إسرائيل تجند متطرفين دينيين لتعزيز الوجود اليهودي في المسجد الأقصى

israel-jerusalem-itamar-ben-gvir-2022-twitter.png
الصورة عبر Elwatan

أطلقت الشرطة الإسرائيلية حملة تجنيد تستهدف الدوائر اليمينية المتطرفة واليهود الأرثوذكس للانضمام إلى الوحدات المسؤولة عن أمن المسجد الأقصى، وذلك وفقاً لتقرير نشرته صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية. هذه الخطوة، التي كُشف عنها مؤخراً، تثير جدلاً واسعاً وتساؤلات حول مستقبل أحد أقدس المواقع في العالم. يندد الفلسطينيون بهذه المبادرة بشدة، واصفين إياها بأنها خطوة جديدة ضمن مشروع "تهويد" ثالث أقدس المواقع في الإسلام، وهو ما يزيد من مخاوفهم بشأن تغيير الوضع التاريخي والقانوني للموقع. وتأتي هذه المبادرة ضمن مسعى دبره وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، الذي يُعرف بمواقفه المتشددة تجاه المسجد الأقصى ويدفع باتجاه فرض سيطرة إسرائيلية كاملة عليه.

وقد أدانت محافظة القدس التابعة للسلطة الفلسطينية، في يوم الخميس الموافق 5 يونيو، حملة التجنيد هذه. ووصفت المحافظة عملية التجنيد بأنها "تطور خطير" يهدد بتقويض الوضع التاريخي والقانوني للمسجد الأقصى، ويُعد تصعيداً غير مسبوق في سياسات الاحتلال الإسرائيلي تجاه المدينة المقدسة. هذا الإدانة تعكس القلق الفلسطيني المتزايد من تداعيات هذه الإجراءات على الهوية العربية والإسلامية للقدس، وتؤكد على رفض أي محاولات لتغيير طابعها الديني والتاريخي.

حملة تجنيد تستهدف اليمين المتطرف لترسيخ الوجود اليهودي

تفصيلاً لحملة التجنيد، نظم المقدم دانييل ليرش (Daniel Lersch)، نائب قائد وحدة شرطة "جبل الهيكل"، عملية تجنيد مكثفة عبر وسائل التواصل الاجتماعي ومجموعات واتساب. هذه المجموعات، التي تُعد قنوات تواصل رئيسية، ترتبط بشكل وثيق بتيارات يمينية دينية ومستوطنين من الضفة الغربية المحتلة، مما يؤكد الطبيعة الأيديولوجية لهذه الحملة وتركيزها على فئات محددة. وتتضمن شروط التوظيف المرنة العمل لمدة أربعة أيام في الأسبوع أو عشرة أيام في الشهر، مما يتيح للمجندين التوفيق بين عملهم الجديد والتزاماتهم الأخرى، حيث يتم تكييف الدورات التدريبية والتأهيلية لتناسب الاحتياجات الشخصية للمجندين، مما يجعل الانضمام أكثر جاذبية لهذه الفئات المستهدفة.

وصف المقدم ليرش الراتب الذي سيتقاضاه المجندون بأنه "راتب جيد"، في محاولة لجذب أكبر عدد ممكن من المتطوعين، معتبراً أن هذا يوفر حافزاً مادياً مهماً. ليس هذا فحسب، بل قدم عملية التجنيد على أنها تمثل "خدمة وطنية رفيعة المستوى"، مما يضفي عليها بعداً أيديولوجياً ووطنياً في نظر المستهدفين، ويشجعهم على الانخراط في هذا الدور. وبحسب ما ورد في التقرير، يحرض حاخامات مرتبطون بجماعات تدعو صراحة إلى تغيير الوضع الراهن للمسجد الأقصى طلابهم وأتباعهم على الانضمام إلى قوات الأمن هذه، مما يعكس تنسيقاً بين المؤسسة الدينية المتطرفة والأجهزة الأمنية لتعزيز هذه الحملة. ومن المثير للقلق أن يهوداً قاموا بـ"اقتحامات" متكررة للمسجد خلال العام الماضي قد انضموا بالفعل إلى وحدة الأمن هذه، مما يشير إلى أن المستهدفين هم بالفعل من النشطاء في هذا المجال ولديهم تاريخ من هذه الممارسات. وتهدف هذه الاستراتيجية الواضحة إلى ترسيخ وجود يهودي أرثوذكسي وقومي داخل قوات الأمن المسؤولة عن حماية المسجد الأقصى، مما يغير من طبيعة هذه القوات وولاءاتها ويجعلها أداة لتحقيق أهداف سياسية ودينية. ويشير المقال إلى أن هذا يشكل "تغلغلاً مؤسسياً" داخل الأجهزة الأمنية، يهدف إلى فرض رؤية معينة على الموقع الديني الحساس، بما يتجاوز صلاحيات الشرطة التقليدية.

تغييرات متسارعة في وضع المسجد الأقصى وتصعيد التوترات

شهدت الأشهر الأخيرة زيادة كبيرة وملحوظة في عدد الزوار اليهود للمسجد الأقصى، مما يعكس تصاعد التوترات حول الموقع الديني والتاريخي. هذه الزيادة ليست مجرد ظاهرة عابرة، بل هي جزء من سياسة ممنهجة تهدف إلى تغيير الواقع على الأرض وفرض حقائق جديدة. كما جرى تمديد ساعات الدخول للزوار اليهود بساعة إضافية، وهو ما يثير قلق الفلسطينيين الذين يعتبرون المسجد الأقصى بكافة ساحاته ومرافقه موقعاً إسلامياً خالصاً، ولا يقبلون أي تغيير في وضعه الراهن الذي يحكمه الستاتيكو التاريخي. هذه التغييرات تأتي وسط اتهامات متزايدة لإسرائيل بمحاولة تغيير الوضع الراهن للموقع التاريخي، وهو ما يُعرف بـ"الستاتيكو" الذي يحكم المقدسات في القدس منذ عقود، ويضمن التوازن الديني في المدينة.

وفي تطور لافت وغير مسبوق، سُمح بإقامة صلوات يهودية جهرية وتوزيع منشورات دينية داخل الموقع، في خطوة تخرج بشكل صارخ عن التفاهمات القائمة التي تحظر العبادة غير الإسلامية في المسجد الأقصى وتعتبره مكاناً مخصصاً للمسلمين فقط. هذه الممارسات، التي تعد انتهاكاً صريحاً للوضع الراهن، قد أثارت جدلاً واسعاً واستنكاراً شديداً من قبل الأوساط الفلسطينية والعربية والإسلامية. وقد نددت بها السلطات الفلسطينية والعديد من الجهات الإسلامية والدولية، التي تعتبرها انتهاكاً لسيادة الأوقاف الإسلامية على الموقع وحقوق المسلمين فيه، وتصعيداً خطيراً للتوترات الدينية.

وفي سياق متصل بتصعيد التوترات، دعا وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير إلى السماح برفع الأعلام الإسرائيلية في ساحات المسجد الأقصى، مما يشكل تحدياً إضافياً وخطراً على الوضع القائم وحساسيته الدينية والسياسية. وقد سبق أن استخدم بن غفير حصانته البرلمانية لزرع علم إسرائيلي في الموقع، في حادثة أثارت غضباً عارماً وشجباً دولياً واسعاً، مما يؤكد سعيه المتعمد لتغيير الرموز والسيادة على الموقع وفرض السيادة الإسرائيلية عليه. وتعتبر هذه الإجراءات جزءاً لا يتجزأ من مساعي أحزاب اليمين المتطرف، التي ينتمي إليها بن غفير، لترسيخ الوجود الإسرائيلي في الأقصى وفرض سيادة إسرائيلية عليه، وهو ما يهدد بتأجيج الصراع.

كشفت تقارير عن احتفاظ ضباط الشرطة العاملين في المواقع الدينية بالبلدة القديمة في القدس باتصالات منتظمة ومباشرة مع إيتمار بن غفير وزوجته، مما يثير تساؤلات جدية حول طبيعة هذه العلاقة وتأثيرها على استقلالية عمل الشرطة وحياديتها في التعامل مع المقدسات. هذه الاتصالات المباشرة قد تُفهم على أنها تدخل في صلاحيات الشرطة وتوجيه لعملها بما يخدم أجندات سياسية معينة، مما يقوض الثقة في حيادية الأجهزة الأمنية. ويأتي هذا في ظل تصاعد حملة التجنيد التي تستهدف المتدينين اليمينيين للعمل في هذه الوحدات، مما يعزز فكرة وجود تنسيق بين المستويات السياسية والأمنية والدينية لتغيير الوضع الراهن، ويشير إلى أن هذه الإجراءات ليست عشوائية بل جزء من خطة متكاملة.

دعوات لبناء كنيس وتصريحات دينية متشددة

في خطوة تصعيدية أخرى، دعا الحاخام شموئيل إلياهو (Shmuel Eliyahu) إلى بناء كنيس يهودي داخل ساحات المسجد الأقصى، وذلك في تصريح يضاف إلى سلسلة التوترات المتصاعدة حول الموقع. وتأتي دعوة إلياهو، الذي يشغل منصب حاخام مدينة صفد (Safed) ويُعد شخصية دينية مؤثرة ورئيس مجلس الحاخامات، في سياق يرى فيه الفلسطينيون محاولات إسرائيلية حثيثة لفرض "تهويد" كامل على الموقع الثالث قدسية في الإسلام، وتحويله إلى ساحة صراع ديني مفتوح. هذه الدعوة ليست مجرد رأي فردي، بل تعكس تياراً واسعاً داخل اليمين الديني المتطرف في إسرائيل، يسعى إلى تغيير الوضع القائم جذرياً.

تتزامن هذه الدعوات الخطيرة مع تصريحات سابقة لوالده، الحاخام مردخاي إلياهو (Mordekhai Eliyahu)، الذي وصف الموقع بأنه "المكان الأكثر قداسة للشعب اليهودي"، مما يعطي بعداً تاريخياً ودينياً لهذه المطالب. وتُشكل هذه التصريحات، بحسب مراقبين، جزءاً من سردية دينية متنامية وراسخة داخل أوساط اليمين الديني الإسرائيلي، تهدف إلى تعزيز الوجود اليهودي في المسجد الأقصى وتبرير المطالب بتغيير وضعه التاريخي. ويُشار إلى أن الحاخام شموئيل إلياهو يُعد شخصية مؤثرة ومركزية في التيار الديني القومي، وتصريحاته تحمل وزناً رمزياً وسياسياً كبيراً ضمن هذا التيار، مما يجعلها أكثر خطورة وتأثيراً على أرض الواقع. وتُثير هذه الدعوات قلقاً متزايداً لدى الأوقاف الإسلامية والجهات الفلسطينية، التي تعتبر المسجد الأقصى بكافة ساحاته ومرافقه ملكاً خالصاً للمسلمين، وتشدد على أن أي محاولة لتغيير هذا الوضع ستكون لها عواقب وخيمة على الأمن والاستقرار في المنطقة.

إدانات وتحذيرات دولية وعربية من تصعيد خطير

أعربت المملكة الأردنية الهاشمية، بصفتها وصية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، عن رد فعلها القوي على ما وصفته بانتهاكات الوضع الراهن في المسجد الأقصى. تأتي هذه المواقف الحازمة في سياق التطورات الأخيرة المتعلقة بالموقع، والتي تشمل حملة التجنيد التي تستهدف المتطرفين الدينيين وتغيير ساعات الدخول لليهود، وكلها خطوات تعتبرها الأردن خرقاً للتفاهمات الدولية والقانون الدولي الذي يحمي وضع المقدسات. وأكدت الأردن على ضرورة احترام الوضع التاريخي والقانوني للمسجد الأقصى ووقف جميع الإجراءات التي تهدف إلى تغيير هويته الإسلامية والعربية.

وفي ذات السياق، أصدرت منظمة التعاون الإسلامي (OCI) والعديد من الحكومات العربية تحذيرات شديدة اللهجة بشأن الإجراءات المتخذة في المسجد الأقصى، معتبرة إياها استفزازاً لمشاعر المسلمين حول العالم وانتهاكاً صارخاً لحقوقهم الدينية. وتأتي هذه التحذيرات في ظل المخاوف المتزايدة من تداعيات هذه الإجراءات على استقرار المنطقة برمتها، وعلى الوضع التاريخي والقانوني للمقدسات الإسلامية، التي تعتبر جزءاً لا يتجزأ من الهوية الإسلامية. وتعتبر هذه الجهات ما يحدث محاولة ممنهجة لتغيير الوضع القائم وفرض وقائع جديدة على الأرض، مما قد يؤدي إلى تصعيد لا تحمد عقباه ويهدد بإشعال صراع ديني واسع النطاق.

ويرى خبراء ومحللون سياسيون أن هذه الإجراءات المتصاعدة، بما في ذلك التجنيد الأخير وتصريحات المسؤولين الإسرائيليين ودعوات الحاخامات، تشكل سياسة متماسكة وواضحة تهدف إلى إعادة تعريف وضع المسجد الأقصى وفرض سيادة إسرائيلية عليه بشكل تدريجي. ويسلط الخبراء الضوء على أن هذه الخطوات، التي تروج لها بشكل خاص أحزاب اليمين المتطرف والحكومة الإسرائيلية الحالية، تسعى إلى ترسيخ وجود يهودي وقومي داخل قوات الأمن وفي محيط الموقع الديني، مما يهدد بتفجير الأوضاع في المنطقة ويقوض أي فرص للسلام والاستقرار.