في ختام زيارة ثقافية وعلمية غنية، زار المؤلف مكتبة قيرفي في باتنة يوم الأربعاء، 15 أبريل 2026، وهو اليوم الثالث والأخير من زيارته للمنطقة. تُعد مكتبة قيرفي صرحًا ثقافيًا عريقًا، إذ تحمل لقب أقدم مكتبة في باتنة، وقد فتحت أبوابها للقراء والباحثين لأول مرة في عام 1962، لتكون بذلك منارة للعلم والمعرفة في المنطقة. خلال هذه الزيارة، اكتشف المؤلف كتابًا فريدًا يضم مجموعة من المقالات القيمة التي تعود إلى القرن التاسع عشر، والتي كتبها المستشرق إميل ماسكيراي (Émile Masqueray) وتتناول منطقة الأوراس العريقة. هذه المقالات تقدم رؤى عميقة حول تاريخ وثقافة المنطقة في تلك الحقبة الزمنية، مما يضيف بعدًا تاريخيًا مهمًا للزيارة.
عقب هذه الزيارة الثقافية، عاد المؤلف إلى الجزائر العاصمة مساء يوم 15 أبريل 2026، حيث وصل في تمام الساعة التاسعة مساءً. وقد حظي المؤلف بضيافة كريمة ومرافقة مميزة إلى المطار من قبل نخبة من الأساتذة الأفاضل، وهم الأستاذ الدكتور عبد الحميد خزار، والأستاذة الدكتورة نوار لمباركية، والأستاذ الدكتور نصر الدين معاشي، الذين كانوا جزءًا أساسيًا من نجاح هذه الزيارة.
خلال فترة تواجده في باتنة، تفقد المؤلف مزرعة الأستاذ الدكتور نصر الدين معاشي، الواقعة في منطقة قريبة من المطار. تتميز هذه المزرعة بجمالها الطبيعي، حيث تضم أشجار تفاح مورقة ومسكنًا مريحًا يوفر أجواءً هادئة ومناسبة للاسترخاء والتأمل. وفي لفتة تقديرية، أعرب المؤلف عن خالص شكره وامتنانه لجميع من ساهم في إنجاح هذه الزيارة وجعلها تجربة لا تُنسى. وقد شمل الشكر مدير الجامعة وعميد الكلية ومدير المؤتمر، بالإضافة إلى جميع الحاضرين الذين أثروا الفعاليات بنقاشاتهم ومشاركاتهم. كما لم ينسَ المؤلف توجيه الشكر لموظفي الفندق الذين قدموا خدمات ممتازة، وموظفي المطار على تسهيل إجراءات السفر. وخص الدكتور عبد الحميد خزار بالشكر الجزيل لدوره المحوري في تسهيل الزيارات للمعالم الثقافية والتاريخية، ولإسهاماته التعليمية والمجتمعية القيمة في مدينة باتنة، والتي تعكس التزامه العميق بتراث المنطقة ومستقبلها.
جذور الأسماء وأصول الأمازيغ
في لحظات تأملية، راقب المؤلف القمم المغطاة بالثلوج لجبال ثوغرا الشاهقة، التي تقع بالقرب من مدينة باتنة، بينما كان يتأمل في أصول أسماء الأماكن التي زارها. وفي هذا السياق، قدم الدكتور فؤاد بن عبيد إيضاحات قيمة حول أصل اسم "الأوراس"، مشيرًا إلى أنه مشتق من الكلمة الأمازيغية "أوراغ"، والتي تعني "الذهب". وبناءً على هذا الاشتقاق، فإن "الأوراس" تعني "جبال الذهب"، وهو وصف يليق بجمالها وثرواتها الطبيعية. من جانبه، أضاف الدكتور الحاج دوق أوهامنة معلومات حول اسم "الشاوية"، موضحًا أنه مستمد من الكلمة الأمازيغية "تيشاو"، التي تشير إلى "قمم الجبال". وبالتالي، فإن "إيشاويين" تعني "سكان قمم الجبال"، مما يعكس ارتباط هذه الفئة من السكان ببيئتهم الجبلية الشاهقة.
وفيما يتعلق باسم "باتنة" نفسه، قدم الدكتور فؤاد بن عبيد ثلاث فرضيات رئيسية لأصله، مما يعكس التنوع الثقافي والتاريخي للمنطقة. الفرضية الأولى لاسم "باتنة" تشير إلى أصل أمازيغي، حيث يُعتقد أنه مشتق من كلمة "باثنت"، والتي تعني "الأراضي المنخفضة الخصبة ذات المياه الوفيرة". هذه الفرضية تتوافق مع طبيعة المنطقة الجغرافية التي تتميز بخصوبة أراضيها ووفرة مصادر المياه فيها. أما الفرضية الثانية، فتقترح اشتقاق الاسم من عبارة فرنسية تعود إلى الحقبة الاستعمارية، وهي "الجيش البري لشمال إفريقيا. الكتائب" (Armée Terrestre Nord Africaine. Bataillons)، مما قد يشير إلى أهمية المنطقة العسكرية في تلك الفترة. وتذهب الفرضية الثالثة لاسم "باتنة" إلى أنه مشتق من الكلمة العربية "المبيت"، والتي تعني المكان الذي يُبات فيه، مما قد يعكس دور المدينة كمحطة استراحة أو نقطة تجمع للمسافرين والقوافل على مر العصور.
إرث الأولياء والصالحين
في إطار تكريم الشهداء الأبرار، أُقيم نصب تذكاري مهيب لهم، وتُليت سورة الفاتحة في حضوره، تخليدًا لذكراهم الطاهرة وتضحياتهم الجسيمة من أجل الوطن. وفي سياق آخر، تتجلى الأهمية التاريخية والدينية للمنطقة من خلال زاوية سيدي بوسالم، التي تأسست على يد سيدي أمحند أوشريف، المعروف أيضًا باسم سيدي بوسالم شريف. قدم هذا الشيخ الجليل من منطقة الساقية الحمراء في حوالي القرن السابع عشر، واستقر بين قبيلة أولاد أشليح، ليؤسس هناك مركزًا روحيًا وعلميًا. تشير المصادر الفرنسية إلى أن الشيخ المؤسس عاش في القرن السابع عشر، وترك إرثًا ثقافيًا ودينيًا عميقًا في منطقة عمارة، التي تقع ضمن بلدية وادي الشعبة حاليًا. وقد ذكرت المصادر الفرنسية أن قرية المؤسس كانت تضم حوالي 500 منزل، مما يدل على حجم التجمع السكاني الذي كان يحيط بهذه الزاوية وأهميتها في تلك الحقبة.
ناقش المؤرخ البارز الدكتور بلقاسم سعد الله حفيد سيدي بوسالم، الشيخ شليحي، في كتابه القيم عن تاريخ الجزائر الثقافي، مسلطًا الضوء على دوره ومكانته. وقد كُلّف الشيخ شليحي من قبل باي قسنطينة، الباي بوحَنَك، بمهمة نبيلة تتمثل في رعاية الحجاج، مما يؤكد على مكانته الدينية والاجتماعية المرموقة. وتعبيرًا عن التقدير والاحترام، منح باي قسنطينة أحفاد سيدي بوسالم مسجدًا خاصًا بهم في المدينة، يُدعى "مسجد الأربعين شريفًا"، مما يعكس الأهمية الكبيرة التي أولاها الباي لهذه العائلة الكريمة.
لقد كان لأحفاد سيدي بوسالم شريف دور بارز في تاريخ الجزائر، حيث دعموا بكل قوة انتفاضة عام 1871 المجيدة، التي قادها كل من الحاج محمد المقراني والشيخ محمد أمزيان بن الحداد، والتي كانت تعبيرًا عن رفض الاستعمار. ونتيجة لهذا الدعم، قام الجيش الفرنسي الغاشم بتدمير قرية أحفاد سيدي بوسالم بشكل كامل وتهجير سكانها، في محاولة لقمع المقاومة وتشتيت شمل العائلات المناضلة.
نضال المثقفين والتعليم الوطني
في إطار الفعاليات العلمية والثقافية، أُلقيت المحاضرة الثانية في كلية العلوم الإسلامية، وحملت عنوانًا بالغ الأهمية هو "البعد التحرري الوطني في نشاطات جمعية العلماء المسلمين الجزائريين". هذه المحاضرة سلطت الضوء على الدور المحوري الذي لعبته الجمعية في تعزيز الوعي الوطني ومقاومة الاستعمار من خلال التعليم والثقافة. وفي سياق متصل، استقبل عميد الكلية، الأستاذ الدكتور منصور كافي، المؤلف في مكتبه، في لفتة تعكس التقدير العلمي والأكاديمي. وقبل بدء المحاضرة، قام الدكتور محمد لعيب بتقديم المؤلف للحاضرين، مما مهد الطريق لتقديم الأفكار والمناقشات.
أعرب المؤلف عن رغبته الصادقة في زيارة المدرسة العربية الحرة بباتنة، التي تأسست إبان الاحتلال الفرنسي كرمز للمقاومة الثقافية والتعليم الوطني، لكن الوقت لم يسعفه لتحقيق ذلك للأسف. وقد أفاد الكاتب سعدي بيزيان المؤلف بمعلومات قيمة حول هذه المدرسة، مشيرًا إلى أن السيد حنفي لوعبي كان له دور محوري ورئيسي في تأسيس هذه المؤسسة التعليمية الرائدة. وفي خطوة تعكس دعم العلماء لحركة التعليم الوطني الحر، وافق الشيخ عبد الحميد بن باديس، رائد النهضة الإصلاحية، على فتح قسم للمدرسة في منزله الخاص المكون من غرفتين عام 1936، مما وفر بيئة تعليمية للطلاب في ظل ظروف صعبة. انتقلت المدرسة لاحقًا إلى سكن مشترك بين إسماعيل شيخي وبلقاسم شرفة، مما يدل على تضافر الجهود المجتمعية لدعم التعليم. استمر التعليم في هذه المدرسة الحرة حتى افتتاح مدرسة "النشأة الجديدة" عام 1954، التي استكملت مسيرة التعليم الوطني.
حمودة بن ساعي: قصة مفكر مغمور
في مبادرة تهدف إلى تخليد تاريخ عائلته وتكريمًا لوالده الشهيد، بادر الدكتور عبد الحميد خزار إلى بناء مسجد جامع في قرية عمارة، بالتعاون مع فاعلي الخير والمحسنين. وقد اكتمل بناء هذا المسجد المبارك في قرية عمارة عام 2014، ليصبح منارة دينية ورمزًا للوفاء. واختار الدكتور خزار اختتام الرحلة الثقافية بزيارة قرية جار، التابعة لبلدية سقانة، حيث استقرت عائلته بعد تهجيرها القسري من قرية عمارة في عام 1955، في ظل ممارسات الاستعمار الفرنسي. لكن عائلة خزار لم تجد الأمان المنشود في منفاهما الأول، إذ دمرت فرنسا منازلهم وهجّرتهم مرة أخرى حوالي عام 1959، في تكرار لمعاناة التهجير. بقيت عائلة خزار في مكان نفيها الثاني حتى استعادة الجزائر لاستقلالها المجيد عام 1962، لتعود إلى أرض الوطن بحرية وكرامة.
وفي سياق آخر، تبرز قصة المفكر والفيلسوف حمودة بن ساعي، وهو شخصية فكرية مرموقة من باتنة، الذي سافر إلى فرنسا في النصف الأول من القرن العشرين لدراسة الفلسفة في جامعة السوربون العريقة. هناك، التقى المفكر مالك بن نبي، أحد أبرز رواد الفكر الإسلامي الحديث، ونشأت بينهما علاقة فكرية عميقة. وقد أهدى مالك بن نبي نسخة من كتابه الخالد "الظاهرة القرآنية"، الذي صدر عام 1946، إلى حمودة بن ساعي، واصفًا إياه بـ "صديقه وأستاذه"، مما يدل على مكانة بن ساعي الفكرية العالية حتى بين كبار المفكرين.
عند عودته إلى الجزائر، عاش حمودة بن ساعي حياة مليئة بالصعوبات، حيث عانى من الفقر والتهميش في باتنة، وكان يكسب رزقه المتواضع من كتابة العرائض. وقد التقى الدكتور فؤاد بن عبيد بحمودة بن ساعي وقضى وقتًا معه، حيث تبادلا النقاشات الفكرية العميقة وتناولا مسائل حياتية وفلسفية متنوعة. وخلال هذه اللقاءات، ذكر حمودة بن ساعي أن الشيخ عبد الحميد بن باديس لم يكن معادياً للتصوف، خلافًا لبعض الاعتقادات الشائعة، مما يوضح جانبًا آخر من فكر الشيخ بن باديس. كما قام الشيخ بن باديس بتصحيح الطبعة الثانية من "المنظومة الرحمانية"، التي طُبعت عام 1923، بناءً على طلب حفيدها، سيدي محمود بن محمد، مما يعكس اهتمامه بالتراث العلمي والديني.
تقدير المساهمات والوفاء
تقديرًا لمسيرة حمودة بن ساعي الفكرية، ألّف الدبلوماسي نور الدين خندودي كتابًا عنه بعنوان "محمد حمودة بن ساعي أو المصير البائس لمثقف جزائري"، مسلطًا الضوء على حياته وإسهاماته وتحدياته. وفي لفتة تكريمية، قام الدكتور عبد الحميد خزار بتكريم حمودة بن ساعي عبر جمعية الإصلاح الاجتماعي والتربوي، مما أدى إلى ظهوره الوحيد على شاشة التلفزيون الوطني، ليحظى أخيرًا ببعض الاعتراف. إلا أن حمودة بن ساعي، الذي كان يشعر بالإحباط العميق جراء ما لقيه من تهميش، رفض إلقاء خطاب أو قبول التكريم المادي في الحفل، معبرًا بذلك عن مرارة تجربته. وقد غطت مجلة "الرواسي" هذا الاحتفال ونشرت رسالة شكر خطها حمودة بن ساعي، مما وثق هذه اللحظة في تاريخه. كما رتب الدكتور عبد الحميد خزار مقابلة تلفزيونية خاصة مع حمودة بن ساعي، أجراها الصحفي القدير فضيل بومالة لبرنامج "الجليس"، ليتسنى للجمهور التعرف على أفكاره.
في ظل الظروف القمعية للنظام الاستعماري، نصح الشيخ البشير الإبراهيمي حمودة بن ساعي بمغادرة الجزائر في 20 مارس 1950، وذلك خوفًا على سلامته ومستقبله. كان حمودة بن ساعي صديقًا مقربًا للشهيد البطل مصطفى بن بولعيد، وقد تأثر بشدة بوفاته، مما ترك أثرًا عميقًا في نفسه. وفي إطار دعم الشخصيات الوطنية، كان الدكتور عبد الحميد خزار داعمًا قويًا للمجاهد العقيد محمد الطاهر عبيدي (الحاج الأخضر)، الذي أسس مسجد أول نوفمبر ومعهد العلوم الإسلامية في الفترة ما بين عامي 1980 و1998، مما يؤكد على دوره في بناء المؤسسات الدينية والتعليمية في الجزائر المستقلة.