في لقاء جمع بين الكاتب والدكتور سليم بحيو في سوق الشراعة النابض بالحياة في الجزائر العاصمة، بدأت رحلة استكشاف لمدينة بني يزقن التاريخية. الدكتور بحيو، وهو طبيب ينحدر من أث يزقن (بني يزقن) في وادي مزاب، وجه دعوة كريمة للكاتب لزيارة مدينته وإلقاء محاضرة. هذه الدعوة لم تكن مجرد بادرة شخصية، بل كانت فرصة للتعمق في تاريخ وثقافة منطقة عريقة، ولبناء جسور التواصل الثقافي بين العاصمة الجزائرية وواحدة من أهم قلاعها التاريخية.
نُظمت المحاضرة بعناية من قبل الجمعية الثقافية القطبية، وهي هيئة ثقافية فاعلة يرأسها الشاعر صالح. حملت المحاضرة عنوان "التاريخ وأهميته في بناء الأمم"، وهو عنوان يعكس الأهمية الجوهرية للتاريخ في تشكيل الهوية الوطنية والوعي الجمعي. أُقيمت المحاضرة يوم السبت الموافق 20 يونيو 2026، في توقيت رمزي بعد صلاة المغرب، مما أضفى عليها طابعاً روحانياً وعمقاً ثقافياً. تُقدر عمر بني يزقن (أغرام أث يزقن) بأكثر من 750 عاماً، وهي مدينة عريقة تُعد بحق أيقونة سياحية في الجزائر، تجذب الزوار من كل حدب وصوب بفضل طرازها المعماري الفريد وتراثها الغني.
محاضرة حول التاريخ وبناء الأمة: دعائم الفهم والتأسيس
ناقشت المحاضرة التي ألقاها الكاتب الدور المحوري للتاريخ في فهم الحاضر وتشكيل المستقبل، مؤكدة على أن التاريخ ليس مجرد سرد للأحداث الماضية، بل هو أداة تحليلية لفهم تعقيدات الواقع. استشهد المحاضر في هذا السياق بمقولة الفيلسوف والمؤرخ الشهير عبد الرحمن بن خلدون: "التاريخ في ظاهره لا يزيد عن الإخبار، وفي باطنه نظر وتحقيق". هذه المقولة تلخص جوهر الفهم التاريخي العميق الذي يتجاوز السرد السطحي إلى التحليل والاستنباط. وأشارت المحاضرة إلى أن هذا الفهم يساعد في إدراك أن "الطغاة يجلبون الغزاة"، بحسب ما نقله ابن خلدون، وهي حقيقة تاريخية تتكرر عبر العصور وتؤكد على العلاقة بين الاستبداد والضعف أمام التحديات الخارجية.
كما قارنت المحاضرة بين نوعين رئيسيين من الكتابة التاريخية: الكتابة التاريخية الرسمية التي غالباً ما تركز على الجوانب الإيجابية والإنجازات بهدف بناء الوعي الوطني وتوحيد الصفوف، والكتابة التاريخية الأكاديمية التي تسعى إلى التجرد والموضوعية، والبحث عن الحقائق التاريخية المجردة دون تجميل أو تحيز. هذا التمييز يسلط الضوء على التحديات التي تواجه المؤرخين في سعيهم لتقديم رواية متوازنة وشاملة للماضي.
تطرقت المحاضرة إلى مؤرخين جزائريين بارزين أسهموا في إثراء المكتبة التاريخية الوطنية، منهم مبارك الميلي، مؤلف كتاب "تاريخ الجزائر في القديم والحديث" الذي صدر عام 1928، والذي يُعد مرجعاً أساسياً لدراسة تاريخ الجزائر. ومن بين المؤرخين الذين ذكرتهم المحاضرة أيضاً أحمد توفيق المدني، مؤلف "كتاب الجزائر" الصادر عام 1931، وهو عمل آخر يوثق جوانب مهمة من التاريخ الجزائري. في ختام المحاضرة، اقترح المحاضر ضرورة تأسيس مدرسة تاريخية جزائرية خاصة بها، تكون قادرة على تقديم رؤية وطنية للتاريخ مع الالتزام بالمنهجية العلمية والبحث الأكاديمي. هذه الدعوة تهدف إلى تعزيز البحث التاريخي المحلي وتكوين جيل جديد من المؤرخين الجزائريين. وتوصف بني يزقن بأنها "قلعة علمية" في وادي مزاب، مما يعكس مكانتها الثقافية والتاريخية كمركز إشعاع فكري وعلمي على مر العصور.
في سياق متصل، شهدت مدينة غرداية، وفي اليوم ذاته السبت الموافق 20 يونيو 2026، حدثاً تعليمياً مهماً تمثل في تخرج الدفعة الأولى من حاملي شهادة الليسانس في اللغة الأمازيغية من الجامعة الحرة "المعهد العالي للفنون واللغات الغفران". هذا التخرج يمثل خطوة مهمة نحو تعزيز الهوية الأمازيغية وتطوير تدريس اللغة والثقافة الأمازيغية في الجزائر. حضر حفل التخرج والي غرداية، عبد الله أبونوار، والأمين العام للمحافظة السامية للأمازيغية، سي الهاشمي أسعد، مما يؤكد على الدعم الرسمي لهذه المبادرات التعليمية والثقافية.
تراث بني يزقن المعماري والاجتماعي: شهادة على عراقة الماضي
خلال زيارته لبني يزقن، زار الكاتب مقبرة المدينة، المعروفة محلياً باسم "باعماد"، برفقة السيد بلقاسم بن كياه، حيث اطلع على جزء هام من التراث التاريخي للمدينة. تُعد مقبرة باعماد من المعالم الأثرية التي تعكس عمق تاريخ المنطقة وعاداتها الجنائزية الفريدة، وتوفر نافذة على الحياة الاجتماعية والدينية لسكان بني يزقن عبر الأجيال.
يُذكر أن المسجد العتيق في بني يزقن تأسس في القرن الرابع عشر الميلادي، وهو شهادة حية على عراقة المدينة وتاريخها الديني. شُيد هذا المسجد باستخدام مواد بناء محلية متوفرة في المنطقة، مما يعكس الاعتماد على الموارد الطبيعية والتقنيات المعمارية التقليدية التي كانت سائدة في تلك الحقبة. يتبع هذا المسجد المذهب الإباضي، الذي يتميز ببعض الفروق الطفيفة عن المذاهب الفقهية الإسلامية الأخرى، وفقاً لما هو معروف عن التركيبة المذهبية لوادي مزاب، مما يضيف بعداً خاصاً للهوية الدينية والثقافية للمنطقة.
يعتمد نظام الحكم والإدارة في مجتمع مزاب بشكل عام، وفي بني يزقن بشكل خاص، على منظومة "العزابة". هذه المنظومة هي هيئة دينية واجتماعية تُشرف على شؤون المدينة وتنظيم الحياة العامة فيها، وتلعب دوراً محورياً في الحفاظ على النظام الاجتماعي والأخلاقي. أسس هذه المنظومة أبو عبد الله محمد بن بكر الريغي الفرسطائي، الذي يُعتبر شخصية محورية ومؤسسة في تاريخ المنطقة، حيث وضع الأسس التي قامت عليها هذه الهيئة الإدارية. حظي نظام العزابة بدعم قوي من "مجلس الطلبة"، المعروف أيضاً باسم "إروان"، الذي كان يضم نخبة من المتعلمين والعلماء، وساهم بشكل فعال في تعزيز دور العزابة في إدارة شؤون المجتمع وتوجيهها، مما يدل على التكامل بين السلطة الدينية والعلمية في المجتمع المزابي.
يقع "معهد الجابري القرآني" بجوار المسجد العتيق، مما يشير إلى العلاقة الوثيقة والتكاملية بين التعليم الديني والمراكز العبادية في بني يزقن. تُعد هذه المعاهد مراكز أساسية لحفظ القرآن الكريم وتدريس العلوم الشرعية، وتلعب دوراً حيوياً في نشر المعرفة الدينية وصيانة التقاليد الإسلامية. كما عُثر على نقش حجري على جدار أحد المنازل يحمل عبارة "مكتبة الشيخ عمي يحيى، توفي سنة 1202 هـ / 1788 م"، مما يدل على الأهمية التي أُعطيت للعلم والمكتبات الشخصية في المدينة عبر تاريخها الطويل. يعكس هذا النقش الحفاظ على التراث الفكري للأعلام المحليين والاهتمام بتدوين المعرفة وحفظها للأجيال القادمة.
ومن المساجد التاريخية الأخرى التي تبرز عراقة المدينة، تأسس "مسجد تافيلالت" في القرن الخامس الهجري، مما يبرز القدم التاريخي للنشاط الديني والعلمي في المنطقة، ويؤكد على استمرارية الحياة الروحية والفكرية لسكان بني يزقن. وفي أعلى نقطة من المدينة القديمة، تقف شامخة برج مراقبة يتكون من أربعة طوابق، يُستخدم هذا البرج للمراقبة والدفاع عن المدينة، ويوفر رؤية بانورامية استراتيجية للمنطقة المحيطة، مما يؤكد على الجانب الأمني المحكم في التخطيط الحضري لبني يزقن، وذكاء المهندسين المعماريين في استغلال التضاريس الطبيعية.
تتميز بيوت مزاب التقليدية بتصميم معماري فريد يعكس تكيفاً مثالياً مع البيئة والاحتياجات الاجتماعية. يضم الطابق الأرضي عادةً مساحات مخصصة للحياة اليومية والأنشطة العائلية، حيث يلتقي أفراد الأسرة ويقضون معظم أوقاتهم. بينما يُخصص الطابق العلوي للنوم، مما يوفر الخصوصية والراحة. ويُستخدم السطح لأغراض متعددة، منها التجفيف والتخزين والاجتماعات العائلية في الأجواء اللطيفة، مما يعكس الاستغلال الأمثل للمساحات المتاحة وتكيفها مع الظروف المناخية والاجتماعية للمنطقة.
ويُعتبر "ساحة لالة عشو" مركزاً حيوياً للمدينة، فهي ليست مجرد ساحة عامة، بل تؤدي وظائف اقتصادية واجتماعية وثقافية متعددة. تُقام فيها الأسواق المحلية، وتُعقد اللقاءات الاجتماعية بين سكان المدينة، وتُقام بعض الفعاليات الثقافية والدينية، مما يجعلها نقطة تجمع رئيسية لسكان بني يزقن، ومرآة تعكس نبض الحياة اليومية في المدينة.
نظام إدارة المياه ومرونة المجتمع: هندسة بيئية متقدمة
في لمحة تعكس الدقة في إدارة الموارد، أظهرت لافتة في أحد ممرات بني يزقن منع استخدام مياه العين للغسيل أو البيع، مما يشير إلى وجود قواعد صارمة وواضحة لتوزيع الموارد المائية الشحيحة وضمان استدامتها للاستخدامات الأساسية. وتُدار موارد المياه في وادي مزاب من خلال نظام هندسي بيئي متقدم يعتمد على حواجز مائية مدروسة تهدف إلى منع الفيضانات خلال مواسم الأمطار الغزيرة، وفي الوقت نفسه تغذية الآبار والمياه الجوفية، مما يضمن توفر المياه للمجتمع والواحات الزراعية. خُصص صباح يوم الأحد، الموافق 21 يونيو 2026، لزيارة وادي بني يزقن والحواجز المائية المنتشرة فيه، للتعرف عن كثب على هذا النظام البيئي المائي المتكامل الذي يعد شاهداً على براعة الأجداد في التكيف مع البيئة الصحراوية.
مدينة بني يزقن الجديدة وتطلعات المستقبل: جسر بين الأصالة والمعاصرة
تقع مدينة بني يزقن الجديدة في مرتفعات تافيلالت، مما يمثل امتداداً عمرانياً طبيعياً للمدينة التاريخية، وخطوة نحو تلبية احتياجات النمو السكاني مع الحفاظ على روح المكان. قامت مؤسسة "أميدول" بتشييد المدينة الجديدة، بدعم من المجتمع المدني ومساهمات حكومية، مما يعكس تضافر الجهود المحلية والوطنية في مشاريع التنمية. تجمع المدينة الجديدة بذكاء بين العناصر الحديثة، مثل الطرق الأوسع والبنية التحتية المتطورة ومواد البناء العصرية التي توفر الراحة والمتانة، مع الالتزام بالنمط المعماري التقليدي لمنطقة مزاب، مما يضمن الحفاظ على الهوية البصرية للمنطقة. وتضم المدينة الجديدة أيضاً حديقة ترفيهية عالمية المستوى، توفر مساحات خضراء ووسائل ترفيه حديثة للسكان والزوار على حد سواء. من جهته، بنى الدكتور سليم بحيو منزلاً تقليدياً بلمسة عصرية ضمن واحة خضراء في المدينة الجديدة، ليجسد بذلك التوازن بين الأصالة والمعاصرة في حياته الخاصة. كما أسس الدكتور بحيو عيادة حديثة ومتطورة، تحمل اسم "عيادة القصور" (Clinique El-Ksours)، في مدينة غرداية، مما يعكس مساهمته في تطوير الخدمات الصحية بالمنطقة.
الهوية المتجذرة وروح الأصالة: ارتباط لا ينفصم بالأرض
يُعرف سكان بني يزقن بتمسكهم العميق بأرض الأجداد، إذ يحرصون على العودة إليها بعد فترات الهجرة والعمل في المدن الأخرى، مما يعكس ارتباطهم الوثيق بجذورهم وتقديرهم لتراثهم. هذا العودة الدورية ليست مجرد تقليد، بل هي تعبير عن هوية راسخة وانتماء لا يتزعزع. ويُبرز المطبخ التقليدي في مزاب جزءاً لا يتجزأ من هذا التراث الغني، حيث تشمل الأطباق المحلية "أهدهاد" وهو حساء دافئ ومغذٍ، و"أوشو" وهو طبق كسكس تقليدي يتميز بنكهاته الفريدة، بالإضافة إلى مشروب "تاكراوايث" التقليدي الذي يعكس عادات الضيافة المحلية. ويُجسد أهل بني يزقن الهوية الجزائرية بكل مكوناتها الأصيلة: الأمازيغية، والإسلامية، والعربية، مما يؤكد على الثراء الثقافي للمنطقة واندماجها الكامل ضمن النسيج الوطني الجزائري المتنوع، والذي يحتفي بتعدد روافده الحضارية. هذا التنوع هو مصدر قوة للجزائر، وبني يزقن تقف كشاهد حي على هذه الحقيقة، محافظة على جذورها بينما تتطلع إلى المستقبل.