فرنسا تشدّد سياسات الهجرة تجاه الجزائر بمراجعة اتفاقية 1968

Macron moves to tighten France’s 1968 migration deal with Algeria after deporting more than 140 Algerians in 5 months
الصورة عبر News

بدأت فرنسا مراجعة اتفاقية الهجرة الموقعة مع الجزائر عام 1968، في خطوة تهدف إلى تشديد الضوابط على حركة وإقامة المواطنين الجزائريين. تؤكد هذه المراجعة التزام فرنسا بتطبيق سياسات هجرة أكثر صرامة، خاصة فيما يتعلق بالجالية الجزائرية المقيمة على أراضيها. وقد أكدت وزارة الداخلية الفرنسية في الثالث من سبتمبر أن العمل على تعديل الاتفاقية الفرنسية الجزائرية لعام 1968 قد بدأ بالفعل، مشيرة إلى أن هذه العملية تأتي ضمن جهود أوسع لإعادة تقييم الإطار القانوني للهجرة.

في أغسطس 2025، كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قد أصدر تعليماته لحكومته لتشديد قواعد منح التأشيرات للدبلوماسيين الجزائريين، مما يعكس توجهاً واضحاً نحو تقليص التسهيلات الممنوحة للمسؤولين الجزائريين. استؤنفت محادثات الهجرة بين البلدين بعد زيارة وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز (Gérald Darmanin) للجزائر في فبراير 2026، وهي الزيارة التي مهدت الطريق لتغييرات محتملة في الإطار القانوني للهجرة بين البلدين، بعد فترة من التوترات الدبلوماسية.

تصاعد التوترات الدبلوماسية والتبادل الدبلوماسي

تزايدت حدة التوترات الدبلوماسية بين فرنسا والجزائر بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة، حيث يرتبط قرار باريس في عام 2024 بدعم خطة المغرب للحكم الذاتي في الصحراء الغربية بتدهور العلاقات بين البلدين، مما أثار استياءً كبيراً في الجزائر. هذا الموقف الفرنسي، الذي يعتبر تحولاً في سياستها تجاه النزاع، أضاف طبقة جديدة من التعقيد للعلاقات الثنائية.

وفي تصعيد آخر للعلاقات، أمرت الجزائر في أبريل 2025 باثني عشر مسؤولاً فرنسياً بالمغادرة بعد أن ألقت فرنسا القبض على موظف قنصلي جزائري. جاء الرد الفرنسي سريعاً وحاسماً، ففي مايو 2025، طردت فرنسا اثني عشر مسؤولاً جزائرياً في خطوة متبادلة، مما يعكس عمق الأزمة الدبلوماسية بين العاصمتين. هذه الأحداث المتتالية تسلط الضوء على هشاشة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.

كما شهدت العلاقات توتراً بسبب قضايا أخرى ذات طابع ثقافي وسياسي، ففي نوفمبر 2024، احتجزت الجزائر الكاتب الفرنسي الجزائري بوعلام صنصال، وهو ما أثار قلقاً في الأوساط الثقافية الفرنسية. وعلى صعيد السياسة الخارجية، عارضت الجزائر التدخل العسكري في النيجر بعد الانقلاب الذي وقع عام 2023، وهو موقف يختلف بشكل جوهري عن النهج الفرنسي الذي دعا إلى استعادة النظام الدستوري بالقوة. وعلاوة على ذلك، حافظت الجزائر على علاقات دفاعية وثيقة مع روسيا، مما يضيف طبقة أخرى من التعقيد إلى ديناميكية علاقاتها مع فرنسا، خاصة في ظل التوترات الجيوسياسية العالمية.

أرقام الهجرة والاحتجاز والإقامة

في سياق تشديدها لسياسات الهجرة، رحّلت فرنسا أكثر من 140 جزائرياً منذ بداية عام 2026. هذه الأرقام تأتي في ظل مراجعة مستمرة للاتفاقية الفرنسية الجزائرية لعام 1968 التي تنظم حركة وإقامة المواطنين الجزائريين في فرنسا، مما يؤكد التوجه الفرنسي نحو تقليص أعداد المهاجرين غير الشرعيين.

وفيما يتعلق بمراكز الاحتجاز الإداري، احتُجز أكثر من 700 جزائري في هذه المراكز خلال شهر مايو، وهو ما يمثل نسبة تتراوح بين 30% و40% من إجمالي حوالي 2000 مكان متاح في تلك المراكز. تُظهر هذه الأرقام الضغط المتزايد على مرافق الاحتجاز الفرنسية مع تزايد عدد المحتجزين الجزائريين، وتشير إلى أن السلطات الفرنسية تولي اهتماماً خاصاً بملف احتجاز وترحيل المخالفين.

وعلى الرغم من التوترات، فإن أرقام الإقامة والتأشيرات تظل كبيرة. ففي عام 2025، كان أكثر من 650 ألف جزائري يحملون تصاريح إقامة سارية المفعول في فرنسا، مما يعكس الحجم الكبير للجالية الجزائرية المقيمة بشكل قانوني في البلاد، ويبرز الروابط التاريخية والبشرية المستمرة. وفي نفس العام، أصدرت السلطات الفرنسية أكثر من 200 ألف تأشيرة للجزائريين، مما يشير إلى استمرار تدفق الزوار والمقيمين الجدد على الرغم من التوترات الدبلوماسية والمراجعات القانونية الجارية، ويؤكد أن العلاقات بين البلدين لا تزال متعددة الأوجه.

خلفية تاريخية للاتفاقية

تعود اتفاقية 1968 بين فرنسا والجزائر إلى فترة ما بعد استقلال الجزائر، وتعتبر الإطار القانوني الرئيسي الذي ينظم حركة وإقامة المواطنين الجزائريين في فرنسا. تمنح هذه الاتفاقية الجزائريين وضعاً خاصاً ومختلفاً عن مواطني الدول الأخرى من خارج الاتحاد الأوروبي، حيث تمنحهم تسهيلات في الحصول على تأشيرات الدخول والإقامة والعمل، مما يعكس العلاقات التاريخية الفريدة بين البلدين. على سبيل المثال، يستفيد الجزائريون من إجراءات مبسطة للحصول على تصاريح العمل والإقامة، بالإضافة إلى لم شمل الأسر، وهي مزايا لا تتوفر لمواطني دول أخرى. كما أن حقوقهم في الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية محمية بموجب هذه الاتفاقية، مما يوفر لهم شبكة أمان اجتماعي في فرنسا.

وقد ظلت هذه الاتفاقية سارية المفعول لأكثر من خمسة عقود، وشكلت أساساً للعلاقات الثنائية في مجال الهجرة، على الرغم من التغيرات السياسية والاقتصادية التي طرأت على البلدين والمنطقة. ومع ذلك، بدأت الدعوات لتعديلها تظهر بشكل متزايد في السنوات الأخيرة، خاصة من الجانب الفرنسي، الذي يرى أن بنودها لم تعد تتناسب مع التحديات الحالية لسياسات الهجرة، وأنها تمنح الجزائريين امتيازات لا تتماشى مع السياسات الأوروبية الحديثة للهجرة. يأتي هذا التوجه في إطار رغبة فرنسا في توحيد قواعد الهجرة لمختلف الجنسيات.