بعد عشرين عاماً على عملية أسر الجندي جلعاد شاليط بالقرب من معبر كرم أبو سالم، بدأ الجيش الإسرائيلي برفع السرية عن سجلات العمليات المتعلقة بالحادثة. تُظهر هذه السجلات تفاصيل جديدة حول الظروف التي أحاطت بالهجوم الذي أدى إلى أسر شاليط، وتكشف عن تعقيدات الاستجابة العسكرية الإسرائيلية في ذلك الوقت. تمثل هذه الخطوة جزءاً من عملية أوسع لتقييم الأحداث الأمنية الهامة ودروسها المستفادة، وتأتي في سياق محاولات فهم أعمق للتحديات الأمنية التي واجهتها إسرائيل على مر السنين، وتحديداً بعد مرور عقدين كاملين على الواقعة.
وتشير الوثائق إلى أن خلية مسلحة تابعة لحماس تسللت إلى الأراضي الإسرائيلية عبر نفق حفر تحت السياج الأمني. شنت الخلية هجومها على وحدة مدرعة تابعة لجيش الدفاع الإسرائيلي (Tsahal) كانت تعمل بالقرب من كرم أبو سالم. أسفر الهجوم عن مقتل اثنين من الجنود الإسرائيليين، وهما الملازم حنان براك والرقيب أول بافيل سلاتسكر (Pavel Slutsker)، وإصابة أربعة آخرين، بالإضافة إلى أسر الجندي جلعاد شاليط، مما فجر أزمة استمرت لسنوات طويلة وألقت بظلالها على المشهد السياسي والأمني في المنطقة، وشكلت تحدياً كبيراً للقيادة العسكرية والأمنية الإسرائيلية.
تفاصيل عملية الأسر والفوضى الأولية
في الخامس والعشرين من يونيو/حزيران عام 2006، وفي تمام الساعة 5:13 صباحًا، سُمعت عدة انفجارات في قطاع كرم أبو سالم، وفقًا لما كشفته وثائق إسرائيلية رفعت عنها السرية مؤخرًا. تشير هذه الوثائق إلى تفاصيل دقيقة حول الساعات الأولى لعملية أسر الجندي جلعاد شاليط، والتي بدأت بتلك الانفجارات التي هزت المنطقة الحدودية وأحدثت حالة من الارتباك الأولي، حيث لم تكن الأجهزة الأمنية الإسرائيلية قد استوعبت بعد حجم وطبيعة الهجوم الذي كان يجري.
بعد وقت قصير من الهجوم، قام المهاجمون بالاستيلاء على الجندي جلعاد شاليط واقتادوه عبر الحدود، في خطوة فاجأت القوات الإسرائيلية وأدت إلى اضطراب واسع في صفوفها. تكشف السجلات التي تم الإفراج عنها عن حجم الفوضى وعدم اليقين الذي ساد في المراكز القيادية الإسرائيلية خلال تلك الساعات الحرجة، حيث كانت المعلومات شحيحة وغير مؤكدة، مما أثر على سرعة ودقة الاستجابة الأولية.
نشرت أرشيفات جيش الدفاع الإسرائيلي (Tsahal) في وزارة الدفاع سجلات عمليات فورية من مركز قيادة اللواء الجنوبي، ضمن فرقة غزة، توثق الأحداث لحظة بلحظة. توفر هذه السجلات نظرة غير مسبوقة على التحديات التي واجهتها القيادة العسكرية في فهم ما يجري على الأرض والاستجابة له، وسط حالة من الضبابية والتوتر الشديد، حيث كانت القرارات تتخذ بناءً على معلومات جزئية ومتضاربة في بعض الأحيان.
في تمام الساعة 5:14 صباحًا، أي بعد دقيقة واحدة فقط من أول بلاغ عن الانفجارات، ظهرت عبارة "هناك ضحايا" في سجل العمليات. هذه العبارة البسيطة كانت أول مؤشر على خطورة الوضع وتصاعده السريع من مجرد اشتباك إلى حادثة أمنية كبرى ذات تداعيات محتملة، مما دفع القيادة إلى رفع مستوى التأهب. هذا التقرير المبكر عن وقوع ضحايا عكس السرعة التي تطورت بها الأحداث، وأشار إلى أن الهجوم لم يكن مجرد عملية تسلل عادية، بل كان هجوماً منسقاً وواسع النطاق.
تفاقمت حالة عدم اليقين مع مرور الوقت، إذ لم يتم التأكد من مصير الجنود بشكل فوري. ففي الساعة 6:40 صباحًا، ورد بلاغ في السجل يفيد بأن "جندي مفقود من الدبابة". هذا البلاغ أشار بوضوح إلى احتمال وقوع عملية أسر، ما أضاف بعدًا جديدًا للعملية، حيث تحول الاهتمام من مجرد الهجوم إلى البحث عن جندي مفقود، وسط قلق متزايد. هذا التقرير كان بمثابة إعلان غير مباشر عن فقدان أحد الجنود في قلب المعركة، مما غير من طبيعة المهمة العسكرية من صد الهجوم إلى مهمة إنقاذ محتملة أو بحث عن مفقود.
تطلب الأمر بعض الوقت قبل أن يتم التأكد الرسمي من هوية الجندي المأسور. وفي تمام الساعة 8:00 صباحًا، تم تأكيد هوية الجندي المخطوف رسميًا في السجل: "جلعاد شاليط". هذا التأكيد حول عملية الأسر إلى أزمة وطنية ودولية استمرت لسنوات، وأثار موجة من ردود الأفعال على المستويات كافة، من القيادة السياسية والعسكرية إلى الرأي العام الإسرائيلي والعالمي، مما وضع الحكومة الإسرائيلية تحت ضغط هائل للعمل على إطلاق سراحه.
تفعيل أمر هانيبال وتداعياته
كشفت الوثائق أن التوقيت الرسمي لاختطاف الجندي جلعاد شاليط، والذي سُجل في تمام الساعة 8:00 صباحًا، جاء بعد قرابة ثلاث ساعات من إطلاق أولى الرصاصات. وخلال هذه الفترة، وقعت اشتباكات عنيفة أسفرت عن مقتل الملازم حنان براك والرقيب أول بافيل سلاتسكر (Pavel Slutsker)، وهما جنديان فقدا حياتهما في محاولة صد الهجوم الأولي والدفاع عن الموقع. هذا التأخير في تأكيد الأسر يعكس الفوضى والتحديات الميدانية التي واجهتها القوات الإسرائيلية في الساعات الأولى من الهجوم، حيث كانت المعلومات تتسرب ببطء وكانت غير مكتملة.
وفي تطور لاحق، وتحديداً عند الساعة 7:12 صباحًا، أشار تقرير إلى العثور على سترة واقية من الرصاص وخوذة ملطخة بالدماء بالقرب من السياج الأمني. هذا الاكتشاف عزز المخاوف بشأن مصير الجندي المفقود وألمح إلى طبيعة الاشتباك العنيف الذي وقع، مما زاد من قلق القيادة العسكرية حول ما إذا كان الجندي قد قتل أو أصيب بجروح بالغة، أو أنه قد تم أسره بالفعل.
بعد أربع دقائق من هذا التقرير، وتحديداً عند الساعة 7:16 صباحًا، قام جيش الدفاع الإسرائيلي (Tsahal) بتفعيل "توجيه حنبعل" رسمياً. ويُلاحظ أن رمز "حنبعل" كان قد ظهر للمرة الأولى في السجلات عند الساعة 6:44 صباحًا، مما يشير إلى البدء المبكر في النظر في هذا الإجراء الذي يهدف إلى منع أسر الجنود بأي ثمن، حتى لو تطلب ذلك تعريض حياة الجندي المأسور للخطر. تفعيل هذا التوجيه يعكس مدى خطورة الموقف في نظر القيادة العسكرية ورغبتها في منع تحويل الجندي المأسور إلى ورقة تفاوضية.
وفي الساعة 7:46 صباحًا، سجلت التقارير أنه "لم يتم العثور على أي أثر لجر الجندي، ولكن تم اكتشاف سترة واقية من الرصاص وخوذة على السياج"، مما يؤكد فقدانه ويضفي مزيدًا من الغموض على مصيره، ويزيد من الضغوط على القيادة العسكرية لاتخاذ قرارات سريعة. هذا التقرير الأخير حول الأدلة المادية المتبقية في موقع الهجوم أشار بوضوح إلى أن الجندي قد اختفى تماماً من مسرح العمليات، مما عزز فرضية الأسر وألغى أي احتمال لهروبه أو اختبائه في المنطقة.
مع تصاعد الأزمة، تم نشر قوات مصرية على طول الحدود بين غزة وسيناء عند الساعة 8:45 صباحًا، بهدف منع أي نقل محتمل للجندي المأسور إلى داخل الأراضي المصرية، في محاولة لوقف أي محاولة لتهريبه بعيداً عن متناول القوات الإسرائيلية. وفي الساعة 5:38 مساءً، دخلت شائعة إلى السجلات تفيد بأن الجندي ربما نُقل عبر نفق إلى مصر. ولم يمض وقت طويل حتى تم تحديد مدخل نفق في منزل قريب من موقع الهجوم عند الساعة 5:51 مساءً، مما أضاف بعدًا جديدًا للتحقيقات وأثار مخاوف بشأن مسار عملية الأسر، مؤكداً التكتيكات المعقدة التي استخدمها المهاجمون. هذه الشائعات وتحديد موقع النفق أكدت المخاوف الإسرائيلية من أن الخاطفين قد استخدموا بنية تحتية معقدة للتخفي ونقل الجندي بعيداً عن متناول القوات الإسرائيلية، مما زاد من تعقيد مهمة البحث والإنقاذ.
سنوات الأسر والإفراج والمستقبل
تُنسب عملية أسر الجندي جلعاد شاليط إلى حركة حماس، التي كانت تعد لها لمدة ثلاثة أسابيع تقريباً قبل تنفيذها، في عملية دقيقة ومخطط لها بعناية. وقد شكلت العملية نقطة تحول في العلاقة بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية في غزة، وأدت إلى تداعيات أمنية وسياسية واسعة النطاق استمرت لسنوات طويلة، وغيرت ديناميكيات الصراع، وأثرت على استراتيجيات الأمن الإسرائيلية تجاه القطاع.
بعد ثلاثة أيام من عملية الأسر، أطلق جيش الدفاع الإسرائيلي (Tsahal) عملية "أمطار الصيف"، والتي مثلت أول انتشار بري كبير للقوات الإسرائيلية في قطاع غزة منذ الانسحاب أحادي الجانب في عام 2005. استهدفت العملية البنية التحتية لحماس في القطاع، سعيًا للضغط من أجل إطلاق سراح شاليط، وشملت غارات جوية مكثفة وتوغلات برية واسعة النطاق في محاولة لإنقاذ الجندي أو الحصول على معلومات حول مكانه، مما أدى إلى تصعيد كبير في المنطقة. هذه العملية العسكرية الواسعة النطاق عكست مدى تصميم إسرائيل على استعادة جنديها، لكنها لم تحقق هدفها المباشر في إطلاق سراح شاليط.
احتجزت حماس جلعاد شاليط أسيراً لأكثر من خمس سنوات، وهي فترة شهدت مفاوضات معقدة ومتقطعة بوساطة دولية مكثفة، شملت أطرافاً متعددة سعت للتوصل إلى حل. وقد أثرت قضية شاليط بشكل كبير على الرأي العام الإسرائيلي، ووضعت ضغوطاً متزايدة على الحكومات المتعاقبة لإطلاق سراحه، حيث أصبحت قضيته قضية وطنية بامتياز. استمرت هذه القضية في تصدر عناوين الصحف الإسرائيلية والعالمية، وأصبحت رمزاً للتحديات التي تواجهها إسرائيل في التعامل مع قضايا الأسرى.
في أكتوبر/تشرين الأول 2011، أُطلق سراح جلعاد شاليط في إطار صفقة تبادل أسرى واسعة النطاق، حيث استعادت إسرائيل جنديها مقابل إطلاق سراح 1,027 أسيراً فلسطينياً من السجون الإسرائيلية. كانت هذه الصفقة من أكبر صفقات التبادل في تاريخ الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وأثارت جدلاً واسعاً حول الثمن الذي دفعته إسرائيل مقابل استعادة جنديها، والتداعيات الأمنية المحتملة لإطلاق سراح هذا العدد الكبير من الأسرى.
كان من بين الأسرى الفلسطينيين المفرج عنهم في تلك الصفقة يحيى السنوار، الذي أصبح لاحقاً قائداً لحركة حماس في قطاع غزة، ويُعد مهندساً رئيسياً لهجمات 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. وقد أثار إطلاق سراح السنوار جدلاً واسعاً في إسرائيل، خاصة بعد دوره في الأحداث الأخيرة، مما أعاد تسليط الضوء على تداعيات تلك الصفقة على المدى الطويل، وأثار تساؤلات حول استراتيجيات التعامل مع الأسرى في المستقبل. هذه الوثائق والدروس المستفادة منها لا تزال تشكل جزءاً حيوياً من النقاشات الأمنية والعسكرية في إسرائيل، وتؤثر على التخطيط للتعامل مع التهديدات المستقبلية، وتحديداً في ضوء التطورات الأخيرة في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.