كشف محمد يحياوي، رئيس المجلس الوطني للغرفة الوطنية لمحافظي الحسابات، عن مقترحات إصلاحية شاملة قدمتها الغرفة إلى السلطات العمومية بخصوص مشروع قانون المالية لعام 2027. وتهدف هذه الإصلاحات إلى تحقيق التوازن الضروري بين مصالح الدولة والمؤسسات والبنوك، بالإضافة إلى توسيع الوعاء الضريبي وتحسين نوعية التحصيل الضريبي وتعزيز الشفافية والامتثال في المعاملات المالية. ومن شأن هذه المقترحات، في حال اعتمادها، أن توفر بيئة قانونية ومالية أكثر استقرارًا للمؤسسات، وتمكن البنوك من الاعتماد على معلومات مالية أكثر موثوقية ودقة لاتخاذ قراراتها الائتمانية. وفي هذا السياق، دعت الغرفة إلى استغلال قانون المالية لعام 2027 كفرصة لإطلاق إصلاح متكامل لنظام الرقابة المالية والجبائية والمصرفية في البلاد، بما يتماشى مع أفضل الممارسات الدولية.
شهادة المطابقة المالية والمصرفية لتعزيز الثقة
تتجه المقترحات المقدمة من الغرفة نحو الانتقال من منطق المراقبة اللاحقة الذي يركز على الكشف عن المخالفات بعد وقوعها، إلى منطق الوقاية والامتثال وإدارة المخاطر بشكل استباقي. يهدف هذا التحول الجوهري إلى دعم الاستثمار وتحسين العلاقة بين المؤسسات من جهة، والإدارة الضريبية والبنوك من جهة أخرى، مما يخلق بيئة عمل أكثر ثقة وتعاونًا.
وتتضمن أحد المقترحات الرئيسية والمبتكرة استحداث "شهادة المطابقة المالية والمصرفية". هذه الشهادة، التي تُصدر بواسطة محافظ حسابات مستقل، تأتي بعد مراجعة دقيقة ومستقلة للوضع المالي والضريبي والمصرفي للمؤسسة المعنية. وقد استُلهمت فكرة هذه الشهادة من تجارب تدقيق الامتثال الضريبي المطبقة بنجاح في عدة دول حول العالم، مع تكييفها لتناسب خصوصيات الاقتصاد الجزائري وتحدياته.
تتضمن الشهادة قسماً خاصاً بالامتثال المالي يغطي عدة جوانب حيوية، منها دقة القوائم المالية، وجودة النتائج المحققة، وسلامة التدفقات النقدية، وقوة الهيكل المالي للمؤسسة، بالإضافة إلى تقييم استمرارية النشاط. كما تشمل قسماً آخر مخصصاً للامتثال المصرفي، الذي يقيم مدى التزام المؤسسة بتعهدات البنوك، وقدرتها على السداد، وهيكل التمويل لديها، وكفاءة إدارتها للمخاطر المالية. ومن المتوقع أن يؤدي اعتماد هذه الشهادة إلى زيادة الامتثال الطوعي من قبل المؤسسات، وتعزيز الشفافية المالية بشكل كبير، وتقليل النزاعات الضريبية، وتسريع مراجعة ملفات التمويل، وتحسين جودة قرارات الائتمان الصادرة عن البنوك، وهو ما سيعود بالنفع بشكل خاص على المؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي غالباً ما تواجه صعوبات في الحصول على التمويل.
تسوية الإطار القانوني لشركات الشخص الواحد
في إطار جهودها لتبسيط الإجراءات وتوضيح اللوائح، اقترحت الغرفة الوطنية لمحافظي الحسابات تسوية الإطار القانوني لتدقيق حسابات الشركات ذات الشخص الوحيد وذات المسؤولية المحدودة (EURL)، وذلك ضمن مقترحاتها لقانون المالية لعام 2027. يأتي هذا الاقتراح بسبب تداخل في التشريعات القائمة، حيث يوجد تضارب واضح بين ما ينص عليه القانون التجاري وقوانين المالية لعامي 2010 و 2011 بشأن تدقيق حسابات هذه الشركات، مما يخلق حالة من عدم اليقين القانوني. وفي هذا السياق، قدمت الغرفة مذكرة فنية مفصلة إلى وزير التجارة الداخلية وتنظيم السوق الوطني. تضمنت المذكرة مقترحًا لإدراج أحكام صريحة وواضحة في قانون المالية لعام 2027 تهدف إلى توضيح الوضع القانوني لشركات الشخص الواحد ذات المسؤولية المحدودة بشكل نهائي، بما يضمن الانسجام التشريعي ويسهل عمل هذه الشركات.
إصلاحات ضريبية على رأس مال الشركات
اقترحت الغرفة الوطنية لمحافظي الحسابات مراجعة شاملة للنظام الضريبي الخاص بالعمليات المتعلقة برأس المال الاجتماعي للشركات التجارية. تشمل هذه العمليات زيادات أو تخفيضات رأس المال، وتحويل الحصص أو الأسهم، والتحويلات بين الأجيال. وفي هذا الإطار، أشارت الغرفة إلى ضرورة تخفيض رسوم التسجيل على زيادات رأس المال، سواء كانت بمدفوعات نقدية أو مساهمات عينية، لتشجيع الاستثمار وتوسيع الشركات. كما اقترحت دراسة إمكانية إعفاء أو فرض ضريبة رمزية على عمليات دمج الاحتياطيات والأرباح المرحلة ضمن رأس المال، بهدف تعزيز الملاءة المالية للشركات.
ودعت الغرفة أيضاً إلى التمييز القانوني الواضح بين تخفيض رأس المال لامتصاص الخسائر، والذي يهدف إلى تصحيح الوضع المالي للشركة، والتخفيض الذي يتضمن تسديد مبالغ للشركاء، والذي يحمل طبيعة توزيع أرباح. وفيما يخص تحويل الحصص والأسهم، اقترحت الغرفة مراجعة رسوم التسجيل وتوضيح قواعد التقييم بالاستعانة بالخبراء المحاسبين أو محافظي الحسابات لضمان العدالة والشفافية. وطالبت الغرفة بنظام ضريبي تفضيلي للأرباح الرأسمالية في حال إعادة استثمار عائدات البيع داخل شركات نشطة، وذلك لتحفيز إعادة تدوير رؤوس الأموال ودعم النمو الاقتصادي.
أما بخصوص التحويلات العائلية لرأس المال، فاقترحت الغرفة نظاماً تفضيلياً يقلل رسوم نقل الملكية في حالات الوفاة أو الهبة، مع اشتراط استمرار النشاط وفترة احتفاظ محددة، مما يسهل انتقال الشركات بين الأجيال ويحافظ على استدامتها. كما دعت الغرفة إلى تعميم آلية الاستشارة الضريبية المسبقة الإلزامية للعمليات المتعلقة برأس المال، لضمان الوضوح والشفافية وتقليل المخاطر الضريبية.
رقمنة الإجراءات ودليل عمل موحد
في سبيل تعزيز بيئة الأعمال وتبسيط الإجراءات، اقترحت الغرفة الوطنية لمحافظي الحسابات رقمنة إجراءات التسجيل وربطها بمنصات المركز الوطني للسجل التجاري بشكل فعال. وتهدف هذه الخطوة إلى تبسيط الإجراءات وتقليل البيروقراطية للمؤسسات بشكل كبير، مما يوفر الوقت والجهد. كما دعت الغرفة إلى إعداد دليل عمل موحد وشامل لحساب الرسوم وتقييم العمليات، بالتنسيق الوثيق مع المديرية العامة للضرائب والهيئات المهنية ذات الصلة. ومن شأن هذا الدليل أن يوفر مرجعية واضحة وموحدة للمتعاملين، مما يساهم في توحيد الممارسات وتقليل التباين في تفسير القوانين واللوائح، وبالتالي تعزيز الشفافية والعدالة في المعاملات المالية والضريبية على حد سواء.