدى إلى تغييرات ديموغرافية وجغرافية واسعة النطاق على الأرض، وتكريس واقع الاحتلال. هذا الواقع أسهم في تعقيد إمكانيات إقامة دولة فلسطينية متواصلة جغرافياً، وفقاً لتقييمات عديدة، وأفرغ فكرة الدولة الفلسطينية من مضمونها العملي على الأرض، مما جعل الحديث عن حل الدولتين يبدو بعيد المنال.
تحول السلطة الفلسطينية وفقدان السيادة
أدت اتفاقيات أوسلو إلى تحويل السلطة الفلسطينية من أداة مؤقتة نحو إقامة دولة إلى كيان دائم يدير الشؤون اليومية دون سيادة كاملة. هذا التحول كرّس واقعاً تفقد فيه السلطة صلاحيات أساسية، حيث استمرت إسرائيل في التحكم بالعديد من الجوانب الحيوية، بما في ذلك الحدود والموارد الطبيعية والحركة والتنقل، مما قيد قدرة السلطة على ممارسة سيادتها بشكل فعال. كما أضعفت الاتفاقيات منظمة التحرير الفلسطينية (PLO)، إذ حولت التركيز من نضال المنظمة الأوسع، والتي كانت تمثل جميع الفلسطينيين، إلى بناء مؤسسات السلطة المحلية، مما أثر على تمثيلها الشامل للشعب الفلسطيني وأضعف دورها كمرجعية وطنية عليا. نتيجة لذلك، أصبحت السلطة الفلسطينية هي الإطار الأساسي للتعامل مع الواقع اليومي في الأراضي الفلسطينية، بينما تضاءل دور منظمة التحرير ككيان جامع وممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني بأكمله. ارتبط الاقتصاد الفلسطيني بشكل كبير بالاقتصاد الإسرائيلي وأصبح يعتمد بشدة على المساعدات الخارجية، مما أثر على استقلاليته. هذا الارتباط الاقتصادي قلل من قدرة السلطة على تحقيق استقلال اقتصادي حقيقي، مما زاد من تعقيد الوضع السياسي وأبقاها في وضع تبعية اقتصادية وسياسية.
تداعيات على الشعب الفلسطيني وقضيته
لم تنهِ اتفاقيات أوسلو الاحتلال الإسرائيلي، ولم تحقق إقامة دولة فلسطينية مستقلة، كما لم تسوِّ قضية القدس أو تحل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين، وفقًا لتقييمات عديدة. ظلت هذه القضايا الأساسية العالقة دون حل، مما أبقى جوهر الصراع مستمرًا بعد مرور ثلاثة عقود على توقيع الاتفاقيات. هذا الفشل في معالجة القضايا الجوهرية يعكس قصور الاتفاقيات في تحقيق سلام عادل ودائم، وأثار تساؤلات حول جدوى المسار التفاوضي نفسه.
ركزت اتفاقيات أوسلو بشكل أساسي على الفلسطينيين المقيمين في الضفة الغربية وقطاع غزة، متجاهلة بذلك الملايين من الفلسطينيين المتواجدين في مخيمات اللجوء والمهجر في الخارج. هذا التركيز الضيق أدى إلى تهميش جزء كبير من الشعب الفلسطيني وقضيته، مما أثر على تمثيلهم ومشاركتهم في أي حلول مستقبلية، وأبعد قضية اللاجئين عن صلب المفاوضات، رغم أنها تعد إحدى القضايا الجوهرية للصراع.
كما عملت اتفاقيات أوسلو على تعميق الانقسام الفلسطيني بين خياري التفاوض والمقاومة. أدت هذه السياسة إلى بروز تباينات واضحة في الرؤى والاستراتيجيات بين الفصائل الفلسطينية المختلفة، مما أضعف الوحدة الوطنية وأثر على قدرة الفلسطينيين على تقديم جبهة موحدة في مواجهة الاحتلال. هذا الانقسام أثر على فعالية العمل السياسي والميداني على حد سواء، وأعاق أي تقدم نحو تحقيق الأهداف الوطنية الجامعة. في المحصلة، يرى كثيرون أن اتفاقيات أوسلو لم تحقق السلام بل كرست واقع الاحتلال بتجلياته المختلفة، وأدت إلى تعقيد المشهد الفلسطيني بدلاً من تبسيطه.