اتفاقية الهجرة الفرنسية الجزائرية لعام 1968: أسطورة أم واقع؟

Mythe de l’accord de 1968 : réponse à Edouard Philippe et aux « sachants »
الصورة: DR عبر Tsa-algerie

في سياقٍ تتصاعد فيه النقاشات حول قضايا الهجرة في فرنسا، أدلى إدوار فيليب (Edouard Philippe)، رئيس الوزراء الفرنسي السابق والمرشح للانتخابات الرئاسية لعام 2027، بتصريحات لافتة في 30 أغسطس 2026 على قناة BFMTV، حيث أعلن صراحةً أنه "مؤيد لإلغاء [اتفاقية عام 1968 بين فرنسا والجزائر]". هذه التصريحات لم تكن جديدة، فقد سبق له أن أدلى ببيان مماثل بشأن إلغاء الاتفاقية في العام السابق، مما يؤكد موقفه الثابت في هذا الشأن. يرى المقال أن فيليب يكرر بذلك خطاب اليمين المتطرف وجزء من اليمين الجمهوري، مستغلاً بذلك خطابًا أصبح مألوفًا في الساحة السياسية الفرنسية. اللافت في الأمر أن إدوار فيليب شغل منصب رئيس الوزراء لأكثر من ثلاث سنوات دون أن يبادر إلى إلغاء اتفاقية عام 1968 أو حتى الشروع في أي تفكير جاد حول هذا الموضوع خلال فترة ولايته، مما يطرح تساؤلات حول توقيت هذه التصريحات ودوافعها السياسية.

تزعم المقالة أن الاتفاقية الفرنسية الجزائرية لعام 1968 "أبعد ما تكون عن كونها الأكثر فائدة بين جميع الاتفاقيات الثنائية التي وقعتها فرنسا فيما يتعلق بالهجرة". هذا الادعاء يستند إلى حقيقة أن الاتفاقية قد خضعت لثلاثة ملاحق، مما قلل بشكل كبير من نطاقها الأصلي. نتيجة لذلك، لم تعد الاتفاقية أكثر فائدة من غيرها من الاتفاقيات الثنائية، بل قد تكون أقل فائدة في بعض جوانبها. وعلى الرغم من أن اتفاقيات ثنائية أخرى تظل مجهولة للجمهور والسياسيين ووسائل الإعلام، إلا أن اتفاقية عام 1968 الفرنسية الجزائرية كانت دائمًا في دائرة الضوء، مما أدى إلى انتشار واسع لآراء "الخبراء" حولها. من بين 6,964,000 أجنبي في فرنسا، يمثل المغاربيون 3.3 مليون شخص، وهو ما يشكل جزءًا كبيرًا من النقاش الدائر حول الهجرة.

تاريخ الاتفاقية وتطورها

بعد ست سنوات ونصف من استقلال الجزائر، وتحديداً في عام 1968، وقعت اتفاقية الهجرة الفرنسية الجزائرية. كانت بنود الاتفاقية قد استندت جزئياً إلى إعلان اتفاقيات إيفيان الصادر في 19 مارس 1962، والذي نصت المادة السابعة منه على أن الرعايا الجزائريين المقيمين في فرنسا سيتمتعون بنفس حقوق المواطنين الفرنسيين، باستثناء الحقوق السياسية. هذا الإطار التاريخي يوضح الجذور العميقة للعلاقات بين البلدين وكيف أثرت على صياغة هذه الاتفاقية.

تطورت الاتفاقية عبر الزمن بشكل كبير، حيث يُعد الملحق الثالث بتاريخ 11 يوليو 2001 (والذي دخل حيز التنفيذ في 1 يناير 2002) هو النص المعمول به حالياً. هذا الملحق، بالإضافة إلى الملحقين السابقين، أحدث تغييرات جوهرية في بنود الاتفاقية. وكان الملحق الثاني لعام 1994 قد أضر بالجزائريين، مما دفع الحكومة الفرنسية إلى اقتراح مفاوضات لمواءمتهم مع القانون العام. من التغييرات الهامة التي أحدثها الملحق الثالث هو إدخاله، لأول مرة منذ استقلال الجزائر، الإصدار التلقائي لشهادة إقامة "والد لطفل فرنسي"، وهو ما كان محظوراً على الجزائريين سابقاً، مما يعكس تطورًا في الحقوق الممنوحة. كما ألغى الملحق الثالث إمكانية عمل الطلاب الجزائريين بدون ترخيص وبدوام كامل، مما يعكس تقييدًا لبعض الامتيازات السابقة. ولم يلغِ الملحق الثالث الالتزام بالتأشيرة الطويلة الأجل الذي بدأ العمل به في عام 1994، مما يمثل نهاية النظام الخاص ومواءمته مع القانون العام. ولم يُعد الملحق الثالث تسوية أوضاع الشباب البالغين الذين دخلوا فرنسا قبل سن العاشرة، مقارنة بسن 13 عامًا في القانون العام، مما يوضح أن التغييرات لم تكن كلها في صالح المهاجرين الجزائريين.

تُشير الإحصائيات إلى أن من بين 6,964,000 أجنبي في فرنسا، يوجد 1.6 مليون من بقية دول العالم، و1.3 مليون من أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. يشكل المغاربيون 3.3 مليون شخص من إجمالي الأجانب، منهم 887,000 جزائري، و835,000 مغربي، و316,000 تونسي. هذه الأرقام توضح التوزيع الديموغرافي للمهاجرين في فرنسا.

تُظهر البيانات أن الهجرة الجزائرية تشكل حوالي 2% من سكان الجزائر، بينما تشكل الهجرة المغربية حوالي 2% من سكان المغرب، والهجرة التونسية حوالي 2% من سكان تونس. هذه النسب تسلط الضوء على حجم الهجرة من هذه الدول مقارنة بإجمالي سكانها.

مقارنة الاتفاقية بمعاهدات أخرى

تُبرم فرنسا اتفاقيات متعددة مع دول أخرى تتعلق بالهجرة والتنقل، حيث توجد 11 اتفاقية خاصة بالشباب والتنقل المهني مع دول "غنية". كما توجد 14 اتفاقية "عطلة عمل" (vacances travail) تُبرم أيضاً مع دول "غنية". وفي سياق الهجرة المهنية، أبرمت فرنسا اتفاقيات مع روسيا وجورجيا، مما يدل على تنوع الشراكات الفرنسية في مجال الهجرة.

تتضمن هذه الاتفاقيات أيضاً اتفاقيات مع دول شمال إفريقيا. توجد اتفاقية قائمة مع المغرب، بالإضافة إلى اتفاقية مع تونس. هذه الاتفاقية التونسية، التي يعود تاريخها إلى 17 مارس 1988، جرى تعديلها بملحق بتاريخ 8 سبتمبر 2000 وبروتوكول حول إدارة الهجرة المتفق عليها، والذي وُقِّع في تونس في 28 أبريل 2008.

بين عامي 2006 و2008، أُبرمت اتفاقيات مع عدة دول إفريقية أخرى، تُعرف باسم "اتفاقيات إدارة تدفقات الهجرة المتفق عليها". وتشمل هذه الاتفاقيات السنغال وبنين وبوركينا فاسو والجابون والرأس الأخضر وموريشيوس، مما يوضح سعي فرنسا لتنظيم تدفقات الهجرة مع مجموعة واسعة من الدول.

فيما يتعلق بالهجرة الكلية، تُظهر البيانات الإحصائية أن إجمالي المهاجرين في ألمانيا يبلغ 20% من السكان، بينما يصل إجمالي الهجرة في المملكة المتحدة إلى 17%. وفي جنوب أوروبا، تسجل إيطاليا إجمالي هجرة بنسبة 10.6%، بينما تبلغ النسبة في إسبانيا 14%. هذه الأرقام تقدم سياقًا مقارنًا لوضع الهجرة في فرنسا.

تمنح الاتفاقية الفرنسية التونسية، التي أُبرمت في 17 مارس 1988 وعُدِّلت بملحق في 8 سبتمبر 2000 وبروتوكول في 28 أبريل 2008، حقوقاً محددة للمواطنين التونسيين. وبموجب هذه الاتفاقية، يُمنح أفراد عائلات التونسيين الذين يُسمح لهم بالبقاء في فرنسا في إطار لم شمل الأسرة تصريح إقامة بنفس مدة تصريح الإقامة للشخص الذي ينضمون إليه. كما تُصدر بطاقة الإقامة لمدة عشر سنوات تلقائيًا، رهناً بالنظام العام، للزوج التونسي لمواطن فرنسي متزوج لمدة عام واحد على الأقل، بشرط الحفاظ على الحياة المشتركة وتسجيل الزواج في السجلات المدنية الفرنسية. وتُمنح بطاقة إقامة لمدة عام واحد "الحياة الخاصة والعائلية" تلقائيًا، رهناً بالنظام العام، للمواطنين التونسيين القاصرين أو الذين هم على وشك بلوغ سن 18 عامًا خلال عام واحد، إذا كان أحد الوالدين على الأقل يحمل تصريح إقامة ودخلوا في إطار لم شمل الأسرة. وتُصدر البطاقة ذات العشر سنوات تلقائيًا للطفل التونسي لمواطن فرنسي إذا كان عمره أقل من 21 عامًا أو معالاً على والديه. كما تُمنح تلقائيًا لمواطن تونسي هو والد لطفل فرنسي مقيم في فرنسا، بشرط أن يمارس السلطة الأبوية أو يدعم الطفل فعليًا. وتُصدر البطاقة ذات العشر سنوات تلقائيًا لمواطن تونسي يحمل معاشًا تقاعديًا عن حادث عمل أو مرض مهني من منظمة فرنسية بمعدل إعاقة دائمة 20% أو أكثر. كما تُصدر تلقائيًا للزوج التونسي والأطفال القصر (أو الذين يبلغون 18 عامًا خلال عام واحد) لمواطن تونسي يحمل تصريح إقامة لمدة عشر سنوات، والذين سُمح لهم بالبقاء في فرنسا في إطار لم شمل الأسرة. وتُمنح بطاقة العشر سنوات تلقائيًا لمواطن تونسي كان في وضع قانوني لأكثر من عشر سنوات، ما لم يكن قد... هذه التفاصيل تظهر أن الاتفاقية التونسية تقدم امتيازات واسعة النطاق لمواطنيها.

دحض الادعاءات حول امتيازات استثنائية

يزعم المقال أن جميع الاتفاقيات الثنائية الأخرى تشير إلى القانون العام للمسائل غير المعالجة أو عندما يكون القانون العام أكثر ملاءمة، بينما الاتفاقية الفرنسية الجزائرية تخص المواطنين الجزائريين فقط وتتسم بالخصوصية، بحسب حكم مجلس الدولة. يدحض المقال ادعاءات وردت في مذكرة الأسباب لمشروع قرار حزب NDR (NDR party) بإلغاء الاتفاقية، والتي تفيد بأن أزواج المواطنين الفرنسيين الجزائريين يمنحون بشكل فريد تصريح إقامة بمجرد الحصول على تأشيرة، حيث تشير الحقائق إلى أن اتفاقيات أخرى توفر ذلك. كما يدحض المقال الادعاء بأنهم يتلقون تصريحًا لمدة 10 سنوات بعد عام واحد من الزواج بينما يحتاج الآخرون إلى ثلاث سنوات، مشيرًا إلى أن الاتفاقية التونسية توفر هذا الشرط بوضوح.

وينفي المقال أيضًا المزاعم بأن المواطنين الجزائريين يتم تسوية أوضاعهم بشكل فريد بعد 10 سنوات من الإقامة غير النظامية، موضحًا أن الاتفاقية التونسية تنص على ذلك، وأن هذا كان معمولاً به سابقًا لجميع الأجانب، مما ينسف فكرة التفرد الجزائري في هذا الجانب. كما يدحض المقال الادعاءات بأن شروط لم شمل الأسرة للجزائريين أكثر فائدة من الجنسيات الأخرى، مؤكدًا أن هذا مبدأ من مبادئ القانون العام وتوفره اتفاقيات تونسية ومغربية واتفاقيات دول جنوب الصحراء الكبرى، مما يضع الجزائر في سياق أوسع من الاتفاقيات المشابهة. كما تُفند المزاعم بعدم وجود متطلبات اندماج أو إدماج لأفراد عائلات المواطنين الجزائريين، حيث توجد نفس المتطلبات، بل وأكثر، مما يؤكد أنهم ليسوا معفيين من هذه الإجراءات.

وينفي المقال كذلك الادعاءات بعدم اشتراط عقد الاندماج الجمهوري على المواطنين الجزائريين، مؤكدًا عدم إصدار أي تصريح دون توقيع هذا العقد، مما يوضح أن الإجراءات المتبعة هي نفسها للجميع. كما يدحض المقال المزاعم بأن المواطنين الجزائريين يتمتعون بحرية "واسعة جدًا" لممارسة نشاط مهني، مشيرًا إلى عدم وجود استثناء خاص منذ التخلي عن اتفاقيات إيفيان وتدخل ثلاثة ملاحق متتالية، مما يحد من أي امتيازات مهنية مزعومة. ويرفض المقال الرقم الذي يشير إلى أن عدد المواطنين الجزائريين يتجاوز 2.5 مليون، بمن فيهم الأطفال والأحفاد المولودون في فرنسا والأشخاص مزدوجي الجنسية، معتبرًا إياه مبالغة لا تستند إلى أرقام دقيقة.

ويصف المقال الرقم الذي يزعم إصدار أكثر من 680,000 تصريح إقامة للجزائريين في عام 2023 بأنه معلومات مضللة تفتقر إلى المصداقية. وقد ألغى الملحق الثالث إمكانية عمل الطلاب الجزائريين بدون ترخيص وبدوام كامل. ولم يلغِ الملحق الثالث الالتزام بالتأشيرة الطويلة الأجل الذي بدأ العمل به في عام 1994، مما يمثل نهاية النظام الخاص ومواءمته مع القانون العام. ولم يعِد الملحق الثالث تسوية أوضاع الشباب البالغين الذين دخلوا فرنسا قبل سن العاشرة، مقارنة بسن 13 عامًا في القانون العام، مما يؤكد أن الاتفاقية لم تعد تمنح امتيازات استثنائية في هذا الجانب.

الأرقام والحقائق السكانية

يشير المقال إلى أرقام المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية (INSEE) لدحض فكرة "موجة جزائرية غامرة" التي يروج لها البعض. فوفقًا لبيانات المعهد، يبلغ عدد الأجانب في فرنسا 6,964,000 شخص. من هذا العدد، يشكل الأوروبيون 2.1 مليون شخص. ضمن الـ 3.3 مليون مغاربي، يوجد 887,000 جزائري. يمثل إجمالي الهجرة المغاربية 4.8% من السكان الفرنسيين، بينما يشكل إجمالي الهجرة (بما في ذلك الأوروبيون) أقل من 10% من سكان فرنسا. هذه الأرقام الدقيقة من INSEE تهدف إلى تقديم صورة واقعية للوضع الديموغرافي للهجرة في فرنسا، بعيدًا عن المبالغات والادعاءات غير المدعومة بأدلة.

وفي سياق متصل، أكد مجلس الدولة تطبيق بند يقضي بعدم إصدار تصاريح "متقاعد" إلا للجزائريين الذين استفادوا من شهادة إقامة لمدة عشر سنوات، وهو إجراء لم يُنفذ إلا في أواخر عام 1986. وبموجب الاتفاقية الفرنسية التونسية، تُمنح بطاقة إقامة لمدة عشر سنوات تلقائيًا، رهناً بالنظام العام، للزوج التونسي لمواطن فرنسي متزوج لمدة عام واحد على الأقل، بشرط الحفاظ على الحياة المشتركة وتسجيل الزواج في السجلات المدنية الفرنسية. كما تُصدر البطاقة ذات العشر سنوات تلقائيًا للزوج التونسي والأطفال القصر (أو الذين يبلغون 18 عامًا خلال عام واحد) لمواطن تونسي يحمل تصريح إقامة لمدة عشر سنوات، والذين سُمح لهم بالبقاء في فرنسا في إطار لم شمل الأسرة. هذه التفاصيل تؤكد أن الاتفاقية الفرنسية الجزائرية لعام 1968، بعد تعديلاتها المتعددة، لم تعد تمنح امتيازات استثنائية تبرر الدعوات لإلغائها، وأن العديد من بنودها تتماشى مع القانون العام أو تتشابه مع اتفاقيات ثنائية أخرى.