تستضيف بلغاريا سنوياً المسابقة الدولية للرياضيات (IMC)، وهو حدث أكاديمي مرموق وصل إلى نسخته الثالثة والثلاثين. تعد هذه المسابقة من أبرز التظاهرات الأكاديمية العالمية التي تجمع نخبة من الطلاب الموهوبين في مجال الرياضيات. تتطلب المسابقة حضور جميع المشاركين شخصياً في بلغاريا، مما يؤكد على طبيعتها التنافسية المباشرة ويزيد من هيبتها وقيمتها العلمية. وقد شهدت نسخة عام 2026 من المسابقة مشاركة واسعة النطاق، حيث بلغ عدد الطلاب المشاركين 447 طالباً قدموا من أكثر من 40 دولة مختلفة، يمثلون حوالي 130 جامعة حول العالم، مما يعكس الطابع الدولي والسمعة الرفيعة التي تتمتع بها المسابقة.
تفاصيل المسابقة الدولية للرياضيات وآليات المشاركة
استضافت الجامعة الأمريكية في بلغاريا (American University in Bulgaria) النسخة الثالثة والثلاثين من المسابقة الدولية للرياضيات في الفترة من 27 يوليو إلى 3 أغسطس 2026. ما يميز هذه المسابقة عن غيرها من المسابقات الأكاديمية الدولية هو نموذج المشاركة الفريد الذي تعتمده. فخلافاً لمعظم المسابقات التي تقتصر المشاركة فيها على وفد وطني واحد لكل دولة، تسمح المسابقة البلغارية لأي طالب جامعي يقل عمره عن 23 عامًا بالمشاركة، سواء بشكل فردي أو مع زملائه ممثلين لجامعتهم. هذا النهج يفتح الأبواب أمام عدد أكبر من المواهب الشابة للمنافسة واكتساب الخبرة الدولية. تبلغ تكلفة المشاركة في المسابقة حوالي 700 يورو للشخص الواحد، وتغطي هذه الرسوم الإقامة والطعام، مما يضمن بيئة مناسبة للتركيز على التحديات الرياضية. لوحظ أيضاً أن 19 مشاركًا فرديًا أدرجوا في الترتيب النهائي دون تحديد مدينتهم أو بلد منشأهم، مما قد يشير إلى تنوع خلفيات المشاركين أو خياراتهم في الإفصاح عن بياناتهم.
تحليل نتائج المدرسة الوطنية العليا وتضاربها مع الحقائق الرسمية
بعد إعلان النتائج الرسمية للمسابقة، نشرت المدرسة الوطنية العليا للرياضيات بياناً رسمياً أثار العديد من التساؤلات. ادعى البيان أن شمس الدين عبد العالي درّاش أحرز المرتبة الأولى في المسابقة، في حين حصد محمد أمير بن ملوكة وهيثم إدريس آيت حمدوش المرتبة الثالثة. وقد صيغ البيان بلهجة احتفالية، حيث ذكر أن "هذا التتويج كان من نصيب طلبة المدرسة الوطنية العليا في الرياضيات شمس الدين عبد العالي درّاش، المتوج بالمرتبة الأولى، ومحمد أمير بن ملوكة، وهيثم إدريس آيت حمدوش، المتوج بالمرتبة الثالثة، في إنجاز علمي مشرّف يعكس تميز طلبتنا وقدرتهم على المنافسة في أرقى التظاهرات الأكاديمية الدولية، ورفع راية الجزائر عاليًا بين نخبة جامعات العالم". هذا التصريح، رغم طابعه الوطني المشجع، يتناقض بشكل لافت مع النتائج الرسمية المعلنة من قبل منظمي المسابقة.
النتائج الرسمية للمسابقة أظهرت انتساب شمس الدين درّاش إلى "وزارة التعليم العالي/ ثانوية لوي لو غران (فرنسا)"، وليس إلى المدرسة الوطنية العليا للرياضيات في سيدي عبد الله بالجزائر. هذا التباين في الانتماء الأكاديمي يمثل نقطة جوهرية في تقييم دقة البيان الصادر عن المدرسة الوطنية العليا. ويُذكر أن شمس الدين درّاش يدرس في ثانوية لوي لو غران في باريس منذ حصوله على شهادة البكالوريا في عام 2024، مما يؤكد انتسابه لمؤسسة تعليمية فرنسية في الوقت الحالي.
إن مسيرة شمس الدين درّاش الأكاديمية حافلة بالإنجازات المرموقة، فقبل ثلاث سنوات، وتحديداً في عام 2023، عندما كان يدرس في ثانوية الرياضيات بالقبة، فاز بميدالية برونزية في الأولمبياد الدولي للرياضيات. وفي عام 2024، واصل درّاش تألقه ليحرز ميدالية ذهبية في الأولمبياد الدولي للرياضيات، ليصبح بذلك أول طالب جزائري يحقق هذا الإنجاز التاريخي منذ بدء مشاركة الجزائر في الأولمبياد عام 1977. هذه الإنجازات الكبيرة لم تمر مرور الكرام، فقد تلقى درّاش دعماً استثنائياً من السلطات الجزائرية ووزارة التعليم العالي عبر منحة دراسية للدراسة في الخارج، تقديراً لموهبته الفذة وتشجيعاً لمسيرته الأكاديمية.
مقارنة الإنجازات وتصنيف الفئات: كشف حقيقة التراتيب
صنّف منظمو المسابقة جميع المشاركين البالغ عددهم 447 طالباً ضمن سبع فئات متدرجة بناءً على النقاط المحرزة، بهدف تقدير مستويات الأداء المختلفة. هذه الفئات تعكس نظاماً دقيقاً للتقييم ويجب فهمها جيداً لتقدير الإنجازات الحقيقية للطلاب.
الفئة الأولى، التي تحمل اسم "الجائزة الكبرى للتميز" (Grand Prize for Excellence)، ضمت ثلاثة طلاب فقط، وهم من احتلوا المراكز من الأول إلى الثالث في الترتيب العام للمسابقة. هؤلاء الطلاب هم النخبة المطلقة في هذه الدورة.
تليها الفئة الثانية، "جائزة التميز" (Prize for Excellence)، التي شملت تسعة طلاب، محتلين المراكز من الرابع إلى الثاني عشر في الترتيب العام.
أما الفئة الثالثة، "الجائزة الأولى" (First Prize)، فقد ضمت 80 طالباً، احتلت مراكزهم من 13 إلى 92 في الترتيب العام. وهنا تكمن نقطة مهمة تتعلق بشمس الدين درّاش؛ فقد صُنّف ضمن هذه الفئة، حيث أظهرت نتائجه الرسمية حصوله على ترتيب يتراوح بين المركزين الثامن عشر والعشرين من أصل 447 مشاركاً. هذا الترتيب، رغم كونه ممتازاً ويضعه ضمن أفضل 5% من المشاركين، إلا أنه يختلف جذرياً عن الادعاء بحصوله على المرتبة الأولى المطلقة.
بعد ذلك تأتي الفئة الرابعة، المعروفة باسم "الجائزة الثانية" (Second Prize)، وقد شملت 78 طالباً، وتراوحت مراكزهم بين 93 و170 في الترتيب العام.
أما الفئة الخامسة، التي أُطلق عليها "الجائزة الثالثة" (Third Prize)، فقد ضمت 69 طالباً، وجاءت مراكزهم في الترتيب العام بين 171 و239. وفي هذه الفئة، صُنّف كل من محمد بن ملوكة وهيثم آيت حمدوش ضمن "الجائزة الثالثة"، حيث تراوحت مراكزهما بين 220 و227. هذا التصنيف يوضح أن إنجازهما، وإن كان يستحق التقدير، لا يتوافق مع الادعاء بحصولهما على المرتبة الثالثة المطلقة في المسابقة.
تضمنت الفئة السادسة، المخصصة لـ "شهادة الشرف" (Certificate of Honor)، 106 طلاب، واحتلت مراكزهم من 240 إلى 345. ومن اللافت أن ثلاثة طلاب جزائريين صُنّفوا ضمن فئة "شهادة الشرف"، وتراوحت مراكزهم بين 287 و333، لكن لم يُذكروا في البيان الصادر عن المدرسة الوطنية العليا للرياضيات، مما يثير تساؤلات حول معايير الاختيار في البيان الرسمي.
أما الفئة السابعة والأخيرة، "شهادة التقدير" (Certificate of Appreciation)، فقد شملت 102 طالب، محتلين المراكز من 346 إلى 447. وقد صُنّف مشارك جزائري واحد ضمن هذه الفئة، حيث احتل المركز 366.
يتضح من هذا التحليل الدقيق للنتائج الرسمية أن هناك تفاوتاً كبيراً بين ما ورد في البيان الصادر عن المدرسة الوطنية العليا للرياضيات والواقع الموضوعي لترتيب المشاركين. فبينما يظل إنجاز الطلاب الجزائريين، وخاصة شمس الدين درّاش، مشرفاً ومبعث فخر، إلا أن دقة المعلومة وشفافيتها تبقى أمراً جوهرياً في التعامل مع الإنجازات الأكاديمية الدولية. إن التقدير المبالغ فيه قد يضر بمصداقية المؤسسات التعليمية ويحجب الصورة الحقيقية للجهود المبذولة والنتائج المحققة.