دعت نخب سياسية فرنسية، مؤخرًا، حكومة بلادها إلى التعاون مع الجزائر لإنقاذ المصالح الفرنسية في مالي ومنطقة الساحل الأفريقي الناطقة بالفرنسية، وذلك عقب تقارب جزائري مالي حديث. وتأتي هذه الدعوات في سياق محاولات بعض النخب السياسية الفرنسية توجيه بوصلة حكومتهم نحو الاستفادة من التقارب الأخير بين الجزائر والسلطات الحاكمة في مالي. يهدف هذا التوجه إلى الحفاظ على مصالح باريس في منطقة الساحل وأفريقيا الفرنكوفونية بشكل عام.
تجسد هذا التوجه في سؤال برلماني وُجّه إلى وزير أوروبا والشؤون الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو (Jean-Noël Barrot). تقدمت بالسؤال صوفيا شيكيرو (Sophia Chikirou)، زعيمة ونائبة عن حزب "فرنسا الأبية" (France Unbowed). وقد بنت شيكيرو صياغة سؤالها على فشل عمليتي "سرفال" (Serval) و"برخان" (Barkhane) في تحقيق الاستقرار بدولة مالي، مما يشكل انتقادًا مباشرًا للسياسة الفرنسية في منطقة الساحل. وقالت شيكيرو في سؤالها: "تقييم الحكومة الفرنسية للدور الذي يمكن أن تلعبه الجزائر في التوصل إلى حل سياسي للأزمة في مالي، وطبيعة الاتصالات التي تجريها فرنسا مع الجزائر في هذا الصدد، وما إذا كانت تنوي دعم الوساطة الإقليمية بشكل مباشر أو غير مباشر، مما سيعيد فتح أفق سياسي للتوصل إلى تسوية لأزمة مالي". يوجد تيار داخل الساحة السياسية الفرنسية يرى أن الجزائر شريك لا يمكن تجاوزه للخروج من الأزمة في مالي.
فشل السياسات الفرنسية في منطقة الساحل
تُعتبر فرنسا مسؤولة عن الجمود السياسي والأمني والعسكري الراهن في منطقة الساحل، بحسب مراقبين. وقد بدأ هذا الجمود في المنطقة منذ عام 2013، في إشارة إلى بدء العمليات العسكرية الفرنسية هناك. وقد حذرت الجزائر، في أكثر من مناسبة، من الاعتماد على الخيار العسكري فقط في مالي، مشددة على ضرورة البحث عن حلول سياسية شاملة. ويأتي هذا التحذير الجزائري في سياق دعوات فرنسية متزايدة لإعادة تقييم السياسات المتبعة في المنطقة والبحث عن شركاء جدد للخروج من الأزمة. هذه الدعوات تشير إلى أن الاستراتيجيات السابقة لم تحقق الأهداف المرجوة، وأن هناك حاجة ماسة لمقاربة مختلفة تعتمد على الدبلوماسية والتعاون الإقليمي.
دور الجزائر المحوري في الأزمة المالية
طرح السؤال البرلماني، الذي تقدمت به صوفيا شيكيرو، تساؤلات حول "تقييم الحكومة الفرنسية للدور الذي يمكن أن تلعبه الجزائر في التوصل إلى حل سياسي للأزمة في مالي". كما استفسرت شيكيرو عن "طبيعة الاتصالات التي تجريها فرنسا مع الجزائر في هذا الصدد، وما إذا كانت تنوي دعم الوساطة الإقليمية بشكل مباشر أو غير مباشر، مما سيعيد فتح أفق سياسي للتوصل إلى تسوية لأزمة مالي". هذه الاستفسارات تعكس قناعة متزايدة بضرورة إشراك الجزائر كلاعب رئيسي في أي حل مستقبلي للأزمة.
تأتي هذه الدعوات في ظل الدور التاريخي الذي لعبته الجزائر في اتفاق السلام والمصالحة الموقع في الجزائر عام 2015. وقد جرى هذا الاتفاق بين السلطات المركزية في باماكو والفصائل المعارضة الشمالية، تحت رعاية الأمم المتحدة. وقد أظهرت الجزائر قدرتها على جمع الأطراف المتنازعة على طاولة المفاوضات، مما يؤكد نفوذها الدبلوماسي في المنطقة. وتمتلك الجزائر نفوذاً سياسياً وأمنياً في مالي والمنطقة المحيطة بها، وهو نفوذ لا يمكن لفرنسا تجاهله. ويشير مراقبون إلى أن أي حل مستدام في مالي يصعب تحقيقه دون دور فعال للجزائر، مؤكدين على أهمية التعاون معها لضمان استقرار طويل الأمد.
محتوى السؤال البرلماني وتداعياته
يهدف السؤال البرلماني إلى الضغط على الحكومة الفرنسية للتعاون مع الجزائر ودعم أي وساطة إقليمية قد تقودها الأخيرة. كما استفسر السؤال عن طبيعة الاتصالات التي تجريها فرنسا مع الجزائر في هذا الصدد، وإذا ما كانت فرنسا تنوي دعم الوساطة الإقليمية بشكل مباشر أو غير مباشر. وفي حين تطلب النائبة صوفيا شيكيرو من الحكومة الفرنسية الكشف عن هذه الاتصالات، لم تصدر الدولة الفرنسية علناً أي إشارة لوجود اتصالات مع الجزائر في هذا الشأن، وفقاً لمصدر متخصص. ويسعى هذا التحرك البرلماني إلى إبراز أهمية الدور الجزائري المحتمل في إيجاد حل سياسي للأزمة المالية، خاصة في ظل النفوذ الذي تتمتع به الجزائر في المنطقة. هذا الضغط البرلماني يعكس تزايد الأصوات داخل فرنسا التي تدعو إلى إعادة النظر في المقاربات التقليدية والبحث عن حلول أكثر واقعية وفعالية.
الدعوة لتغيير المقاربة الفرنسية
ويهدف هذا التحرك إلى تغيير العقيدة الفرنسية في مالي، والانتقال من مقاربة عسكرية بحتة إلى نهج سياسي شامل يشمل الحوار والوساطات الإقليمية. ويأتي ذلك في سياق دعوات متزايدة داخل الأوساط السياسية الفرنسية لإعادة تقييم الاستراتيجية المتبعة في منطقة الساحل الأفريقي، والاعتراف بأهمية الحلول الدبلوماسية والتنسيق مع الأطراف الإقليمية الفاعلة، لا سيما الجزائر، لحل الأزمة المستمرة. هذه الدعوات تؤكد على ضرورة اعتماد استراتيجية أكثر مرونة وشمولية تضع في اعتبارها تعقيدات الوضع الإقليمي وتستفيد من الخبرات والنفوذ المحليين.