مع بزوغ فجر الإنترنت وتطوره المتسارع، ظهر وصف "صناع المحتوى" كظاهرة جديدة تعكس تحولاً جذرياً في المشهد الإعلامي والرقمي العالمي. هذه التسمية، التي لم تكن موجودة قبل عصر الشبكة العنكبوتية، أصبحت تطلق على فئة واسعة من الأفراد الذين وجدوا في الفضاء الرقمي متنفساً للتعبير عن أنفسهم. وقد أتاح الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، بانتشارها الواسع وسهولة الوصول إليها، جرأة غير مسبوقة للكثيرين ممن لم ينجحوا أكاديمياً أو اجتماعياً في المسارات التقليدية، ليتخذوا لأنفسهم لقب "صناع محتوى" دون الحاجة إلى شهادات علمية معترف بها أو خبرة ميدانية متخصصة في المجالات التي يتناولونها. هذا التوجه يثير تساؤلات عميقة حول معايير المهنية والمسؤولية في هذا المجال الناشئ.
على النقيض تماماً من تأسيس عيادة طبية تتطلب سنوات من الدراسة والتدريب العملي، أو افتتاح متجر تجاري يستلزم الحصول على تراخيص رسمية وسجلاً تجارياً والالتزام الصارم باللوائح والقوانين المنظمة للقطاع، يُقدَّم مجال صناعة المحتوى في كثير من الأحيان كمهنة لمن لا مهنة له، ولقب يمكن للمرء أن يطلقه على نفسه بحرية مطلقة، بمعزل عن أي ضوابط أو معايير محددة. هذا الفارق الجوهري في متطلبات الدخول إلى هذه المهنة مقارنة بالمهن الأخرى يبرز فجوة تنظيمية كبيرة.
تنوع المحتوى وتحدياته الأخلاقية والاجتماعية
يتسم المحتوى الذي يقدمه بعض هؤلاء الصناع بتنوع غريب وغير مترابط، حيث يتناولون تفاصيل رياضية دقيقة قبل أن ينتقلوا فجأة إلى قضايا فنية، ثم لا يلبثون أن يصدروا أحكاماً دينية قاطعة، متورطين في الوقت ذاته في نزعات جهوية وتحريضية، بل ويتعدى الأمر ذلك إلى التشهير بأعراض الناس والقدح في سمعتهم. يظهر هذا التنوع المربك في المضامين التي يقدمونها عبر منصات متعددة، مما يثير تساؤلات جدية حول طبيعة المسؤولية المترتبة على هذا النشر الواسع وغير المنضبط، وتأثيره السلبي على النسيج الاجتماعي والقيم الأخلاقية.
غالباً ما يكون المحتوى المنتج سطحياً وتافهاً، يفتقر إلى العمق والتحليل، حيث يتناول صناع المحتوى مواضيع يفتقرون فيها إلى المعرفة المتخصصة أو الخلفية العلمية اللازمة. ويشمل ذلك مناقشة قضايا معقدة في الموسيقى أو الشعر أو تحليل مباريات كرة القدم، دون امتلاك الخلفية الكافية أو الفهم الحقيقي لهذه المجالات. هذه الظاهرة تبرز تحدياً كبيراً في تحديد معايير الجودة والمصداقية للمحتوى الذي يتم تداوله على نطاق واسع، وتؤثر سلباً على الوعي العام.
المنصات الرقمية وتأثيرها على الشباب
يقضي الأفراد، وخاصة فئة الشباب، ساعات طويلة وممتدة على منصات التواصل الاجتماعي مثل "تيك توك" (TikTok)، وهو ما يثير مخاوف جدية بشأن إهدار الوقت الثمين وزيادة مستويات الاضطراب النفسي والتوتر. تساهم هذه المنصة، بطبيعة محتواها السريع والمتقطع، في استهلاك كميات هائلة من وقت المستخدمين، مما قد يؤثر بشكل مباشر على أنشطتهم اليومية، تحصيلهم العلمي، وتركيزهم العام. وقد أشار مراقبون اجتماعيون ونفسيون إلى أن طبيعة المحتوى المتوفر على هذه المنصات، والذي غالباً ما يكون سريعاً ومثيراً، قد يؤدي إلى شعور متزايد بالتوتر أو الانفعال لدى بعض المستخدمين، خاصة الفئات العمرية الأصغر التي لا تزال في طور التكوين. هذا الاستهلاك المكثف وغير الموجه يطرح تساؤلات ملحة حول التوازن الضروري بين الترفيه الرقمي والأنشطة الأخرى الحيوية لتنمية الشباب الشاملة.
مبدعون مجتهدون في بحر من التحديات
في خضم هذا المشهد المعقد، يقر المقال بوجود بعض المبدعين المجتهدين والجادين الذين يقدمون محتوى قيماً في مجالات مهمة كالتراث والسياحة والثقافة، بالإضافة إلى بعض العلوم والمعارف المتخصصة. هؤلاء المبدعون يجدون أنفسهم في مواجهة تحديات كبيرة ضمن بيئة وصفوها بأنها "مستنقع من اللا محتوى الطاغي" الذي يطغى على الفضاء الرقمي ويسيطر على اهتمام الجمهور. كما يواجهون صعوبة بالغة في إيصال محتواهم الهادف الذي قد يتعارض أحياناً مع الهوية والتقاليد الجزائرية السائدة، أو لا يلقى نفس القدر من الانتشار الذي يحظى به المحتوى السطحي.
مطالبات بالمساءلة والعدالة لضمان المسؤولية
يطالب المقال بضرورة مساءلة ومحاسبة بعض صناع المحتوى الذين تورطوا في التشهير بأعراض الناس، أو الدعوة إلى الجهوية، أو التحريض على الكراهية. ويشير المقال إلى أن هؤلاء الأفراد يجب أن يواجهوا العدالة على أفعالهم التي تضر بالمجتمع وتخالف القوانين والأعراف. تأتي هذه المطالبات في سياق الجدل الدائر حول طبيعة المحتوى المنشور عبر المنصات الرقمية وتأثيره العميق على المجتمع، خاصة مع تزايد أعداد الأشخاص الذين يتبنون لقب "صناع المحتوى" دون ضوابط واضحة أو حس بالمسؤولية. ويسعى هذا التوجه إلى إرساء معايير واضحة للمسؤولية في الفضاء الرقمي، بما يضمن حماية الأفراد والمجتمع من المحتوى الضار، ويوازن بين حرية التعبير وضرورة الالتزام بالقوانين والأخلاق.