أجرت فرنسا 17 تجربة نووية في الجزائر بين عامي 1960 و1966، مما أثار جدلاً مستمراً حول المسؤولية والشفافية بين البلدين. تضمنت هذه التجارب أربع تفجيرات جوية و13 تفجيراً تحت الأرض في مواقع مثل رقان (Reggane) وعين إيكر (In Ekker) بالصحراء الجزائرية. وصفت الاستجابة الفرنسية لهذا الملف بأنها "جاهزة ومعلبة"، ولا تتماشى مع المطالب الجزائرية المتعلقة بالتعويض وتطهير المواقع المتضررة، وفقاً لمصادر مطلعة على الموقف الجزائري. يمثل هذا الملف نقطة توتر رئيسية في العلاقات الثنائية، حيث تسعى الجزائر إلى الحصول على اعتراف كامل بالأضرار وتعويضات شاملة، بينما تتحفظ باريس على تقديم معلومات حساسة وتخشى من تداعيات أوسع.
تاريخ التجارب النووية الفرنسية في الجزائر
أُجريت التجارب النووية الفرنسية في الصحراء الجزائرية بين عامي 1960 و1966، وتركزت بشكل أساسي في موقعين رئيسيين هما رقان وعين إيكر. شهدت منطقة رقان، الواقعة في جنوب غرب الجزائر، التفجيرات الجوية الأولى، حيث كانت فرنسا تسعى لاختبار قدراتها النووية الوليدة. وقد بلغ عدد هذه التفجيرات الجوية أربع تجارب، مما أدى إلى انتشار الغبار النووي على نطاق واسع. تلا ذلك الانتقال إلى موقع عين إيكر في منطقة الهقار، حيث أجريت التجارب تحت الأرض. بلغ عدد هذه التجارب تحت الأرض 13 تفجيراً، وكانت تهدف إلى تقليل الانتشار الإشعاعي المباشر، لكنها خلفت تلوثاً باطنياً كبيراً. هذه المواقع الصحراوية الشاسعة اختيرت لعزلتها، لكنها أدت إلى تداعيات بيئية وصحية طويلة الأمد على السكان المحليين والبيئة المحيطة، وهو ما يشكل جزءاً كبيراً من الجدل الدائر حالياً بين البلدين حول مسؤولية فرنسا تجاه هذه الأضرار.
بعد انتهاء هذه التجارب، تم تفكيك المنشآت النووية الفرنسية في الجزائر بشكل تدريجي. وبموجب اتفاقيات إيفيان، التي أنهت الحرب الجزائرية الفرنسية في عام 1962، تم إعادة المواقع التي استخدمت للتجارب النووية إلى السلطات الجزائرية. نصت الاتفاقيات على انسحاب القوات الفرنسية وتسليم المنشآت، بما في ذلك تلك المتعلقة بالبرنامج النووي، مع انتقال السيادة الكاملة على الأراضي الجزائرية. ومع ذلك، لا تزال قضية تطهير هذه المواقع من المخلفات المشعة والتعويض عن الأضرار الناجمة عن التجارب تمثل نقطة خلاف رئيسية بين باريس والجزائر، حيث ترى الجزائر أن عملية التسليم لم تشمل معالجة شاملة للتلوث الإشعاعي، وأن التفاصيل المتعلقة بمواقع دفن النفايات والمعدات المستخدمة لم تُسلم بالكامل.
الجهود الدولية والتقييمات الفرنسية للمواقع
قدمت فرنسا تقييماً إشعاعياً للمواقع التي شهدت تجارب نووية في الجزائر وذلك بين عامي 1966 و1967، في أعقاب توقف التجارب مباشرة. وقد جاء هذا التقييم كخطوة أولية لتقدير حجم التلوث بعد مغادرة القوات الفرنسية. وفي سياق الجهود الدولية لتقييم الوضع، أرسلت الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA) بعثة في عام 1999 لتقييم الوضع الإشعاعي لمواقع التجارب النووية الفرنسية السابقة. كانت هذه البعثة تهدف إلى إجراء تقييم مستقل للتهديدات الإشعاعية المتبقية، حيث قامت بجمع البيانات وتحليلها لفهم الآثار المترتبة على تلك التجارب. وقد قدمت فرنسا للوكالة الدولية للطاقة الذرية ملخصاً للمعلومات المتعلقة بمواقع التجارب والتقنيات المستخدمة في تلك التجارب، وذلك في إطار التعاون مع البعثة الدولية، بهدف إظهار التزامها بالشفافية والتعاون الدولي.
نُشر تقرير أولي للوكالة الدولية للطاقة الذرية في عام 2005، وذلك بعد إدخال تعديلات عليه والحصول على موافقة الجزائر. هذا التقرير كان يمثل أول وثيقة دولية شاملة حول الوضع الإشعاعي للمواقع، وقد تضمن توصيات حول كيفية التعامل مع التلوث الإشعاعي المتبقي. وفي تطور موازٍ، درس تقرير برلماني فرنسي في عام 2001 الآثار البيئية والصحية المترتبة على التجارب النووية، مما عكس اعترافاً فرنسياً داخلياً بوجود هذه الآثار وضرورة معالجتها. وتأسس فريق عمل فرنسي-جزائري مشترك في عام 2008 لدراسة سبل إعادة تأهيل مواقع التجارب النووية السابقة، بهدف إيجاد حلول عملية للتلوث وتقديم توصيات مشتركة. هذا الفريق الثنائي كان يمثل محاولة لتعزيز التعاون المباشر بين البلدين لمعالجة هذه القضية المعقدة. هذه الجهود المتعددة، سواء كانت فرنسية أحادية أو دولية أو ثنائية، تؤكد على تعقيد الملف وضرورة التعامل معه من زوايا مختلفة، لكنها لم تصل بعد إلى حل نهائي يرضي الطرفين.
مطالب الجزائر والرد الفرنسي
صرحت الوزيرة الفرنسية كاثرين فوتران (Catherine Foutrain) بأن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قدم لنظيره الجزائري عبد المجيد تبون ملفاً يتضمن خرائط ومعلومات حول النفايات المدفونة والمناطق المشعة، وذلك خلال زيارة ماكرون للجزائر بين 25 و27 أغسطس 2022. وقد اعتبرت باريس هذه الخطوة بادرة حسن نية وتعاون، ومحاولة لفتح صفحة جديدة في العلاقات الثنائية. ومع ذلك، لا تزال الجزائر تطالب باريس بخرائط مفصلة وشاملة تتعلق بجميع مواقع التفجيرات النووية ومكبات النفايات، مؤكدة أن المعلومات المقدمة غير كافية لتحديد حجم المشكلة بدقة والبدء في عمليات التطهير الفعالة. الجزائر ترى أن هذا النقص في المعلومات يمثل عائقاً حقيقياً أمام أي جهود جادة لمعالجة التلوث والإشعاع.
وفي هذا السياق، يرى حسني خيتوني، أستاذ وباحث في التاريخ، أن السلطات الفرنسية لا تبدي جدية في إغلاق هذا الملف بشكل كامل. ويشير خيتوني إلى أن الرد الفرنسي على المطالب الجزائرية يوصف بأنه "جاهز ومعلب"، مما يعني أنه لا يلبي التطلعات الجزائرية الحقيقية ولا يعكس التزاماً كافياً بحل القضية جذرياً، بل يميل إلى تقديم حلول جزئية أو معلومات منقوصة. وتعارض فرنسا تسليم الخرائط الخاصة بالاختبارات النووية والكيميائية، بالإضافة إلى مواقع دفن النفايات والمعدات المستخدمة، متذرعة بـ "السرية العسكرية". هذا الرفض الفرنسي يثير شكوكاً حول مدى استعداد باريس للتعامل بشفافية تامة مع هذا الملف الحساس. ويؤكد الباحث حسني خيتوني أن القضية في جوهرها "سياسية وليست تقنية"، مما يعني أن الحل يتطلب إرادة سياسية وليس مجرد تبادل للمعلومات التقنية، وأن الجانب السياسي هو الذي يعرقل التقدم في هذا الملف.
ويخشى المسؤولون الفرنسيون من أن أي تنازلات تقدم للجزائر في هذا الملف قد تشجع دولاً أخرى تأثرت بالاستعمار الفرنسي على المطالبة بتعويضات مماثلة. هذا القلق يعكس حساسية القضية وتأثيرها المحتمل على العلاقات الدولية لفرنسا مع مستعمراتها السابقة، مما يجعل باريس حذرة في تعاملها مع هذا الملف المعقد. هذا التخوف من سابقة قد تفتح الباب لمطالبات أوسع نطاقاً، يدفع فرنسا إلى تبني موقف أكثر تحفظاً، مما يزيد من تعقيد الجهود الرامية إلى تسوية هذا الملف العالق بين البلدين.