في الجزائر، كان لبعض العبارات الفرنسية ونطقها الدقيق تأثير ملحوظ على المكانة الاجتماعية، حيث يشير الكاتب إلى زمن كان فيه قول "effectivement" مرتين، وإضافة "voilà" في نهاية الجملة، مع العناية بنطق حرف الـ "R" بشكل خاص، كافياً لرفع القيمة الاجتماعية للفرد. يوضح الكاتب أن "كان بالإمكان أن تقول كلامًا عاديًا جدًا، لكن إذا قلته بالفرنسية وبالنبرة المناسبة بدا كأنه أطروحة في السوربون". وبالنسبة لأجيال كاملة، مثلت اللغة الفرنسية جسراً أساسياً نحو الجامعة والإدارة والعلم والعالم، فمن أتقنها "استعمل ببساطة المفتاح الذي وُضع بين يديه". فقد كانت اللغة الفرنسية، لأجيال عديدة، بمثابة الجسر الأساسي الذي يربطهم بالجامعة والإدارة والعلم والعالم الأوسع.
لكن المشكلة، بحسب الكاتب، لم تكن في المعرفة بحد ذاتها، بل بدأت "حين تحوّل المفتاح إلى شارة، والمعرفة إلى امتياز، واللغة إلى طريقة لقياس الناس بدل أن تكون وسيلة للتفاهم بينهم". ويؤكد الكاتب أن المشكلة الحقيقية نشأت عندما تحولت اللغة الفرنسية من مجرد أداة للمعرفة إلى رمز للمكانة الاجتماعية، ومن وسيلة للتفاهم إلى معيار لتقييم الأفراد وتصنيفهم. ورغم أن الكاتب نفسه من جيل تعلّم وعمل وكتب بالفرنسية واكتشف من خلالها الكثير، إلا أنه لا يدعو إلى محوها أو الانتقام منها، بل إلى وضعها في مكانها الطبيعي. يشير الكاتب إلى أنه تعلم وقرأ وعمل وكتب بالفرنسية، واكتشف من خلالها كتبًا وأفكارًا وأشخاصًا لم يكن ليصل إليهم بسهولة بغيرها. يتساءل الكاتب عن السبب وراء استمرار اعتبار الفرنسية اللغة الأكثر "طبيعية" للمهنية والأناقة الاجتماعية في بعض فضاءات العاصمة الجزائرية، بعد مرور أكثر من ستة عقود على الاستقلال. ويضيف الكاتب: "ما يستوقفني هو سؤال أبسط: لماذا، بعد أكثر من ستة عقود من الاستقلال، ما تزال الفرنسية في بعض فضاءات عاصمتنا تُعتبر تلقائيًا اللغة الأكثر «طبيعية» للمهنية والأناقة الاجتماعية؟".
إرث الفرنسية: أداة امتياز أم رمز اجتماعي؟
بالنسبة لأجيال كاملة، مثّلت اللغة الفرنسية جسراً أساسياً نحو الجامعة والإدارة والعلم والعالم، فمن أتقنها "استعمل ببساطة المفتاح الذي وُضع بين يديه"، بحسب الكاتب. ويشير الكاتب إلى أن زمنًا في الجزائر كان يكفي فيه قول "effectivement" مرتين، ووضع "voilà" في نهاية الجملة، مع العناية بنطق حرف الـ "R" بشكل خاص، لترتفع القيمة الاجتماعية للفرد فجأة. ويضيف الكاتب: "كان بالإمكان أن تقول كلامًا عاديًا جدًا، لكن إذا قلته بالفرنسية وبالنبرة المناسبة بدا كأنه أطروحة في السوربون".
في الجزائر العاصمة، غالباً ما تكون كلمة "Bonjour" هي التحية الأولى التي تُسمع في الفنادق والمطاعم والمحلات التجارية والمقاهي، حيث تُنظر إليها على أنها تلقائية ومهنية وأنيقة. ويرى الكاتب أن "Bonjour تلقائية، مهنية، أنيقة، تكاد تبدو جزءًا من الزي الرسمي للاستقبال، كأن العاصمة الجزائرية مطالبة بأن تُبرز جواز سفرها اللغوي قبل أن تقدم لك فنجان قهوة". ويلاحظ الكاتب أن هذا الأمر يثير تساؤلاً حول سبب استمرار اعتبار الفرنسية اللغة الأكثر "طبيعية" للمهنية والأناقة الاجتماعية في بعض فضاءات العاصمة الجزائرية، بعد مرور أكثر من ستة عقود على الاستقلال.
يؤكد الكاتب أنه من جيل تعلّم وقرأ وعمل وكتب بالفرنسية، واكتشف من خلالها كتبًا وأفكارًا وأشخاصًا لم يكن ليصل إليهم بسهولة بغيرها. ويقول الكاتب: "الفرنسية بالنسبة إليّ ليست لغة غريبة عن الذاكرة، بل جزء من مسار كامل". ويوضح الكاتب أنه لا يدعو إلى محوها أو الانتقام منها، بل إلى "وضعها في مكانها الطبيعي". ويضيف الكاتب أن المشكلة لم تكن في المعرفة بحد ذاتها، بل بدأت "حين تحوّل المفتاح إلى شارة، والمعرفة إلى امتياز، واللغة إلى طريقة لقياس الناس بدل أن تكون وسيلة للتفاهم بينهم".
بعد الاستقلال، عاش الجزائريون حياتهم اليومية بلغتهم الدارجة، لكنهم واجهوا حواجز إدارية أمامها، إذ يصف الكاتب الوضع بأنه "إنجاز". فقد كانت الحياة اليومية للجزائريين تجري بلهجاتهم الدارجة، لكنهم كانوا يصطدمون بحواجز إدارية عند محاولتهم التعامل مع المؤسسات الرسمية بهذه اللغات.
الرواية الاستعمارية وتشويه التاريخ الجزائري
تؤكد الحقائق التاريخية أن الجزائر كانت موجودة ككيان حضاري قبل وصول فرنسا إليها. ويُقدم السرد الاستعماري القائل بأن "فرنسا بنت الجزائر" على أنه تشويه تاريخي يهدف إلى طمس هذه الحقيقة. يرفض الكاتب السردية التي تشير إلى أن الجزائر احتاجت إلى "ختم إداري أوروبي لكي تبدأ في الوجود"، مؤكدًا أن هذا "غير مقبول" وأن "الاستعمار لم يصل إلى فراغ؛ وصل إلى بلد". فقد كانت الجزائر موجودة ككيان حضاري قبل وصول فرنسا. تاريخ الجزائر العاصمة نفسه يسبق الوجود الفرنسي بقرون، متراكماً بطبقات من الحضارات الأمازيغية، والمتوسطية، والفينيقية، والرومانية، والإسلامية، والزيرية، والعثمانية. كان السرد الاستعماري يهدف إلى احتلال نقطة البداية نفسها، جاعلاً من عام 1830 عام الصفر، متجاهلاً بذلك التاريخ العريق للبلاد. ففي عام 1832، على سبيل المثال، أنشأت الإدارة الاستعمارية "حديقة التجارب" (Jardin d'Essai)، في سياق محاولاتها لفرض رؤيتها على الأرض وتغيير معالمها الحضارية.
غير أن تاريخ مدينة الجزائر، كما هو الحال بالنسبة للجزائر ككل، أبعد بكثير من عام 1830. فقد كانت الجزائر حاضرة قبل وصول فرنسا. إن البنية التحتية الاستعمارية لا تمنح حقوقًا أبوية على الأرض أو البلد، بل هي مجرد جزء من تاريخ الاحتلال. إن الإقرار بوجود الجزائر ككيان حضاري مستقل قبل الاستعمار الفرنسي هو خطوة أساسية نحو فهم هويتها الحقيقية.
يُشير الكاتب إلى أن الحضارة الإسلامية، في فترات ازدهارها، قامت بترجمة ومناقشة وتطوير وإضافة إلى مجالات مثل الجبر والطب والبصريات والفلك والفلسفة ورسم الخرائط، مستندة إلى إرث الحضارات اليونانية والفارسية والهندية. هذا يؤكد أن المعرفة ليست حكراً على حضارة واحدة، وأن التفاعل بين الثقافات يثريها.
الإنجليزية: ضرورة استراتيجية للمستقبل الرقمي
تتزايد تساؤلات الجيل الشاب في الجزائر حول مدى إتقان اللغة الإنجليزية، حيث يستخدمون أجهزة الكمبيوتر بشكل متزايد لتعلم البرمجة والذكاء الاصطناعي والتواصل مع أقرانهم حول العالم. ويُنظر إلى اللغة الإنجليزية على أنها ضرورة استراتيجية للعلم والتكنولوجيا والبحث والاقتصاد الرقمي والتواصل الأكاديمي العالمي. هذا الجيل الشاب، الذي يسأل "هل تتحدث الإنجليزية؟"، يدرك أن المستقبل يتطلب أدوات لغوية جديدة تفتح له آفاقاً أوسع في عالم سريع التطور.
وفي هذا السياق، يشير المقال إلى أن البنية التحتية الاستعمارية لا تمنح حقوقًا أبوية على الأرض أو البلد. ويُشجع على تعلم اللغات الأجنبية مثل الإنجليزية والإسبانية والصينية، مؤكداً أن المعرفة لا تتطلب عادات محددة. فالانفتاح على لغات وثقافات متعددة يعزز القدرة على الابتكار والتواصل، ويسمح للجزائر بأن تكون جزءاً فاعلاً في الحوار العالمي.
وفي إطار التوجه نحو تعزيز اللغة الإنجليزية، سيتم تقديمها للطلاب الجزائريين في الصف الثالث الابتدائي بدءًا من العام الدراسي 2026-2027. وعلى النقيض، سيتم تقديم اللغة الفرنسية للطلاب الجزائريين في الصف الرابع الابتدائي بدءًا من العام الدراسي نفسه 2026-2027. وقد تخرجت بالفعل الدفعات الجامعية الأولى التي تلقت تعليمها بالكامل باللغة الإنجليزية في تخصصات كاملة، مما يعكس هذا التحول اللغوي في المنظومة التعليمية ويؤكد على الأهمية المتزايدة للغة الإنجليزية كأداة للتقدم المعرفي والاقتصادي.
نحو مصالحة لغوية متوازنة
يدعو الكاتب إلى إنهاء امتياز اللغة الفرنسية في الجزائر، لا إلى محوها أو الانتقام منها، موضحًا أن المشكلة لم تكن في المعرفة، بل بدأت "حين تحوّل المفتاح إلى شارة، والمعرفة إلى امتياز، واللغة إلى طريقة لقياس الناس بدل أن تكون وسيلة للتفاهم بينهم". هذا الموقف لا يعني العداء للفرنسية، بل هو دعوة لإعادة تقييم مكانتها في المجتمع الجزائري. ويرفض الكاتب السردية التي تشير إلى أن الجزائر احتاجت إلى "ختم إداري أوروبي لكي تبدأ في الوجود"، مؤكدًا أن هذا "غير مقبول" وأن "الاستعمار لم يصل إلى فراغ؛ وصل إلى بلد". هذا التأكيد يعزز فكرة أن الجزائر ذات تاريخ وهوية متجذرة لا تحتاج إلى إذن من أحد لتعريف وجودها.
ويقترح الكاتب مصالحة لغوية تقوم على احترام لغات متعددة: العربية لعمقها الثقافي والحضاري، والأمازيغية لجذرها الوطني الأصيل، ولهجات الجزائر الدارجة لواقعها المعيش، والفرنسية لما تمنحه من ثقافة ومعرفة وذاكرة، والإنجليزية لما تفتحه من أبواب العلم والتكنولوجيا والعالم. هذه المصالحة اللغوية تهدف إلى بناء هوية لغوية وطنية شاملة ومتوازنة، تعترف بكل مكوناتها وتستفيد من تنوعها. ويعرب الكاتب عن رغبته في جزائر "تعرف من تكون، ثم تتكلم مع العالم بكل اللغات التي تستطيع"، لا جزائر تتكلم لغة واحدة فقط. فالمعرفة لا تتطلب عادات محددة، وتشجيع تعلم اللغات الأجنبية مثل الإنجليزية والإسبانية والصينية هو أمر ضروري للانفتاح على العالم. وستظل الفرنسية، بحسب الكاتب، لغة للثقافة والأدب والفكر والذاكرة، ونافذة على جزء من تاريخ الجزائر الحديث، ولكن دون أن تكون المهيمنة أو المعيار الوحيد للتقدم الاجتماعي أو المهني. هذه الرؤية تسعى نحو جزائر متعددة اللغات، قادرة على التعبير عن ذاتها والتواصل مع العالم بكل ثقة واقتدار.