أنهت وزارة المالية وضع إجراءات دقيقة لإنهاء وضع عدد من العمليات الاستثمارية الحكومية، التي ظلت مسجلة ضمن البرامج والاعتمادات، بالرغم من استكمال الأشغال فيها أو توقفها أو التخلي عنها. وقد قامت الوزارة بوضع حد لهذه الحالة من خلال تحديد آليات واضحة لإغلاق أو إلغاء هذه العمليات بشكل دقيق، مؤكدة بذلك التزامها بتنظيم خريطة الاستثمار العمومي. تهدف هذه الخطوة إلى تنظيم خريطة الاستثمار العمومي، عبر تحديد آليات واضحة لإغلاق أو إلغاء هذه العمليات، وفقًا لمصادر مطلعة.
وتسعى وزارة المالية إلى إعادة ترتيب خريطة الاستثمار العمومي من خلال شطب المشاريع المنجزة من سجلات الميزانية، وتسوية المشاريع المتوقفة أمام الجهات القضائية المختصة. كما تهدف الإجراءات الجديدة إلى إغلاق العمليات التي لا يمكن استئنافها، وإلغاء تلك التي لم تدخل مرحلة التخصيص أو لم تستوفِ شروط الاستمرار، في مسعى شامل لتحسين كفاءة الإنفاق العام وإدارة الموارد.
أسس وتفاصيل التعليمات الجديدة
صدرت التعليمات الجديدة رقم 6 بتاريخ 5 أغسطس، مؤكدة على الإطار التنظيمي لإنهاء العمليات الاستثمارية الحكومية. تستند هذه التعليمات إلى عدة مراجع قانونية وتنظيمية أساسية. من بين هذه المراجع، قانون المالية لسنة 2025، وتحديداً المادة 223 منه، التي تشكل الأساس التشريعي لهذه الإجراءات الهامة. تأتي هذه المادة لتعزز الإطار القانوني لإدارة الاستثمارات العمومية، وتوفر الأساس اللازم لتطبيق هذه التعليمات الجديدة بفعالية.
كما تعتمد التعليمات على المرسوم التنفيذي رقم 20-403 الصادر بتاريخ 29 ديسمبر 2020، والذي يحدد القواعد العامة لإدارة النفقات العمومية، ويوفر الإطار التنظيمي لإدارة الصرف. وتستند أيضاً إلى القرار رقم 03 الصادر بتاريخ 11 يناير 2023، الذي يقدم إرشادات تفصيلية لتطبيق بعض أحكام المراسيم التنفيذية ذات الصلة، موضحاً جوانب تطبيقية لعمليات الإنفاق. تستند هذه التعليمات إلى التعليمة رقم 002 الصادرة بتاريخ 1 مارس 2010، والتي كانت سابقة في تنظيم جوانب من العمليات الاستثمارية، وتوفر سياقاً تاريخياً للإطار التنظيمي. تُظهر هذه المراجع المتعددة الأساس القانوني المتين الذي بُنيت عليه التعليمات الجديدة، مما يضمن شموليتها وفعاليتها في معالجة مختلف جوانب العمليات الاستثمارية.
تتطلب عملية إغلاق العمليات الاستثمارية تحديد دقيق للمسؤول الآمر بالصرف ورمزه، وهو أمر حيوي لتحديد المسؤولية الإدارية. كما يجب تحديد قرار التسجيل ورقمه، والرقم الدائم للعملية، وتاريخ الإشعار بالعملية. يتوجب ذكر اسم العملية ورقمها، وتاريخ تخصيصها، وموقعها الجغرافي، وتاريخ البدء الفعلي للأشغال، وتاريخ إتمامها أو توقفها. هذه التفاصيل الدقيقة تضمن الشفافية والمساءلة في كل خطوة من خطوات إغلاق المشروع، وتساعد في تتبع مسار كل عملية استثمارية بشكل شامل.
وتشمل الإجراءات أيضاً تحديد رخصة الالتزام الأولية والحالية، وإعادة التقييمات التي تمت على المشروع، وإجمالي النفقات المتكبدة حتى تاريخ الإغلاق. كما تتطلب مقارنة بين رخصة الالتزام النهائية والتكلفة الفعلية للعملية، لتحديد أي فوارق مالية. وتقتضي العملية جرد الهيكل المالي للاستثمار بشكل مفصل، بما في ذلك الدراسات والهندسة، والإنشاءات والهندسة المدنية، والأشغال العمومية، والآلات والمعدات، ومعدات النقل والمناولة، والتدريب، والخدمات الخارجية، والمخزون، والأدوات. يهدف هذا الجرد المفصل إلى تقديم صورة واضحة وشاملة عن الوضع المالي للمشروع، مما يسهل عملية التدقيق ويضمن دقة البيانات المالية.
وتتضمن التعليمات مقارنة الهيكل المادي الأولي للمشروع بالتعديلات اللاحقة وما تم تسليمه فعلياً، مع تحديد أي فوارق مادية. يقوم مدير النشاط والمسؤول الآمر بالصرف بالتوقيع على المعلومات المتعلقة بالوضع المالي والمادي للمشروع، بينما يقوم المحاسب العمومي المختص ومراقب الميزانية بالتأشير عليها، مما يضمن التدقيق والرقابة المالية والإدارية. هذه الإجراءات المشددة تضمن دقة وصحة المعلومات المقدمة، وتوفر طبقة إضافية من الرقابة لمنع أي تجاوزات أو أخطاء.
إجراءات إغلاق العمليات المكتملة والضمانات
تُغلق المشاريع المنجزة دون انتظار انتهاء فترة الضمان، وفقًا للإجراءات الجديدة لوزارة المالية. يتعلق هذا الإغلاق العادي بالعمليات التي استُكملت ماديًا وماليًا بشكل كامل. بمجرد الانتهاء من الحساب العام والنهائي، يتعين على الآمر بالصرف إيداع ملف الإغلاق وفقًا للنموذج المحدد في الملحق رقم 01، دون انتظار انتهاء فترة الضمان. لا يتطلب وجود خصم ضمان أو كفالة حسن تنفيذ بقاء العملية مفتوحة بعد الاستلام المؤقت، مما يسرع من عملية الإغلاق الإداري للمشاريع المنجزة. هذا التوجه يهدف إلى تحرير الموارد المالية والإدارية بسرعة أكبر، وتجنب بقاء المشاريع المنجزة معلقة في السجلات لأسباب إجرائية.
حددت وزارة المالية حالات استثنائية للإغلاق تتعلق بالعمليات التي أُنجزت ماديًا و/أو ماليًا، ولكن لا يمكن إعداد قرار إغلاق لها بسبب عدم توفر بعض المعلومات الضرورية أو استحالة استكمال الملف. من الأمثلة على الوثائق المفقودة التي قد تعيق عملية الإغلاق، المستندات المحاسبية، والحساب العام والنهائي، والموافقة النهائية على حالة الأشغال، وتوقيع محضر الاستلام المؤقت للأشغال. في حال استحالة تقديم بعض المستندات والمعلومات، يجب على مدير النشاط المسؤول الشروع في إجراءات الإغلاق وإعداد شهادة إدارية تشرح أسباب عدم توفر هذه المستندات والمعلومات، مما يوفر مرونة إدارية لمعالجة هذه الحالات. يشتمل ملف الإغلاق في هذه الحالات على بطاقة إغلاق، وتصريح إغلاق، وشهادة إدارية عند الضرورة، تبرر أسباب عدم توفر المستندات والمعلومات المطلوبة. تُظهر هذه المرونة الإدارية فهمًا للتعقيدات التي قد تواجه المشاريع الحكومية، مع الحفاظ على مبادئ الشفافية والمساءلة من خلال الشهادة الإدارية المبررة.
معالجة العمليات المتنازع عليها والمهجورة
خصصت وزارة المالية إجراءً خاصًا للعمليات الاستثمارية المتنازع عليها، وهي تلك العمليات التي استُكملت كليًا أو جزئيًا من الناحية المادية لكنها لم تُسوى ماليًا بسبب نزاع قضائي. يهدف هذا الإجراء إلى توفير آلية واضحة للتعامل مع هذه الحالات التي تعيق إغلاق المشاريع بشكل فعال ضمن سجلات الميزانية. يُعد هذا الإجراء خطوة مهمة لفك الارتباط بين النزاعات القضائية الجارية وبين حالة المشاريع في السجلات الإدارية، مما يسمح بإدارة أكثر فعالية للميزانية.
فيما يخص العمليات المكتملة ماديًا بشكل كامل، يقوم الآمر بالصرف بالالتزام وإصدار أمر دفع إلى حساب إيداع خاص. يتضمن هذا الحساب المبلغ المتوقع للتعويض المستحق للمقاول، مما يتيح إغلاق العملية بعد ذلك بشكل رسمي. هذه الخطوة تضمن تسوية الجوانب المالية المعلقة دون إبقاء المشروع مفتوحًا في السجلات الإدارية بانتظار حل النزاع القضائي، وتسهل من إنهاء التعامل مع هذه المشاريع. يُسهم هذا الحل في تسريع إغلاق المشاريع المتنازع عليها، مما يعزز من كفاءة إدارة الاستثمارات العمومية ويقلل من الأعباء الإدارية.
كما تسمح التعليمات الجديدة بإغلاق العمليات التي تم التخلي عنها بشكل نهائي، سواء دخلت مرحلة التنفيذ أم لا. يحدث هذا الإغلاق عندما يكون التخلي عن المشروع ناتجًا عن أسباب موضوعية، تقنية، مالية، أو إدارية، وعندما يصبح استئناف العمل مستحيلاً. يهدف هذا البند إلى شطب المشاريع غير القابلة للاستئناف من قائمة الاستثمارات الحكومية، مما يعكس الواقع الفعلي لهذه المشاريع. تُمكن هذه الإجراءات الوزارة من معالجة المشاريع التي لم تعد مجدية أو قابلة للاستمرار، مما يحد من إهدار الموارد ويحسن من تخطيط الاستثمارات المستقبلية.
تُغلق العملية المهجورة ضمن حدود الدفعات التي تمت حتى تاريخ الإغلاق، مع تعديل إجمالي النفقات المتكبدة عند تاريخ توقف العمل. يتضمن ذلك تحديد الوضع المالي والمادي الفعلي للمشروع بدقة في لحظة التوقف. هذا يضمن تسجيل الواقع المالي للمشروع بدقة وقت إغلاقه، ويعكس النفقات الحقيقية التي تم صرفها، مما يعزز الشفافية المالية. تُعد هذه الآلية ضرورية لتوفير سجلات دقيقة للنفقات الفعلية، حتى في المشاريع التي لم تكتمل، وتساعد في تقييم أداء الاستثمارات الحكومية بشكل عام.
آلية إلغاء العمليات الاستثمارية
تُطبق آليات إلغاء العمليات الاستثمارية على المشاريع التي لم يُعلن عن طلب المناقصة الخاص بها بحلول نهاية السنة المالية التالية لتسجيلها. يستند هذا الإجراء إلى المادة 34 من القرار رقم 03 الصادر بتاريخ 11 يناير 2023. يهدف هذا البند إلى ضمان عدم بقاء المشاريع غير الفعالة مسجلة لفترات طويلة دون البدء في خطوات تنفيذها، مما يحسن من كفاءة إدارة الاستثمارات العمومية. هذا الإجراء يضمن أن المشاريع المسجلة هي فقط تلك التي تمر بمراحل تنفيذ فعلية، ويزيل المشاريع المعلقة التي لا تتحرك نحو التنفيذ.
يمكن إلغاء عمليات الاستثمار العمومي، بصرف النظر عن سنة تسجيلها الأصلية، إذا لم تُخصص لها مبالغ بعد. يتم ذلك بناءً على طلب يقدمه مدير البرنامج المسؤول عن العملية. يوفر هذا الإجراء مرونة لإزالة المشاريع التي لم تحصل على التمويل اللازم من سجلات الميزانية، أو التي لم تعد ذات أولوية. تسمح هذه المرونة بتعديل خطط الاستثمار بما يتماشى مع الأولويات المتغيرة واحتياجات التمويل، مما يعزز من ديناميكية إدارة المشارثيع الحكومية.
يُصدر قرار الإلغاء لعمليات الاستثمار بموجب قرار وزاري صادر عن وزير المالية. يؤكد هذا الإجراء أن قرار إلغاء المشاريع الحكومية يقع ضمن صلاحيات ومسؤوليات السلطة المالية العليا، مما يضمن التنسيق المركزي والرقابة على هذه القرارات الهامة، ويحافظ على سلامة خريطة الاستثمار العمومي. هذا المستوى من السلطة في اتخاذ قرار الإلغاء يعكس الأهمية الاستراتيجية لهذه القرارات وتأثيرها على الميزانية العامة للدولة.