فرنسا تترقب "إشارات" من الجزائر في ملف الذاكرة.. والجزائر تتمسك بالاعتراف الشامل

أجاب وزير القوات المسلحة وقدامى المحاربين الفرنسي على سؤال برلماني يتعلق بما تسميه فرنسا "أحداث وهران". وقد طرح هذا السؤال البرلماني من قبل النائب اليميني المتطرف سيرييل تريبييان (Cyril Tribuian) عن حزب التجمع الوطني. وقد نُشر الرد المكتوب للوزير الفرنسي، الذي أكد فيه أن فرنسا قد اتخذت مبادرات في ملف الذاكرة، في الجريدة الرسمية للجمعية الوطنية الفرنسية بتاريخ 7 يوليو 2025. وتتوقع فرنسا، كما صرح الوزير، "إشارات" من الجانب الجزائري في هذا الصدد، وذلك في إطار جهود متبادلة لمعالجة القضايا التاريخية العالقة بين البلدين.

خطوات فرنسية متبوعة بتوقعات متبادلة

ترتبط هذه الإيماءات المتوقعة من الجانب الجزائري بالزيارة الأخيرة التي أجراها الوزير الفرنسي إلى الجزائر. وقد زار الوزير مدينة سطيف برفقة السفير الفرنسي ستيفان روماتيه (Stéphane Romatet)، حيث كانت الزيارة تهدف إلى إحياء ذكرى أحداث الثامن من مايو/أيار 1945. أسفرت أحداث الثامن من مايو/أيار 1945 عن مقتل 45 ألف شهيد جزائري على يد جيش الاحتلال الفرنسي والمستوطنين، وهي أحداث تُعد نقطة سوداء في تاريخ العلاقات الجزائرية الفرنسية. وتعتبر السلطات الفرنسية زيارة الوزير خطوة فرنسية مهمة في ملف الذاكرة، تعكس حرص باريس على المضي قدماً في هذا الملف الحساس. في المقابل، تتوقع الحكومة الفرنسية خطوة أخرى من السلطات الجزائرية في هذا الصدد، وذلك في إطار جهود متواصلة لمعالجة هذا الملف المعقد، الذي يمثل تحدياً كبيراً للعلاقات الثنائية.

يشار إلى أن فرنسا قد اتخذت عدة خطوات سابقة في هذا المسار، منها تكليف المؤرخ الفرنسي بنجامين ستورا (Benjamin Stora) في عام 2021 بإعداد تقرير حول الاستعمار الفرنسي للجزائر، والذي قدم توصيات لتعزيز المصالحة. كما أُطلقت لجنة مشتركة من المؤرخين الجزائريين والفرنسيين في عام 2022 لمناقشة قضايا الذاكرة التاريخية، بهدف الوصول إلى فهم مشترك للأحداث. وقد وافق الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون مع نظيره الفرنسي على إنشاء هذه اللجنة المختلطة لمناقشة ملف الذاكرة خلال زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى الجزائر في أغسطس/آب 2022. وقد أعرب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال تلك الزيارة عن "عزمه على الشروع في عملية إحياء ملف الذاكرة، والبحث عن الحقيقة، والمصالحة مع الجزائر"، مؤكداً على أهمية معالجة هذا الإرث التاريخي.

الموقف الجزائري: ملف شامل وجرائم غير قابلة للتجزئة

على الجانب الآخر، تعتبر الجزائر أن ملف الذاكرة يتطلب معالجة شاملة لجرائم تاريخية محددة، مؤكدة أن قضية الاستعمار الفرنسي هي مسألة شاملة وغير قابلة للتجزئة، وتمتد من عام 1830 حتى عام 1962، وهي الفترة التي شهدت احتلالاً قاسياً للبلاد. وتشمل هذه الجرائم مذبحة العوفية ومذابح الظهرة، بالإضافة إلى المصادرة الممنهجة للأراضي في خمسينيات القرن الماضي، وإبادة القبائل، وعمليات الترحيل القسري إلى كاليدونيا الجديدة وغويانا الفرنسية (Cayenne). وتؤكد الجزائر على أهمية معالجة هذه القضايا بشكل كامل لتسوية ملف الذاكرة، مشددة على أن التجاهل أو الانتقائية في التعامل مع هذه الأحداث لن يؤدي إلى مصالحة حقيقية.

وتطالب الجزائر كذلك باستعادة الأرشيف المنهوب الذي تعتبره جزءاً لا يتجزأ من ذاكرتها الوطنية وهويتها الثقافية، وتشدد على ضرورة التعاون في تنظيف المواقع المتضررة من التجارب النووية التي أجرتها فرنسا في الصحراء الجزائرية، والتي لا تزال آثارها البيئية والصحية قائمة حتى اليوم. كما تطالب بتسليم خرائط مواقع دفن النفايات الكيميائية والنووية التي تشكل تهديداً بيئياً وصحياً للسكان المحليين، إلى جانب تقديم تعويضات للضحايا المتضررين من هذه الممارسات التي تسببت في معاناة طويلة الأمد. وتنظر الجزائر إلى هذه المطالب كمكونات أساسية لأي تقدم حقيقي وملموس في ملف الذاكرة مع فرنسا، وتعتبرها ضرورية لتحقيق مصالحة تاريخية شاملة تقوم على الاعتراف بالحقائق والإنصاف للضحايا.

رؤى متباينة حول مبادرات الذاكرة

صرّح الوزير الفرنسي بأن بلاده قد اتخذت مبادرات في ملف الذاكرة، مبيناً أن فرنسا تتوقع "إشارات" من الجانب الجزائري كخطوة متبادلة نحو بناء الثقة. في المقابل، تعتبر الجزائر أن قضية الاستعمار الفرنسي هي مسألة شاملة وغير قابلة للتجزئة، وتمتد من عام 1830 حتى عام 1962، مما يتطلب اعترافاً ومعالجةً لكل جوانبها المؤلمة. تؤكد هذه التصريحات على سعي فرنسا لفتح صفحة جديدة في العلاقات الثنائية، بينما تظل الجزائر متمسكة بمعالجة متكاملة للقضايا التاريخية العالقة، وترى أن أي تقدم يجب أن يشمل الاعتراف الكامل بالجرائم الاستعمارية وتعويض ضحاياها، لضمان بناء علاقات مستقبلية قائمة على الاحترام والعدالة.