شهدت العلاقات الفرنسية الجزائرية نشاطًا دبلوماسيًا مكثفًا مؤخرًا، حيث قام ثلاثة وزراء فرنسيين بزيارات إلى الجزائر في فبراير ومايو 2026، وذلك في إطار سعي باريس لترميم الروابط مع الدولة المغاربية. هذا الحراك الدبلوماسي يعكس رغبة فرنسية واضحة في تجاوز فترة من التوتر والجمود التي طبعت العلاقات بين البلدين في السنوات الأخيرة. في الثامن من مايو 2026، زارت أليس ريفو (Alice Rufo)، الوزيرة المنتدبة لدى وزير القوات المسلحة، الجزائر. وقد جاءت هذه الزيارة في سياق يبرز اهتمام فرنسا بتعزيز التعاون في مجالات حيوية، خاصة في الجوانب الأمنية والعسكرية التي تكتسب أهمية متزايدة في المنطقة. كما شملت الوفود الفرنسية آن كلير لوجوندر (Anne-Claire Legendre)، رئيسة معهد العالم العربي في باريس والمستشارة السابقة لقصر الإليزيه لشؤون شمال إفريقيا والشرق الأوسط، التي قامت بزيارة للجزائر، مما يؤكد على أهمية التواصل الثقافي والسياسي العميق بين البلدين، ويسلط الضوء على جهود فرنسا لإعادة تفعيل قنوات التأثير الناعمة. من جانب آخر، زار عضو مجلس الشيوخ الفرنسي أكلي ملولي (Akli Mellouli) الجزائر أيضًا، مشدداً على أهمية التمثيل البرلماني في بناء جسور التفاهم وتعزيز الحوار بين المؤسسات التشريعية في البلدين. وتزامنًا مع هذه الزيارات، عاد السفير الفرنسي ستيفان روماتي (Stéphane Romatet) إلى منصبه في الجزائر خلال الأسبوع الأول من مايو 2026، مما يعكس زخمًا متزايدًا في جهود التقارب بين البلدين ويؤشر إلى مرحلة جديدة من العلاقات الدبلوماسية تسعى فيها باريس لاستعادة مكانتها كشريك رئيسي للجزائر.
زيارات فرنسية رفيعة المستوى للجزائر تعكس إرادة سياسية
تأتي هذه الزيارات المكثفة في إطار استراتيجية فرنسية شاملة لإعادة بناء الثقة وتوطيد العلاقات. ففي فبراير 2026، زار لوران نونياز (Laurent Nuñez)، وزير الداخلية الفرنسي، الجزائر. وتأتي هذه الزيارة في سياق الجهود الفرنسية المتزايدة لتعزيز روابطها مع الدولة الواقعة في شمال إفريقيا، والتي تعتبر شريكاً استراتيجياً لباريس خاصة في ملفات مكافحة الإرهاب والهجرة غير الشرعية، مما يبرز الأهمية الأمنية المشتركة.
ولم يتوقف النشاط الدبلوماسي عند هذا الحد، فقد زار جيرالد موسى دارمانان (Gérald Darmanin)، وزير العدل الفرنسي، الجزائر بعد حوالي أسبوع من زيارة أليس ريفو (Alice Rufo)، الوزيرة المنتدبة لدى وزير القوات المسلحة. هذه الزيارات المتتالية لوزراء فرنسيين رفيعي المستوى تؤكد كثافة التبادلات الدبلوماسية بين البلدين، وتعكس إصرار باريس على استعادة مكانتها كشريك مفضل للجزائر في مختلف المجالات، من الأمن والدفاع إلى التعاون القضائي. وتعد هذه الزيارات جزءاً من مسعى باريس الأوسع لترميم العلاقات الثنائية، التي شهدت فترات من التوتر في السابق، وتأكيدًا على التزام فرنسا بفتح صفحة جديدة مبنية على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.
وفي إطار تعزيز الروابط المدنية والشعبية، زارت سيغولين روايال (Ségolène Royal)، رئيسة جمعية "فرنسا-الجزائر"، الجزائر مرتين خلال أقل من أربعة أشهر. هذه الزيارات المتكررة من شخصية عامة بارزة تبرز الدور الذي تلعبه المنظمات غير الحكومية والشخصيات العامة في دعم التقارب بين الدولتين، وتؤكد على أهمية البعد الشعبي في بناء العلاقات المستدامة وتجاوز الحواجز السياسية. وقد سعت "روايال" من خلال هذه الزيارات إلى تفعيل التبادل الثقافي والإنساني، وتعزيز الفهم المتبادل بين شعبي البلدين.
قامت صابرينا صبايحي (Sabrina Sabaihi)، عضوة الجمعية الوطنية الفرنسية، بزيارة للجزائر، مما يشير إلى مشاركة واسعة النطاق من مختلف المستويات السياسية الفرنسية في جهود بناء الثقة والتعاون مع الجانب الجزائري. هذه المشاركة المتعددة الأوجه من مسؤولين حكوميين وبرلمانيين وشخصيات عامة تعكس التزاماً فرنسياً شاملاً بتحسين العلاقات مع الجزائر، وتؤكد على أن هذا المسعى ليس مجرد مبادرة حكومية، بل هو توجه عام يشمل مختلف أطياف النخبة الفرنسية.
دوافع فرنسية استراتيجية واقتصادية تبرز أهمية الجزائر
تُعَدّ الجزائر ضرورية لفرنسا في عدة ملفات، خاصة تلك المتعلقة بالأمن، وذلك بسبب التداخل المجتمعي الكبير بين البلدين والوضع المعقد في منطقة الساحل. هذه الأهمية الاستراتيجية تجعل من الجزائر شريكاً لا غنى عنه لفرنسا في مواجهة التحديات الإقليمية والدولية، حيث تسعى باريس للاستفادة من الخبرة الجزائرية في مكافحة الإرهاب وتأمين الحدود في منطقة الساحل المضطربة. وقد استمر التعاون الأمني بين الجزائر وروسيا حتى خلال الفترات الصعبة التي شهدتها العلاقات الدولية، في حين توقف التعاون الأمني مع فرنسا بعد إعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون موقف بلاده الجديد بشأن الصحراء الغربية في يوليو 2024. هذا التوقف كشف عن هشاشة العلاقات وأثر بشكل مباشر على المصالح الأمنية الفرنسية في المنطقة، مما دفع باريس لإعادة تقييم سياستها تجاه الجزائر.
وقد ألحق الجمود في العلاقات الثنائية أضراراً كبيرة بالمصالح الفرنسية في الجزائر، شملت الجوانب الاقتصادية والتجارية والثقافية. هذه الأضرار لم تقتصر على خسارة فرص استثمارية، بل امتدت لتشمل تراجع النفوذ الثقافي واللغوي الفرنسي الذي كان تاريخياً قوياً في الجزائر. وفي هذا السياق، عززت كل من إيطاليا وتركيا وإسبانيا نفوذها في الجزائر بشكل ملحوظ، مستفيدة من تراجع الحضور الفرنسي، مما أدى إلى تراجع النفوذ الفرنسي هناك بشكل لم يسبق له مثيل، وشكل تحدياً كبيراً للمصالح الفرنسية طويلة الأمد. كما فقدت باريس سوقاً كبيراً ومستقراً لصادراتها من الحبوب، وهو ما يمثل خسارة اقتصادية مباشرة لقطاع حيوي في فرنسا، ويشير إلى تحول في التوجهات التجارية للجزائر نحو شركاء آخرين.
ومن الأمثلة الصارخة على التحديات الاقتصادية التي تواجهها فرنسا في الجزائر، إغلاق مصنع رونو (Renault) لأكثر من خمس سنوات، وذلك رغم المحاولات الفرنسية المتكررة لإعادة تشغيله. هذا الإغلاق يمثل رمزاً لتراجع الاستثمار الفرنسي وتأثره بالتوترات السياسية، ويعكس عدم قدرة الشركات الفرنسية على العمل بفعالية في ظل العلاقات المتوترة. في المقابل، أسست شركة فيات (Fiat) الإيطالية المنافسة مصنعاً في الجزائر، ومن المتوقع أن تقترب طاقته الإنتاجية من 100 ألف سيارة بحلول نهاية عام 2026. هذا التطور يعكس تحولاً في المشهد الاقتصادي الجزائري، حيث كانت السيارات الفرنسية في السابق مهيمنة على السوق الجزائرية، مما يبرز حجم الخسارة التي تكبدتها الشركات الفرنسية في هذا القطاع الحيوي.
الموقف الجزائري الحذر والتبادلات الدبلوماسية المحدودة
في المقابل، لم تسجل أي زيارة لمسؤول جزائري أو شخصية سياسية/جمعوية بارزة إلى باريس، باستثناء زيارة مرتقبة لوزير الداخلية والجماعات المحلية، سعيد سعيود، التي لا تزال قيد التحضير. هذا التباين الواضح في وتيرة الزيارات الدبلوماسية يعكس الحذر الجزائري الشديد في التعامل مع التقارب الفرنسي، ويشير إلى أن الجزائر تتخذ موقفاً أكثر تحفظاً وتأنياً في إعادة بناء العلاقات، وتنتظر خطوات ملموسة من الجانب الفرنسي قبل الانخراط الكامل.
كما لا تزال السفارة الجزائرية في فرنسا بدون سفير منذ أن استدعى الرئيس عبد المجيد تبون السفير السابق للتشاور. جاء هذا الاستدعاء في أعقاب قرار فرنسا بشأن الصحراء الغربية، مما يؤكد استمرار بعض نقاط الخلاف العالقة بين البلدين وتأثيرها العميق على التمثيل الدبلوماسي رفيع المستوى. هذا الوضع الدبلوماسي يعكس أن الجزائر لا تزال تنتظر خطوات فرنسية إضافية وملموسة لمعالجة القضايا الجوهرية التي أدت إلى تدهور العلاقات في المقام الأول، قبل استئناف التبادل الدبلوماسي على أعلى المستويات واستعادة العلاقات إلى سابق عهدها.